|
|
وهم القيمة: الإنسان بين حقيقة الوجود وسلطة المجتمع👰♀…
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 16:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مروان صباح / دائمًا ما تقف خلف سلوك الإنسان ودوافعه الحياتية أسباب ظاهرة وأخرى خفية ، تدفعه إلى اتخاذ مواقف معينة ورسم مسارات محددة في حياته ، ولو أُتيح لأولئك الذين رحلوا إلى مدافنهم أن يستعيدوا السجالات الفلسفية التى دارت عبر العصور حول المكان والزمان والوجود ، لاكتشفوا أن الإنسان ما يزال يلاحق الأسئلة ذاتها وإن تبدلت الأسماء والظروف ، وفي محاولة متواضعة للتبصير ، يمكن القول إن هناك خلاصات لا تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة ، لكنها تقترب من بعض وجوهها ، فمن بديهيات الكون أن الشمس ، عندما تشرق ، لا تكتب لمن يراها أن اليوم هو الإثنين ، ولا تخبرهم عند عودتها في الصباح التالي أن اليوم أصبح الثلاثاء ، إنها تتحرك بالحركة ذاتها وفق نظامها الكوني منذ ملايين السنين ، أما التمييز بين يوم وآخر ، وبين شهر وآخر ، فهو فعل إنساني خالص أوجده العقل البشري لتنظيم الحياة وإدارة شؤونها ، فالشمس لا تحتاج إلى مفهوم الزمن لكي تؤدي وظيفتها ، بينما يحتاج الإنسان إلى الزمن بوصفه أداة عقلية لترتيب وجوده داخل الوجود ، ومن هنا يتضح أن الزمن ليس سوى إطار ذهني أبدعه الإنسان حتى يتمكن من فهم حركة العالم من حوله ، ولو لم توجد أسماء الأيام والشهور والسنوات والأرقام ، لما استطاعت البشرية تحديد موعد أو تنظيم عمل أو بناء حضارة ، وبذلك يصبح الزمن أحد أعظم الإنجازات العقلية الذي خصه الخالق به ومكّنه من السيطرة على جزء من فوضى الوجود وتحويلها إلى نظام قابل للفهم والإدارة.
غير أن الإنسان لم يكتفِ بصناعة الزمن ، بل صنع أيضًا منظومات كاملة من المعاني والقيم والرموز الاجتماعية ، وفي البداية كانت هذه المنظومات وسائل لتنظيم الحياة ، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى سلطات تتحكم بالإنسان نفسه ، وهنا تبدأ الإشكالية الكبرى ؛ إذ كثيرًا ما ينسى الإنسان أنه صانع هذه المفاهيم ، فيصبح خاضعًا لها كما لو كانت قوانين طبيعية لا تقبل النقاش ، ولعل أخطر ما أنتجته المجتمعات عبر تاريخها هو ما يمكن تسميته بـ”وهم القيمة” ، فالقيمة الحقيقية للإنسان تنبع من أخلاقه ، ووعيه ، وعمله ، وقدرته على الإضافة إلى الحياة ، لكن المجتمعات كثيرًا ما تستبدل هذه المعايير بمعايير أخرى تقوم على المظهر والمكانة الاجتماعية والمال ونظرة الآخرين ، وعندما يحدث ذلك ، يصبح الإنسان منشغلًا بالصورة التىّ يراها الناس أكثر من انشغاله بحقيقته الذاتية ، فإن القيمة الوهمية لا تحتاج إلى حقيقة كي تستمر ، بل تحتاج فقط إلى إيمان جماعي بها ، وكلما ازداد عدد المؤمنين بها ، ازدادت سلطتها على العقول والسلوك ، وهكذا تتحول الأوهام الاجتماعية إلى وقائع عملية تتحكم بالقرارات الفردية والجماعية ، رغم أنها في جوهرها ليست أكثر من تصورات بشرية قابلة للتغيير ، ولهذا كانت من الحكمة الربانية أن تبقى حركة الشمس خارج نطاق زمنِ الإنسان وسيطرتِه عليها .
وقد تناول الأدب العالمي هذه الظاهرة بعمق استثنائي ، ففي رواية الأب غوريو للكاتب الفرنسي أونوريه دي بلزاك ، نجد مجتمعًا تتحول فيه المكانة الاجتماعية إلى دين جديد ، فالأفراد لا يُقاسون بما يحملونه من فضائل أو معرفة ، بل بقدرتهم على الصعود في السلم الاجتماعي ، وتصبح القيمة الحقيقية للإنسان أقل أهمية من القيمة التىّ يمنحها له المجتمع ، لذلك يلهث الجميع خلف الاعتراف الاجتماعي ولو كان الثمن التخلي عن القيم الإنسانية أو التضحية بالاستقرار النفسي والأخلاقي ، وإذا كان بلزاك قد وصف مجتمع باريس في القرن 19 متخلفاً ، فإن المشهد لا يبدو مختلفًا كثيرًا في مجتمعات اليوم ، فما زالت القيمة الاجتماعية تُقاس في كثير من الأحيان بحجم الاستهلاك لا بحجم الإنجاز ، وبالمظاهر لا بالجوهر ، وبقدرة الإنسان على إقناع الآخرين بنجاحه أكثر من قدرته على تحقيق نجاح حقيقي ، وتظهر هذه الظاهرة بوضوح في مجالات السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية ، فالعديد من السلوكيات العامة لا تُبنى على الحاجة الفعلية ، بل على الخوف من فقدان المكانة الرمزية أمام الآخرين ، وهنا تصبح الغاية هي الحفاظ على الصورة ، بينما تتراجع الحقيقة إلى المرتبة الثانية .
ومن أكثر النماذج وضوحًا على ذلك ما يحدث في بعض الأعراس المعاصرة ، فالعرس في جوهره مناسبة إنسانية للاحتفال ببداية حياة جديدة ، لكنه تحول إلى مسرح اجتماعي ضخم تُقاس فيه المكانة بحجم الإنفاق وعدد الحضور ومستوى المظاهر المصاحبة له ، ولم يعد السؤال : هل يبدأ الزوجان حياتهما باستقرار وقدرة على بناء مستقبل مشترك؟ ، بل أصبح السؤال : كيف سيبدو العرس في عيون الآخرين؟ ، وهنا تتحول الوسيلة إلى غاية ، فالاحتفال الذي وُجد لإعلان الزواج يصبح أكثر أهمية من الزواج نفسه ، ويجد كثير من الشباب أنفسهم مضطرين إلى الاقتراض وتحمل سنوات من الديون من أجل ساعات قليلة من الاستعراض الاجتماعي ، وليس ذلك لأنهم يؤمنون بجدوى هذه النفقات ، بل لأنهم يخشون أحكام المجتمع ونظرته إليهم ، والمفارقة أن العرس ، في هذه الحالة ، يشبه عرضًا مسرحيًا استثنائيًا ، ففي المسرح التقليدي يدفع الجمهور ثمن التذكرة لمشاهدة العرض ، أما هنا فإن صاحب العرض نفسه هو الذي يدفع الأموال الطائلة من أجل حضور الجمهور ، والأكثر غرابة أن جزءًا كبيراً من هذا الجمهور لا يأتي للمشاركة في الفرح بقدر ما يأتي للمراقبة والتقييم وإصدار الأحكام والمقارنات ، وهكذا يتحول الاحتفال إلى محكمة اجتماعية غير معلنة ، ويصبح الإنسان مطالبًا بشراء اعتراف الآخرين بقيمته .
ومن الناحية النفسية ، تكشف هذه الظاهرة أن الذكاء العقلي لا يضمن بالضرورة التحرر من الضغوط الاجتماعية ، فالوهم قادر على السيطرة على المثقف كما يسيطر على الجاهل ، لأن الحاجة إلى القبول الاجتماعي تُعد واحدة من أقوى الدوافع الإنسانية ، وعندما تتضخم سلطة الجماعة ، يفقد الفرد جزءًا من استقلاله النفسي ، ويصبح أسيرًا لصورة متخيلة عن ذاته ، لهذا فإن الأزمة الحقيقية لا تكمن في تكلفة الأعراس أو في المظاهر الاجتماعية بحد ذاتها ، بل في الفكرة العميقة الكامنة خلفها : الاعتقاد بأن قيمة الإنسان تُمنح له من الخارج ، فحين يربط الإنسان مكانته بنظرة الآخرين إليه، يصبح مستعدًا للتضحية بوقته وماله وراحته من أجل المحافظة على صورة قد لا تعكس حقيقته أصلًا.
إن أكثر الثورات أهمية ليست تلك التىّ تُسقط الحكومات أو تغيّر الأنظمة السياسية فحسب ، بل تلك التىّ تحرر الوعي من الأوهام التىّ تحكمه ، وأول هذه الأوهام أن قيمة الإنسان توجد خارج الإنسان نفسه ، فالقيمة الحقيقية لا تُصنع في قاعات الاحتفال ، ولا تُقاس بحجم الإنفاق ، ولا تمنحها الجموع العابرة ، إنها تنبع من وعي الإنسان بذاته ، ومن أخلاقه ، ومن أثره الحقيقي في الحياة .
وما لم يتحرر الإنسان من وهم القيمة ، سيبقى يدور في حلقة لا تنتهي من البحث عن اعتراف الآخرين ، ناسياً أن أعظم القيم هي تلك التىّ لا تحتاج إلى تصفيق ، ولا إلى جمهور ، ولا إلى مسرح ، فالشجرة لا تزهر لتُرى ، والشمس لا تشرق لتُمدح ، والنهر لا يجري طلباً للإعجاب ، كذلك الإنسان حين يدرك جوهره ، يعمل لأن العمل حق، ويُحسن لأن الإحسان جزء من طبيعته ، لا لأن أحداً يراقبه أو يكافئه.
وأعظم الأخلاق ليست أن تُحسن إلى من يحبك ، فذلك أمر تميل إليه النفوس بطبعها ، وإنما أن تُحسن إلى من يسيء إليك أو يكرهك ، لأن قيمة الخُلُق تظهر حين يغيب الهوى وتبقى المبادئ ، عندها فقط تتحول القيمة من شيء يُطلب إلى حقيقة تُعاش ، ومن صورة في أعين الناس إلى سلام راسخ في أعماق النفس.. والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من المخيم إلى البلدية:رؤية فلسطينية🇵🇸جديدة ل
...
-
الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …
-
روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واست
...
-
من الشك🙇♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا
...
-
الهروب🏃♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي
...
-
من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي
...
-
بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان و
...
-
بين رعب الميدان ومأزق السياسة🙆♂ ؛سليل ابي محم
...
-
الوفاء والفساد وصناعة المستقبل: من حمامةٍ🕊تبحث عن إن
...
-
العمران الغائب🤷♂: كيف خسر الإنسان العربي معرك
...
-
من أسطورة الملاعب⚽إلى اقتصاد النفوذ: محمد صلاح وكرة ال
...
-
الكبت والذاكرة: كيف يصنع الإنسان سجنه الداخلي؟…
-
بين الأصل والتقليد: بن غفير وشعبوية الاستعراض🤡في زمن
...
-
قلعة الشقيف🏭والتحولات الجيوسياسية:من دروس المقاومة إ
...
-
الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحول
...
-
الاغتيالات السياسية بين الاختراق الاستخباراتي🆔وأزمات
...
-
جحيمُ🔥الآخر وصناعة الفوضى الإنسانية - قراءة فلسفية ف
...
-
الخجل🙈في زمن الانهيار …
-
حافظ الأسد والقضية الفلسطينية🇵🇸:بين شعارات ا
...
-
جمهورية الموز🍌– إسرائيل بين العزلة السياسية والاستنز
...
المزيد.....
-
بعد أسابيع من الاحتجاجات.. رئيس بوليفيا يعلن حالة الطوارئ وي
...
-
نافروتسكي يكشف سبب تجريده لزيلينسكي من وسام -النسر الأبيض-
-
أزمة أوكرانيا.. عجز كييف أمام تقدم روسي
-
التلفزيون الإيراني: وصول الوفد الإيراني المفاوض إلى مدينة زي
...
-
بوشكوف: -حرب الأوسمة- اندلعت بين أوكرانيا وبولندا
-
-داعش- يتبنى هجوما قرب منبج أسفر عن مقتل جنديين سوريين
-
-البريد الأوكراني- يتهم الجمارك البولندية بحجز شاحناته منذ ش
...
-
من سحب الصواريخ الباليستية إلى ليلة الحسم في فرساي.. لماذا ا
...
-
وفود رفيعة ورسائل عبر هرمز.. ماذا نعرف عن مباحثات أمريكا وإي
...
-
الموت يباغت غزة ليلا.. الغارات الإسرائيلية تلاحق السكان في م
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|