أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏‍♂🗣…















المزيد.....

حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏‍♂🗣…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 18:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ في عالمٍ يزداد اضطراباً يوماً بعد آخر ، تبدو المفارقات أكثر حضوراً من أي وقت مضى ، ففي اللحظة التىّ تُحصى فيها الخسائر على جبهات القتال ، وتُسجل أسماء القتلى والجرحى في دفاتر الحروب ، ترتفع في مكان آخر أصوات الجماهير احتفالاً بهدف أو انتصار ، وبين هذين المشهدين ، لا يقف الإنسان منقسماً بين عالمين متناقضين ، بل يعيشهما معاً ؛ إذ يحمل في داخله القدرة ذاتها على مواجهة الموت والبحث عن الفرح ، من هنا ، لا يبدو الانتقال من جنوب لبنان إلى ملاعب كأس العالم خروجاً عن السياق ، بل امتداداً له ، فالحرب والسياسة والرياضة ، على اختلاف أدواتها ، تكشف في النهاية عن جوهر الإنسان وقدرته على الصمود والتعبير عن ذاته ، في جنوب لبنان، فرضت التطورات الميدانية نفسها على المشهد السياسي والعسكري ، فبحسب ما أوردته الصحافة العبرية ، فإن المواجهات التىّ شهدتها مرتفعات علي الطاهر دفعت قيادة جيش الاحتلال إلى إصدار تعليمات عاجلة بوقف بعض العمليات والانسحاب من مواقع متقدمة بعد خسائر بشرية وعسكرية كبيرة خلال 4 أيام من القتال وصلت ل100 قتيل من الجنود والضباط الاسرائيليين ، وكانت حكومة بنيامين نتنياهو قد دفعت باتجاه مواصلة العمليات البرية أملاً في تحسين شروطها السياسية والتفاوضية ، إلا أن الوقائع الميدانية بدت أكثر تأثيراً من الحسابات النظرية ، بل هناك قرارٌ أيضًا بالانسحاب من قلعة الشقيف ، بعدما أصبح الوجود فيها مفرمةً للحم الجنود تمامًا ، كما يُقال في التعبير الشعبي الأكثر شيوعًا ، فالسياسة كثيراً ما تحاول إخضاع الميدان لرغباتها ، لكن التاريخ يثبت مراراً أن الميدان يمتلك منطقه الخاص ، ولهذا لم تكن المواجهات مجرد اشتباكات عسكرية ، بل اختباراً جديداً لحدود القوة وقدرتها على فرض إرادتها بالقوة المجردة ، ومع ذلك ، فإن الإنسان لا يستطيع العيش داخل دائرة الحرب بصورة دائمة ، فالشعوب التىّ تواجه الأزمات والصراعات تحتاج دائماً إلى نافذة أخرى تطل منها على الحياة ، ولهذا السبب تحديداً ، لا يمكن النظر إلى كرة القدم باعتبارها مجرد لعبة أو وسيلة للترفيه ، بل باعتبارها مساحة جماعية تستعيد من خلالها المجتمعات شيئاً من الأمل والمعنى .

وفي هذا السياق ، جاء انتصار المنتخب المصري ليشكل لحظة استثنائية في الذاكرة الرياضية العربية ، فبعد مرور 92عاماً على أول مشاركة مصرية في كأس العالم ، بدا أن المنتخب يقف أمام فرصة تاريخية لكسر واحدة من أكثر العقد رسوخاً في تاريخه ، لكن البداية لم تكن مطمئنة ، فمع الهدف المبكر الذي سجلته نيوزيلندا في الدقيقة ال 16 ، عادت المخاوف القديمة إلى أذهان الجماهير ، وبدأ كثيرون يستحضرون مشاهد الإخفاقات السابقة ، وكأن التاريخ يستعد لتكرار نفسه مرة أخرى ، غير أن كرة القدم ، مثل التاريخ ، لا تسير دائماً وفق التوقعات ، ففي الشوط الثاني ظهر منتخب مصري مختلف تماماً ، ارتفع مستوى الضغط ، وتحسن الانتشار داخل الملعب ، وبرزت شخصية أكثر قوة وثقة ، ولم يكن التحول في النتيجة وحدها ، بل في الروح التىّ ظهر بها اللاعبون ، فقد بدا الفريق وكأنه تحرر من عبء الماضي ، وقرر أن يكتب روايته الخاصة بدلاً من الاستسلام لما اعتاده الجميع ، ولذلك لم يكن الفوز صدفة ، ولم يكن نتاج لحظة عابرة أو خطأ من المنافس ، بل نتيجة تفوق واضح على مستوى الأداء والسيطرة والثقة بالنفس ، لقد كسر المنتخب المصري حاجزاً نفسياً وتاريخياً امتد لعقود طويلة ، وأثبت أن الإرادة قادرة أحياناً على هزيمة أثقال الماضي .

وفي قلب هذا التحول برز محمد صلاح بوصفه أكثر من مجرد لاعب كرة قدم ، فالرجل الذي تعرض خلال السنوات الماضية لانتقادات متكررة بسبب الفارق بين أدائه مع نادي ليفربول ومنتخب بلاده ، وجد نفسه مرة أخرى أمام اختبار كبير ، إلا أنه اختار الرد بالطريقة التىّ يجيدها: داخل الملعب ، ففي الوقت الذي كان يمر فيه بظروف صعبة على المستوى الشخصي والرياضي ، نجح في صناعة هدف أمام بلجيكا ، ثم سجل وصنع أمام نيوزيلندا ، مؤكداً أن اللاعب الكبير لا يُقاس بما يمر به من أزمات ، بل بقدرته على تجاوزها ، كما أن تمريرته القطرية إلى زيكو لم تكن مجرد لقطة فنية ، بل تعبيراً عن رؤية وقدرة على قراءة الملعب وصناعة الفارق في اللحظات الحاسمة ، ولعل ما يميز صلاح أيضاً أنه استطاع أن يجمع بين الاحتراف العالمي والانتماء الوطني ، فوجوده في إنجلترا لم يبعده عن مصر ، بل منحه أدوات جديدة لخدمة منتخب بلاده ، فالهوية الوطنية لا تتناقض مع الانفتاح على العالم ، بل قد تتعزز من خلاله ، وهنا تتقاطع كرة القدم مع السياسة مرة أخرى ، فكما أن القائد السياسي الناجح هو من يستطيع التعامل مع المتغيرات غير المتوقعة ، فإن المدرب الناجح هو من يمتلك القدرة على قراءة التحولات داخل الملعب وتعديل مساره وفق المعطيات الجديدة ، ولهذا تبدو التجارب الإسبانية والبرتغالية مثالاً مهماً على فهم الديناميكيات المتغيرة للعبة والتى انعكست على لاعبين المنتخب المغربي ، حيث لا تُدار المباريات بالنظريات وحدها ، بل بالقدرة على التكيف مع الواقع المتحرك .

وفي الحقيقة ، فإن تسجيل الأهداف لا يقتصر على المهارة الفردية أو دقة التسديد ، فالمهاجم الكبير لا يصنع الفارق فقط عندما يسجل ، بل عندما يجذب المدافعين نحوه ويفتح المساحات أمام زملائه ، وهذا ما يصنعه كرستيانو رونالد ، ومن هنا يبني المدربون خططهم على استغلال أخطاء المنافس ونقاط ضعفه ، تماماً كما يفعل السياسيون في إدارة الصراعات والتوازنات ، وفي نهاية المطاف، تبقى كرة القدم أكثر من مجرد منافسة رياضية ؛ إنها ظاهرة إنسانية تتقاطع فيها الهوية الوطنية والعاطفة الجماعية والاقتصاد والثقافة والسياسة ، ولعل من أبلغ الشواهد على ذلك مشاهد التضامن والتعاطف التىّ تتجاوز الحدود والجغرافيا ، كما حدث مراراً حين شجّع أهل غزة المنتخب المصري واليوم كذلك من تحت الركام وخط النار ، فرأوا فيه امتداداً لآمالهم ومشاعرهم وانتمائهم العربي ، فاختلط التشجيع الرياضي بمعاني القرب الإنساني والوجداني ، ولعل أجمل ما يختصر هذه الحقيقة تلك الصورة الإنسانية لرجل يتابع مباراة منتخب بلاده بينما ترقد طفلته المصابة إلى جواره ؛ يهتف مع الهدف ، ويبتسم مع الانتصار، ثم يلتفت إليها فتغلبه الدموع ، فيبكي فرحاً لوطنه ، وحزناً على اصابتها ، وخوفاً من فقدها ، عندها تبدو كرة القدم كما هي في جوهرها : مساحة تتلاقى فيها الأفراح والأحزان والذكريات والآمال ، وتكشف جانباً عميقاً من التجربة الإنسانية المشتركة .

في تلك اللحظة تختلط المشاعر كلها في قلب إنسان واحد ، كما تختلط في عالمنا مشاهد الحرب ومشاهد الفرح ، وبين مرتفعات علي الطاهر ومدرجات المونديال، تبقى الحكاية واحدة : حكاية الإنسان الذي يواجه الموت حيناً ، ويبحث عن الحياة حيناً آخر ، ولا يتوقف عن الحلم في الحالتين …والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحقيقة تحت النار🔥: من استهداف الصحافيين إلى إعادة ه ...
- حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفه ...
- بين وهم الخلود وعزلة القوة:قراءة📕في المأزق الصهيوني ...
- بين تحولات واشنطن واستنزاف الجنوب اللبناني: هل تتبدل خرائط&# ...
- الإنسان الغائب🤷‍♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى ...
- بين أساطير الجنوب✌وتوازنات الشرق: من مقاومة الميدان إل ...
- وهم القيمة: الإنسان بين حقيقة الوجود وسلطة المجتمع👰‍ ...
- من المخيم إلى البلدية:رؤية فلسطينية🇵🇸جديدة ل ...
- الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …
- روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واست ...
- من الشك🙇‍♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا ...
- الهروب🏃‍♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي ...
- من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي ...
- بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان و ...
- بين رعب الميدان ومأزق السياسة🙆‍♂ ؛سليل ابي محم ...
- الوفاء والفساد وصناعة المستقبل: من حمامةٍ🕊تبحث عن إن ...
- العمران الغائب🤷‍♂: كيف خسر الإنسان العربي معرك ...
- من أسطورة الملاعب⚽إلى اقتصاد النفوذ: محمد صلاح وكرة ال ...
- الكبت والذاكرة: كيف يصنع الإنسان سجنه الداخلي؟…
- بين الأصل والتقليد: بن غفير وشعبوية الاستعراض🤡في زمن ...


المزيد.....




- روبيو في الإمارات ضمن جولة خليجية.. ماذا قال عن صندوق -إعادة ...
- من هو علي الذوادي -الوسيط القطري الغامض- في مفاوضات واشنطن و ...
- مضيق هرمز على طاولة مسقط وطهران.. إدارة الملاحة و-التكاليف- ...
- جولة روبيو في الخليج.. هل ينجح وزير الخارجية الأمريكي في -طم ...
- ثلاثة أيام في واشنطن قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة.. ماذا يُ ...
- فون دير لاين تزور باشينيان في يريفان لتعزيز التصويت المؤيد ل ...
- السفير الإسرائيلي في واشنطن: نحن في وضع كارثي بسبب حزب الله  ...
- مصر تعلن إحباط دخول نحو 100 ألف متسلل ومهاجر غير شرعي للبلاد ...
- بينيت يعترف: إسرائيل هربت -ستارلينك- إلى إيران لدعم الاحتجاج ...
- نيويورك تايمز: 3 أهداف تقود أجندة روته في الناتو يتصدرها ضما ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏‍♂🗣…