أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟















المزيد.....

الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 09:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ “حُرًّا من عبادةِ أمس ، حُرًّا من كناياتي ومن لغتي ، فأشهد أنني حيٌّ وحُرٌّ حين أُنسى .”

لم تكن هذه الكلمات التىّ خطّها محمود درويش مجرد تعبير شعري عن رغبة في الانعتاق ، بل كانت إعلانًا وجوديًا عن أعقد أشكال الحرية : التحرر من السجن الذي يبنيه الإنسان داخل نفسه ، فالتاريخ يعلمنا أن العروش تسقط ، والإمبراطوريات تتلاشى ، والأنظمة تتبدل ، لكن العبودية لا تموت بالضرورة بسقوط سادتها ؛ لأنها كثيرًا ما تجد مأواها الأخير في وعي العبيد أنفسهم ، ولعل هذا ما دفعني دائمًا إلى الاعتقاد بأن الإشارة إلى الخطأ لا ينبغي أن تكون وسيلةً للتشهير أو التحقير ، بل محاولةً لفهم العطب الكامن في النفس البشرية ، فما كنت يومًا متربصًا بأحد ، ولا كانت غايتي اصطياد العثرات أو ملاحقة الزلات ، بقدر ما كنت منحازًا إلى فكرة التصحيح ذاتها أو الأنظمة ، فإصلاح النفس يظل أكثر نبلًا من إدانة الآخرين ، وأكثر جدوى من الانشغال بأخطائهم ، ومنذ أن خطّ قلمي أولى كلماته ، أدركت أنني بعيد عن صناعة الثورات أو ادعاء قيادتها ، رغم أنني ساهمت ، بصورة أو بأخرى ، في إسقاط رؤساء عن عروشهم ، لكنني أعترف في الوقت نفسه بأنني فشلت في تغيير الشعوب ، بل وحتى في تغيير من هم حولي ، فإسقاط العروش ، مهما بدا حدثًا عظيمًا ، يظل أيسر بكثير من اقتلاع العبودية من نفوس الناس ، فالحاكم المستبد قد يسقط في يوم ، أما الإنسان الذي اعتاد الخضوع فلا يتحرر بسهولة ، لأن القيود التىّ تسكن داخله أكثر رسوخًا من القيود التىّ تفرضها السلطة عليه .

هنا تحديدًا يبرز السؤال الذي لا يزال يتردد صداه منذ عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى يومنا هذا: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”،غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا في عصرنا ربما أصبح: متى استعبد الناس أنفسهم بعد أن وُلدوا أحرارًا؟ ، إنها معضلة قديمة بقدر قدم الإنسان نفسه ، فكيف يولد المرء حرًا ثم يتحول ، طوعًا أو كرهًا ، إلى عبدٍ لأشياء صنعها بيديه؟ كيف يصبح أسيرًا للخوف أو للمصلحة أو للعادة أو للرأي العام؟ وكيف يقبل أن يتنازل عن حقه في التفكير مقابل شعور مؤقت بالأمان؟ ، ولعل الإجابة تبدأ من تلك المسافة الغامضة بين الوعي والضمير ، فالوعي وحده لا يصنع الحرية ، كما أن المعرفة وحدها لا تكفي للتحرر ، إذ يستطيع الإنسان أن يعرف الحقيقة كاملة ، وأن يدرك مواضع الخلل بوضوح ، ثم يرفض الانحياز إليها عندما تصبح مكلفة ، وهنا يصبح الضمير هو الحلقة المفقودة بين المعرفة والحرية .

فالإنسان الواعي بلا ضمير قد يتحول إلى خبير في تبرير استعباده لنفسه ، يعرف الحقيقة لكنه يلتف حولها ، ويدرك الواقع لكنه يرفض مواجهته ، ومع مرور الوقت يبني لنفسه سردية كاملة من الأعذار الاجتماعية والعائلية والاقتصادية التىّ تمنحه شعورًا زائفًا بالبراءة ، ولعل الوظيفة الحكومية في كثير من الدول العربية تمثل نموذجًا مصغرًا لهذه الإشكالية ، فكثيرون يمضون أعمارهم في مواقع يكرهونها كالوظيفة الحكومية ، ويعلنون سخطهم عليها صباح مساء ، لكنهم في الوقت نفسه يرفضون مغادرتها أو البحث الجاد عن بدائل لها ، وهم يبررون ذلك بالحاجات المعيشية والالتزامات الأسرية والخوف من المجهول ، وقد تكون هذه المبررات مفهومة في جانب منها، لكنها لا تلغي حقيقة أساسية: أن صاحبها يعرف ، في أعماقه ، أنه اختار البقاء حيث هو ، إنه لا يُساق دائمًا بالقوة ، بل يشارك في صناعة القيد الذي يقيده .

ومن هنا تبرز أهمية الفكرة التىّ يناقشها كتاب “جحيم النوايا الحسنة” ، فالمشكلة ليست في النوايا الحسنة ذاتها ، بل في تحولها إلى ملاذ أخلاقي يمنع الإنسان من مساءلة نفسه ، إذ يستطيع المرء أن يرتكب أخطاء جسيمة وهو مقتنع بأنه يفعل الخير ، وأن يبرر صمته أو استسلامه أو تبعيته باعتبارات أخلاقية تبدو نبيلة في ظاهرها ، لكن النوايا ، مهما حسنت ، لا تغير النتائج ، ولا تعفي صاحبها من مسؤوليته تجاه الحقيقة ، ولهذا فإن أخطر أشكال العبودية ليست تلك التىّ تُفرض على الإنسان من الخارج ، بل تلك التىّ يقبلها باسم الحكمة أو الواقعية أو الاستقرار أو حتى الأخلاق ، فكلما كثرت المبررات ، تراجعت الحاجة إلى الحرية ، ومع الزمن يتحول الخوف إلى فضيلة ، والتردد إلى حكمة ، والاستسلام إلى سلوك طبيعي لا يثير التساؤل ، فإن غالبية الناس يخوضون اشتباكات نفسية حقيقية في طريقهم نحو الحرية ، لكنهم يسقطون في منتصف الطريق ، وليس السبب أنهم يفتقرون إلى المعرفة أو الوعي ، بل لأن للحرية ثمنًا لا يرغبون في دفعه ، فهم يفضلون دفع أقساط العبودية المريحة على تحمل كلفة الحرية الكاملة ، فالحرية ليست شعارًا ، بل مسؤولية ، وليست أمنية ، بل تضحية .

ولهذا لم يكن محمود درويش يبحث عن حرية سياسية بالمعنى الضيق عندما أعلن أنه: «حُرٌّ من عبادة أمس»، بل كان يدرك أن التحرر الحقيقي يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن عبادة ماضيه ، وعن الاحتماء بمبرراته ، وعن الارتهان للصورة التىّ رسمها لنفسه ، فالحرية ليست فقط أن تتحرر من سيدٍ خارجي ، بل أن تتحرر من السيد الذي يسكن داخله ، وتتجسد هذه الفكرة بصريًا في لوحة «Liberté guidant le peuple» لوحة الفرنسي ليوجين ديلاكروا ، حيث لا تبدو المرأة التىّ ترفع الراية مجرد قائدة لثورة سياسية ، بل رمزًا للإنسان الذي يشق طريقه خارج الخوف والجمود ، فهي لا تقود الجموع إلى إسقاط سلطة فحسب ، وإنما إلى استعادة إرادتهم في صناعة مصيرهم ، وهكذا تلتقي رؤية درويش مع رمزية اللوحة ؛ فالحرية ليست حدثًا ينتهي بانتصار ثورة ، بل حالة وعي تبدأ عندما يتحرر الإنسان من قيود الماضي ، ومن القيود التىّ صنعها هو لنفسه ، ليصبح قادرًا على السير نحو المستقبل بإرادةٍ حرة .

ومن هنا تبدأ معركة الإنسان الحقيقية ، لا في الشوارع ولا في البرلمانات ولا على أبواب القصور ، بل في مواجهة ذاته ، فعندما يتوقف عن اختراع الأعذار ، ويتخلى عن وهم النوايا المريحة ، ويقبل تحمل مسؤولية اختياراته ، يكون قد خطا أول خطوة نحو الحرية .

فالإنسان لا يصبح حرًا عندما يعرف الحقيقة ، بل عندما يمتلك الشجاعة الكافية ليعيش وفقها …والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمن القومي المصري 🇪🇬وتحولات الصراع الإقليم ...
- الغفلة🙆‍♂وتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة ...
- حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏‍♂🗣…
- الحقيقة تحت النار🔥: من استهداف الصحافيين إلى إعادة ه ...
- حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفه ...
- بين وهم الخلود وعزلة القوة:قراءة📕في المأزق الصهيوني ...
- بين تحولات واشنطن واستنزاف الجنوب اللبناني: هل تتبدل خرائط&# ...
- الإنسان الغائب🤷‍♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى ...
- بين أساطير الجنوب✌وتوازنات الشرق: من مقاومة الميدان إل ...
- وهم القيمة: الإنسان بين حقيقة الوجود وسلطة المجتمع👰‍ ...
- من المخيم إلى البلدية:رؤية فلسطينية🇵🇸جديدة ل ...
- الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …
- روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واست ...
- من الشك🙇‍♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا ...
- الهروب🏃‍♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي ...
- من يخسر الحرب حقاً؟حين يتحول إرث ترامب🇺🇸السي ...
- بين دانيال🦁وأوديب👦:الإنسان بين قوة الإيمان و ...
- بين رعب الميدان ومأزق السياسة🙆‍♂ ؛سليل ابي محم ...
- الوفاء والفساد وصناعة المستقبل: من حمامةٍ🕊تبحث عن إن ...
- العمران الغائب🤷‍♂: كيف خسر الإنسان العربي معرك ...


المزيد.....




- مع استمرار موجة الحر في فرنسا.. الصراع على امتلاك أجهزة التك ...
- بعد ثمانية أيام من الزلزالين المدمّرين في فنزويلا.. فرق الإن ...
- وسط الفضلات وبعيداً عن أعين الجميع.. العثور على 16 طفلاً عاش ...
- تحقيق لبي بي سي يكشف وجود أشخاص يعملون في المملكة المتحدة ر ...
- سوريا.. مشاهد من داخل مقهى في دمشق بعد تعرضه لانفجار مميت
- شاهد.. احتفالات فوز المكسيك على الإكوادور تتحول إلى مأساة
- بن درور يميني يحذر: انهيار إسرائيل يقترب.. أزمة سياسية وعزلة ...
- من وراء تفجير دمشق؟
- سوريا: كيف ستكون المرحلة الانتقالية في البرلمان؟
- القطرية تسيّر أولى رحلاتها إلى بورتسودان بعد انقطاع 3 سنوات ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟