أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الإنسان الغائب🤷‍♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى نرجسية العنصرية …














المزيد.....

الإنسان الغائب🤷‍♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى نرجسية العنصرية …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 09:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليست الوقائع التاريخية والسياسية مجرد أحداث عابرة يتوقف عندها المراقب من أجل الاستشهاد أو المقارنة ، بل هي نوافذ مفتوحة على البنية العميقة للأفكار التىّ تصنع المجتمعات وتوجه مصائرها ، فخلف كل ظاهرة من ظواهر الاضطهاد أو الإقصاء أو الإنكار تقف منظومة فكرية تمنحها الشرعية وتوفر لها المبررات الأخلاقية والسياسية ، ولأن المقدسات البشرية تزداد رسوخًا كلما طال عمرها ، فإن تفكيكها أو مساءلتها يصبح مهمة شاقة ، وربما من أكثر المهام التىّ واجهها المفكرون والفلاسفة عبر التاريخ ، ومن بين هؤلاء يبرز الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ، الذي لم ينشغل بالإنسان بوصفه كائنًا مجردًا ، بل باعتباره مشروعًا مفتوحًا على الحرية والمسؤولية ، وقد لخّص التجربة الإنسانية في ثلاث مراحل متتابعة : " يعتقد الإنسان في البداية أنه قادر على تغيير الحياة ، ثم يكتشف حدود قدرته فيظن أنه عاجز عن تغييرها ، قبل أن يصل إلى الإدراك الأكثر تعقيدًا، وهو أن الحياة نفسها قد غيّرته "، وبين هذه المراحل الثلاث تتشكل الدراما الإنسانية بكل ما تحمله من أحلام وانكسارات وأسئلة وجودية ، غير أن أهمية سارتر لا تتوقف عند حدود الفلسفة ، بل تمتد إلى رؤيته للأدب ودوره في المجتمع ، فقد كان يرى أن الإنسان هو مركز المعنى ، وأن الكلمة لا تكتسب قيمتها من جمالها اللغوي وحده ، بل من قدرتها على الدفاع عن الحرية وكشف الظلم ومساءلة الواقع ، ولهذا وقف موقفًا نقديًا من بعض الاتجاهات الأدبية التىّ جعلت اللغة غاية قائمة بذاتها ، معتبرًا أن الأدب الذي ينفصل عن الإنسان يفقد وظيفته الأخلاقية والتاريخية ، وإذا كان سارتر قد دافع عن الإنسان من موقع الفيلسوف ، فإن الشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا دافع عنه من موقع الشاعر الذي جعل من الكلمة مأوى للكرامة الإنسانية ، لم يكن لوركا شاعرًا منشغلًا بالزخرفة اللفظية أو الجمال المجرد ، بل كان شاعرًا منحازًا إلى الإنسان البسيط والمهمش والمطارد ، وفي عالمه الشعري كانت الحرية قيمة وجودية لا تقل أهمية عن الجمال نفسه ، ولعل هذا ما جعل تجربته تتجاوز حدود الأدب لتصبح شهادة أخلاقية ضد القمع والاستبداد ، لقد أدرك لوركا ، كما أدرك سارتر من قبله ، أن مأساة الإنسان تبدأ عندما يتحول الآخر إلى مجرد موضوع أو رقم أو ظل بلا قيمة. ولهذا ظل شعره محتشدًا بالحياة والناس والذاكرة والألم الإنساني ، لأن الشعر عنده لم يكن هروبًا من الواقع ، بل محاولة لاستعادته في صورته الأكثر إنسانية .

ومن هنا تبرز المفارقة الكبرى ؛ فحين يغيب الإنسان عن الأدب يصبح النص أسير ذاته ، وحين يغيب الإنسان عن السياسة تصبح الدولة أسيرة صورتها عن نفسها ، وفي الحالتين معًا تبدأ عملية الانفصال التدريجي عن الواقع وعن الآخر ، وهذا الانفصال هو المدخل الطبيعي لما يعرف في علم النفس بالنرجسية الخبيثة ، وهي حالة تتجاوز الثقة بالنفس أو الاعتزاز بالهوية لتتحول إلى شعور مرضي بالتفوق ، يرافقه احتقار الآخرين وإنكار حقوقهم واعتبار وجودهم تهديدًا دائمًا ، والنرجسية الخبيثة لا تقتصر على الأفراد ، بل يمكن أن تتحول إلى سلوك جماعي وثقافة سياسية كاملة ، فهي تبدأ باعتقاد الذات أنها تمتلك الحقيقة المطلقة ، ثم تنتهي بإقصاء كل من لا يشبهها أو لا يوافقها ، وعندما تصل هذه الحالة إلى المجال السياسي تصبح العنصرية أحد تجلياتها الأكثر خطورة ، لأن الآخر لا يعود مختلفًا فحسب ، بل يصبح أقل قيمة أو أقل استحقاقًا للحياة والحقوق ، ولعل الأدب العالمي قدم وصفًا مبكرًا لهذه الظاهرة في رواية “قلب الظلام” للروائي جوزيف كونراد ، فالرواية لا تتحدث عن العنف بوصفه حدثًا منفصلًا ، بل تكشف كيف يتحول ادعاء التفوق الحضاري إلى أداة للهيمنة والتوحش ، فالشخصية المركزية لا تسقط بسبب ضعفها ، وإنما بسبب اقتناعها بأنها فوق الآخرين وفوق المعايير الأخلاقية المشتركة ، وهنا يصبح الشر نتيجة طبيعية لتضخم الذات ، لا نتيجة استثنائية لغياب القانون ، وهذا ما يجعل العلاقة بين النرجسية الخبيثة والعنصرية علاقة عضوية وليست عرضية ، فكلتاهما تقومان على مركزية الذات وإنكار الآخر ، وكلتاهما تحتاجان إلى بناء صورة مثالية عن النفس في مقابل صورة مشوهة للغير ، وعندما تتجذر هذه الرؤية داخل مجتمع أو دولة ، تتحول الحدود النفسية إلى حدود سياسية ، ويتحول الخوف إلى جدران ، وتتحول القوة إلى أداة لإدامة الهيمنة بدل أن تكون وسيلة لتحقيق الأمن والعدالة.

ومن هذا المنظور يمكن قراءة كثير من الممارسات الإسرائيلية المعاصرة بوصفها تعبيرًا عن بنية فكرية ترى نفسها مركزًا للتاريخ والحق ، بينما تنظر إلى الفلسطيني بوصفه عائقًا أمام اكتمال هذه الصورة ، والمشكلة هنا لا تكمن في الصراع السياسي وحده ، بل في الفلسفة الضمنية التىّ تجعل الاعتراف بالآخر تهديدًا للذات ، وتجعل التعايش ضعفًا ، وتجعل القوة البديل الوحيد عن العدالة .

غير أن التاريخ يقدم درسًا متكررًا لا يتغير ؛ فالمشاريع التىّ تقوم على الإقصاء والتفوق تحمل في داخلها بذور فنائها ، ذلك أن المجتمع الذي يستهلك طاقاته في نفي الآخرين يفقد تدريجيًا قدرته على تطوير نفسه ، ومع مرور الزمن يصبح أسيرًا لصراعاته الداخلية ومخاوفه المتراكمة ، فيتحول مشروع الهيمنة إلى مشروع دفاع دائم عن صورة متخيلة للذات .

لقد دافع سارتر عن الإنسان بالفلسفة ، ودافع لوركا عنه بالشعر ، وكشف كونراد في الرواية مصير الذات حين تتوهم تفوقها المطلق ، وبين هذه التجارب المختلفة تتكرر الحقيقة ذاتها : لا يبدأ الانحدار عندما تضعف الأمم ، بل عندما تفقد قدرتها على رؤية الإنسان في الآخر ، فحيث يغيب الإنسان تزدهر النرجسية ، وحيث تتضخم النرجسية تنمو العنصرية ، وحيث تنمو العنصرية يصبح التدمير قدرًا يطارد صاحبه قبل أن يطارد ضحاياه …والسلام 🙋‍♂



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين أساطير الجنوب✌وتوازنات الشرق: من مقاومة الميدان إل ...
- وهم القيمة: الإنسان بين حقيقة الوجود وسلطة المجتمع👰‍ ...
- من المخيم إلى البلدية:رؤية فلسطينية🇵🇸جديدة ل ...
- الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …
- روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واست ...
- من الشك🙇‍♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا ...
- الهروب🏃‍♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي ...
- من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي ...
- بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان و ...
- بين رعب الميدان ومأزق السياسة🙆‍♂ ؛سليل ابي محم ...
- الوفاء والفساد وصناعة المستقبل: من حمامةٍ🕊تبحث عن إن ...
- العمران الغائب🤷‍♂: كيف خسر الإنسان العربي معرك ...
- من أسطورة الملاعب⚽إلى اقتصاد النفوذ: محمد صلاح وكرة ال ...
- الكبت والذاكرة: كيف يصنع الإنسان سجنه الداخلي؟…
- بين الأصل والتقليد: بن غفير وشعبوية الاستعراض🤡في زمن ...
- قلعة الشقيف🏭والتحولات الجيوسياسية:من دروس المقاومة إ ...
- الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحول ...
- الاغتيالات السياسية بين الاختراق الاستخباراتي🆔وأزمات ...
- جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية ف ...
- الخجل🙈في زمن الانهيار …


المزيد.....




- تصريحات ممداني عن جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل تثير جدلاً.. شاهد ...
- نتنياهو: المعركة مع إيران لم تنته
- ترامب: نغادر إيران الآن وهي دون قدرات صاروخية أو برنامج نووي ...
- روبـيـو فـي الـخـلـيـج: جـولـة لـطـمـأنـة الـحـلـفـاء؟
- الـسـودان: لـمـاذا الـتـركـيـز عـلـى الأبـيـض؟
- مباشر: ماكرون يلقي كلمة في البانثيون بمناسبة تكريم المؤرخ ما ...
- ترمب يصطدم بحزبه.. هل شرع الجمهوريون في تقييد الرئيس؟
- 5 بنود قبل الانتقال إلى الملف النووي في المحادثات الأمريكية ...
- ما الذي تريده إسرائيل من تصعيدها المتواصل في غزة؟
- -تُبت عن أي حاجة غريبة-.. أحمد سعد يقص ضفائره أمام الكاميرا ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الإنسان الغائب🤷‍♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى نرجسية العنصرية …