|
|
الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 16:02
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ لا يولد الإنسان ناضجًا ، بل يقطع رحلة طويلة من النمو الجسدي والعقلي والنفسي حتى يصبح قادرًا على مواجهة العالم بمسؤولية واستقلالية ، والأمم ، بدورها ، لا تختلف كثيرًا عن الأفراد ؛ فهي أيضًا تمر بمراحل من الطفولة والمراهقة والرشد ، غير أن بعض المجتمعات تنجح في تجاوز طفولتها التاريخية ، بينما يطيل بعضها الآخر الإقامة فيها ، حتى يصبح الماضي ملاذًا دائمًا ، ويغدو الخوف من التغيير جزءًا من الهوية لا مجرد رد فعل على الأزمات ، ولعل هذه الصورة تنطبق ، بدرجات متفاوتة ، على الواقع العربي ، فبينما يتسارع العالم في إنتاج المعرفة والعلوم والتكنولوجيا ، ما يزال العربي منشغلًا بإعادة إنتاج الأسئلة القديمة ، وكأن الزمن توقف عند لحظة تاريخية بعينها ، وفي الوقت الذي تتبدل فيه موازين القوى ، وتتغير أدوات النفوذ ، وتُعاد صياغة خرائط العالم ، يبقى العقل العربي مثقلًا بجراحه ، يتلقى الضربة تلو الأخرى ، فينصرف إلى ترميم ذاكرته أكثر من انشغاله ببناء مستقبله ، ولا يعود ذلك إلى عجز فطري عن التفكير أو إلى رفض غريزي للنضج ، فالإنسان مفطور على النمو ، وكما يحتاج الجسد إلى الغذاء ليستمر ، يحتاج العقل إلى المعرفة ليكتمل ، غير أن الفارق بينهما كبير؛ فالجوع البيولوجي يدفع الإنسان إلى الطعام تلقائيًا ، أما الجوع المعرفي فلا ينشأ إلا عندما يدرك الإنسان أن جهله أخطر من فقره ، وأن المعرفة ليست ترفًا ثقافيًا ، بل شرطًا للبقاء ، ولعل في أول كلمة نزل بها الوحي على النبي محمد ﷺ دلالة تتجاوز معناها اللغوي ؛ فالأمر الإلهي : «اقرأ» لم يكن دعوة إلى القراءة المجردة ، بل إعلانًا عن أن النهضة تبدأ من المعرفة ، وأن بناء الحضارة يبدأ ببناء العقل ، غير أن القراءة ليست غاية في ذاتها ، فكم من قارئ لم يغادر حدود التلقين ، وكم من متعلم بقي أسير الخوف من السؤال ، فالعقل لا ينضج بكثرة المعلومات ، وإنما بقدرته على النقد والمراجعة وإعادة التفكير ، ويذهب علماء النفس ، وفي مقدمتهم " جان بياجيه وإريك إريكسون ، أمريكي وهو عالم النفس التنموي ، إلى أن الطفولة ليست مرحلة عمرية فحسب ، بل طريقة في إدراك العالم ، فالانتقال من حضن الأم إلى الروضة ، ثم إلى المدرسة ، ليس مجرد انتقال مكاني ، وإنما انفصال نفسي عن الاعتماد المطلق ، وبداية لتحمل المسؤولية ، غير أن هذا الانتقال لا يتم بلا مقاومة ؛ فالخيال والعاطفة غالبًا ما يتأخران عن نضج العقل ، ولذلك يحاول الإنسان ، في كثير من الأحيان، تأجيل مواجهة الواقع والاحتماء بما اعتاده ، وهذا ما يحدث أيضًا للشعوب ، فالمجتمعات التىّ تعجز عن إنتاج معرفة جديدة تميل إلى الاحتماء بالماضي ، ليس حبًا بالتاريخ ، بل خوفًا من المستقبل ، ولذلك تصبح الذاكرة بديلًا عن المشروع ، والبطولة التاريخية تعويضًا عن العجز الراهن ، وقد عبّر الأدب العالمي عن هذه الفكرة بطرائق مختلفة ؛ ففي رواية «سيد الذباب» لوليام غولدنغ ، بريطاني وحائز على نوبل ، لا يتحول الأطفال إلى العنف لأنهم أشرار بطبيعتهم ، بل لأن غياب العقل المنظم والمؤسسات أطلق العنان للغرائز البدائية ، وكأن الرسالة تقول إن الإنسان ، فردًا كان أم جماعة ، لا يخرج من طفولته إلا عندما يحتكم إلى العقل والقانون .
ولم يكن التاريخ الإسلامي استثناءً من هذه القاعدة ، فعلى الرغم من الانقسام السياسي بين بغداد وقرطبة ، بقيت الحضارة الإسلامية ، في أوج ازدهارها ، قادرة على إنتاج معارك فكرية كبرى ، لم تكن تدور حول الأشخاص بقدر ما كانت تدور حول الأفكار ، ولعل أبرزها السجال الفلسفي بين الغزالي وابن رشد ، وهو سجال تجاوز حدود زمانه ، وترك أثرًا عميقًا في تاريخ الفكر الإنساني ، ففي كتاب «تهافت الفلاسفة» لم يكن الغزالي يهاجم الفلسفة من موقع الجهل بها ، بل من موقع العارف بأدواتها ، وقد وجّه نقدًا دقيقًا للفلاسفة المسلمين المتأثرين بأرسطو ، وانتهى تشريحهم في ثلاث مسائل : القول بأزلية العالم ، والقول إن الله يعلم الكليات دون الجزئيات ، وإنكار البعث الجسماني ، كما وجّه نقدًا جذريًا لمبدأ السببية ، معتبرًا أن اقتران الأسباب بمسبباتها ليس ضرورة عقلية ، وإنما عادة أجراها الله ، ويمكنه أن يخرقها متى شاء ، ولم يتأخر ابن رشد في الرد ، فكتب «تهافت التهافت» دفاعًا عن البرهان العقلي ، محذرًا من أن نفي السببية لا يقوض الفلسفة وحدها ، بل يهدد إمكان قيام العلم نفسه ؛ إذ كيف يمكن اكتشاف قوانين الطبيعة إذا كانت العلاقات بين الظواهر لا تقوم على انتظام يمكن للعقل إدراكه؟ لقد رأى ابن رشد أن الإيمان بحكمة الخالق لا يتعارض مع انتظام الكون ، بل إن هذا الانتظام هو أحد تجليات تلك الحكمة .
غير أن المفارقة لم تكن في قوة الحجج ، بل في مصيرها التاريخي ، ففي العالم الإسلامي، مال ميزان الثقافة تدريجيًا إلى إضعاف الفلسفة العقلانية ، بينما وجدت شروح ابن رشد طريقها إلى الجامعات الأوروبية ، حيث أصبحت أحد المفاتيح الرئيسة لفهم أرسطو ، وأسهمت ، مع عوامل تاريخية أخرى ، في تمهيد الطريق أمام عصر النهضة ، ومنذ ذلك الحين ، لم يتوقف الغرب عن إدارة معاركه الفكرية ، فقد شكك الفرنسي رينيه ديكارت في المسلمات ليؤسس منهجًا جديدًا للعقل ، ثم جاء الاسكتلندي ديفيد هيوم لينتقد مفهوم السببية ذاته ، قبل أن يحاول الألماني إيمانويل كانط التوفيق بين العقل والتجربة ، وبعد ذلك احتدم الجدل بين الألمانيين هيغل وماركس حول محرك التاريخ ، ثم بين الفرنسيين سارتر وفوكو حول الحرية والسلطة ، ولاحقًا بين الالماني الاجتماعي هابرماس وفلاسفة ما بعد الحداثة حول مستقبل العقل والديمقراطية ، لم يكن الهدف من هذه الصراعات الوصول إلى إجماع نهائي ، بل إبقاء المعرفة في حالة حركة دائمة ، ولهذا لم تكن الجامعات الأوروبية مجرد مؤسسات تعليمية ، بل ساحات مفتوحة لاختبار الأفكار ، ومن هذه الثقافة النقدية خرجت الثورة الصناعية ، ثم الثورة العلمية ، ثم الاقتصاد المعرفي ، وصولًا إلى وادي السيليكون في منطقة خليج سان فرانسيسكو، الذي لم يُبنَ على الوفاق ، بل على التنافس الحر بين العقول ، وعلى الاعتراف بأن كل فكرة قابلة للنقد ، وكل نظرية قابلة للتجاوز .
إن الحضارات لا تتقدم لأنها تخلو من الخلاف ، وإنما لأنها تعرف كيف تدير خلافاتها ، فحين يتحول الاختلاف إلى صراع على الأشخاص ، تتوقف المعرفة ويبدأ الانقسام ، أما حين يصبح الاختلاف تنافسًا بين الحجج ، فإن المجتمع يراكم خبرته ، حتى وإن أخطأ في بعض محطاته ، وهنا تكمن المعضلة العربية ، فليست الأزمة في نقص الموارد ، ولا في غياب الطاقات البشرية ، بل في أن معاركنا لم تعد تُخاض حول الأفكار بقدر ما تُخاض حول الهويات والانتماءات والولاءات والمكاسب ، ولهذا تراجع السؤال ، وتقدست الإجابات، وغاب النقد ، وحلّت مكانه الإفسادات المغلقة ، فكيف يُرجى من أجيالٍ أن تبلغ رشدها ، وهي لم تُحسن بعدُ فِطامَها؟ وكيف لها أن تؤمن بأن الفِطام هو أولُ شروط النضوج ومفتاحُ التقدّم ، وهي لا تزال تتشبث بأثداء أمهاتها ، حتى لتستدعيهن في أحلامها ، وتلحق بهن إلى داخل قبورهن .
إن الأمة التىّ تخشى السؤال تشبه الطفل الذي يخاف مغادرة حضن أمه ؛ كلاهما يبحث عن الأمان ، لكنه يؤجل النضج حتى تتبلور لديه مفاهيم يقينية باعدامه ، أما الأمم التىّ تمتلك شجاعة مراجعة نفسها ، فإنها ، مهما تعثرت ، تظل قادرة على النهوض من جديد ، والتاريخ ، في نهاية المطاف ، لا يكافئ من يحفظ الماضي ، بل من يتعلم منه ، ثم يمتلك الجرأة على تجاوزه وصناعة مستقبله …والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص
...
-
احتلال الوعي 🤦♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل
...
-
عقل مصر 🇪🇬🧠…حين تتحول الهندسة إلى مع
...
-
العشق♥🌹… آخر منطقة لا تعترف بسلطة أحد …
-
كيف الغباء🚬🤦♂…حين يصبح الوهم أكثر راح
...
-
هندسة📐 الفوضى: المشروع الصهيوني والتحولات الجيوسياسي
...
-
القدس…🕌حين تسقط الأقنعة ويبقى الفلسطيني وحيدًا …
-
الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة
...
-
إسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام🍼عن ا
...
-
من “كش الشيطان ♟” إلى “إله الأشياء الصغيرة”: حين انتصر
...
-
من إمبراطورية الكبتاغون🫰إلى المستطيل الأخضر ⚽:
...
-
التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…
-
بين فلتات اللاوعي🧠وتحولات الجغرافيا السياسية…
-
الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟
-
الأمن القومي المصري 🇪🇬وتحولات الصراع الإقليم
...
-
الغفلة🙆♂وتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة
...
-
حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏♂🗣…
-
الحقيقة تحت النار🔥: من استهداف الصحافيين إلى إعادة ه
...
-
حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفه
...
-
بين وهم الخلود وعزلة القوة:قراءة📕في المأزق الصهيوني
...
المزيد.....
-
-جريمة بدافع الكراهية-.. شاهد إحراق مجسم لمسجد في أيرلندا ال
...
-
قصة مصمّمة تخلّت عن -شانيل- و-لويس فويتون- لإنقاذ الحِرف الم
...
-
السلطات السورية: الخلية الإرهابية الموقوفة مسؤولة عن تفجير م
...
-
بعد ضبطه... مشتبه بسرقة يعود إلى حريته بسبب رفض المخفر استلا
...
-
توسك: الحقيقة تقتضي تخليد أسماء ضحايا مذبحة فولين في وارسو
-
إيطاليا تودع بيبينو دي كابري عن عمر ناهز 86 عاما
-
مقتل 12 شخصا في حرائق غابات في إسبانيا
-
الجزائر تعيد فتح مجالها الجوي أمام طيران مالي وعودة سفيرها إ
...
-
الصين: إجلاء أكثر من 900 ألف شخص بسبب الإعصار بافي
-
تايم وإيكونوميست تختبران آلية جديدة للمواقع يفهمها الذكاء ال
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|