أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفها مقاومة للعالم لا هروبًا منه …














المزيد.....

حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفها مقاومة للعالم لا هروبًا منه …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 15:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ قد يعرف الإنسان الكثير عن الحيوانات ؛ وقد يراقب سلوكها ، ويفهم طباعها ، ويقضي سنوات طويلة بين قطعانها وأسرابها ، لكنه يظل عاجزًا عن النفاذ الكامل إلى عالمها الداخلي ، فالمعرفة لا تعني بالضرورة الفهم ، والقرب لا يضمن الإحاطة بالأسرار ، ولعل هذا ما يفسر افتتان البشر الدائم بالحكايات التىّ تمنح الحيوان صوتًا وعقلاً ، لأنها في حقيقتها لا تتحدث عن الحيوان بقدر ما تتحدث عن الإنسان نفسه ، ومن بين تلك الحكايات تبرز قصة الذئب والكلب ، حكاية ساخرة تختزل جانبًا من التناقض البشري ؛ فالكلب الذي أفنى عمره في الحراسة والوفاء أصبح اسمه مرادفًا للإهانة ، بينما ظل الذئب ، الذي ارتبط في المخيلة بالخطر والافتراس ، رمزًا للشجاعة والدهاء ، قد لا تكون الحكاية أكثر من مجاز أدبي ، لكنها تكشف حقيقة سياسية واجتماعية قديمة : كثيرًا ما تميل المجتمعات إلى تمجيد القوة أكثر من تقدير الوفاء ، وإلى الاحتفاء بمن يخيفها أكثر من احترام من يحميها .

فالسخرية ليست مجرد نكتة عابرة تُقال في أوقات الفراغ ، بل هي لحظة وعي حادة يكتشف فيها الإنسان التناقض الكامن بين ما يقال وما يحدث ، بين الصورة التىّ يرسمها عن العالم والواقع الذي يصطدم به ، ولهذا تختلف السخرية السوداء عن الفكاهة التقليدية ؛ فالأخيرة تبحث عن الضحك ، أما الأولى فتولد من رحم الخوف والألم والخذلان ، وحين يقترب الإنسان من الهاوية ، وحين أيضاً يصبح الواقع أكثر قسوة من أن يُحتمل ، يلجأ العقل إلى حيلة غريبة : تحويل المأساة إلى موضوع للسخرية ، لا لأن الكارثة صغيرة ، بل لأنها أكبر من أن تُواجه بالصمت ، وهنا يصبح الضحك فعل مقاومة ، وتتحول النكتة إلى وسيلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية في مواجهة ما يبدو غير قابل للهزيمة .

ولعل هذا ما أدركه فولتير مبكرًا ، ففي «كانديد» لم يواجه الحروب والكوارث والاستبداد بالخطابة أو الوعظ ، بل بالسخرية ، كان يعلم أن بعض الأوهام لا يمكن هدمها إلا عبر كشف تناقضاتها ، وأن الضحك قد يكون أحيانًا أكثر فاعلية من الغضب ، فالسخرية لا تكتفي برفض الواقع ، بل تفضح الأسس الفكرية التىّ تبرره ، ويتجلى ذلك بوضوح في المشهد الذي يقف فيه كانديد إلى جانب أستاذه بانجلوس بعد الزلزال المدمر في لشبونة ، فبينما كانت المدينة غارقة في الخراب والضحايا ، ظل بانجلوس يصرّ على أن كل ما حدث هو جزء من «أفضل العوالم الممكنة»، وأن الكوارث نفسها تخدم نظامًا كونيًا مثاليًا ، هنا تبلغ السخرية ذروتها ؛ إذ يضع فولتير خطاب التفاؤل الفلسفي في مواجهة واقع مأساوي صارخ ، فينكشف التناقض بين النظرية والحياة ، فلا يحتاج الكاتب إلى مهاجمة الفكرة مباشرة ، بل يتركها تتهاوى من تلقاء نفسها أمام عبث الموقف ، ليصبح الضحك وسيلة لكشف زيف الأوهام التىّ تتجاهل معاناة الإنسان ، لهذا السبب لم تكن السخرية يومًا أداة ترفيه خالصة ، بل كانت شكلًا من أشكال المقاومة الفكرية ، فكل سلطة تحاول إقناع الناس بأن الواقع ثابت ونهائي ، بينما تأتي السخرية لتذكرهم بأن ما يبدو بديهيًا قد يكون مجرد وهم ، وأن ما يُقدَّم باعتباره حقيقة مطلقة قد لا يكون سوى رواية مؤقتة فرضتها موازين القوة ، ومن هنا أيضًا تنبع وظيفة الكاتب ، فالكاتب الحقيقي لا يمنح القارئ الطمأنينة ، ولا يوزع عليه اليقين ، بل يدفعه إلى إعادة النظر فيما اعتاد تصديقه ، إنه يمارس نوعًا من الشك الخلاق ، ويستخدم السخرية أداةً لتقويض المسلمات وكشف المناطق المعتمة خلف الخطابات المهيمنة .

وربما لهذا السبب تبقى السخرية السوداء واحدة من أكثر أشكال التعبير إثارة للقلق ، فهي لا تعد الإنسان بالخلاص ، ولا تمنحه راحة فكرية مؤقتة ، بل تضعه أمام مرآة قاسية يرى فيها هشاشته وأوهامه وحدود يقينه ، إنها لا تدعوه إلى الضحك على الآخرين بقدر ما تدعوه إلى الضحك على مخاوفه الخاصة ، وعلى العالم الذي يصرّ ، رغم كل شيء ، على أن يبدو أكثر عقلانية مما هو عليه في الواقع .

وهكذا ، كلما ازدادت الأزمات وتعاظمت الأوهام ، ازدادت الحاجة إلى السخرية ؛ لا بوصفها هروبًا من الحقيقة ، بل باعتبارها إحدى أكثر الطرق شجاعة لمواجهتها ، ولهذا لم تكن السخرية يومًا مجرد وسيلة للترفيه ، بل شكلًا من أشكال المقاومة الفكرية ، فهي لا تمنح الإنسان راحة مؤقتة ، بل تضعه أمام تناقضات الواقع وأوهامه ، وتدفعه إلى مساءلة ما اعتاد تصديقه ، وكلما اشتدت الأزمات وتعاظمت الأوهام ، ازدادت الحاجة إلى السخرية ؛ لا بوصفها هروبًا من الحقيقة ، بل باعتبارها إحدى أكثر الطرق شجاعة لمواجهتها بشكل طفولي ، فالسخرية السوداء ليست ضحكًا على المأساة ، بل رفضًا أن تكون المأساة صاحبة الكلمة الأخيرة … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين وهم الخلود وعزلة القوة:قراءة📕في المأزق الصهيوني ...
- بين تحولات واشنطن واستنزاف الجنوب اللبناني: هل تتبدل خرائط&# ...
- الإنسان الغائب🤷‍♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى ...
- بين أساطير الجنوب✌وتوازنات الشرق: من مقاومة الميدان إل ...
- وهم القيمة: الإنسان بين حقيقة الوجود وسلطة المجتمع👰‍ ...
- من المخيم إلى البلدية:رؤية فلسطينية🇵🇸جديدة ل ...
- الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …
- روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واست ...
- من الشك🙇‍♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا ...
- الهروب🏃‍♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي ...
- من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي ...
- بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان و ...
- بين رعب الميدان ومأزق السياسة🙆‍♂ ؛سليل ابي محم ...
- الوفاء والفساد وصناعة المستقبل: من حمامةٍ🕊تبحث عن إن ...
- العمران الغائب🤷‍♂: كيف خسر الإنسان العربي معرك ...
- من أسطورة الملاعب⚽إلى اقتصاد النفوذ: محمد صلاح وكرة ال ...
- الكبت والذاكرة: كيف يصنع الإنسان سجنه الداخلي؟…
- بين الأصل والتقليد: بن غفير وشعبوية الاستعراض🤡في زمن ...
- قلعة الشقيف🏭والتحولات الجيوسياسية:من دروس المقاومة إ ...
- الضحكة بوصفها وثيقة حضارية😂:من هشاشة اللحظة إلى تحول ...


المزيد.....




- ليلى علوي من أستراليا: -مصر بتفكر العالم إن الحلم لسه عايش- ...
- -سأكرس وقتي لأهم وظيفة بحياتي-.. شاهد ما قاله رئيس وزراء بري ...
- سلام يشيد بالموقف الصريح للشرع: سوريا لا تنوي التدخل عسكريا ...
- -الأخبار-: واشنطن تواجه صعوبات في إقناع إسرائيل بالانسحاب من ...
- وزير الطاقة القطري: مقتل 13 وإصابة 66 في انفجار مجمع رأس لفا ...
- قنال سان مارتان يتحول إلى ملاذ للهرب من الحر مع اشتداد موجة ...
- عون يتلقى اتصالا من فانس حول وقف إطلاق النار عقب محادثات سوي ...
- لماذا يفكر الألمان في ترك وظائفهم والعمل بالخارج؟
- بن غفير يهدد بتحويل بيروت إلى بيت حانون ثانية ويطالب بإنهاء ...
- سويسرا ترحب بنتائج المفاوضات بين واشنطن وطهران


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفها مقاومة للعالم لا هروبًا منه …