|
|
إسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام🍼عن الحليف الأمريكي …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 17:33
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ يُجمع المؤرخون على أن الأمم التىّ تُحسن قراءة التاريخ لا تكتفي بفهم الماضي ، بل تمتلك القدرة على استشراف المستقبل وصناعة النفوذ طويل الأمد ، فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث ، وإنما مختبر مفتوح للتجارب السياسية والعسكرية والاستراتيجية ، ومن يتأمل مساراته بعين ناقدة يكتسب من الحكمة والشجاعة ما يجعله أكثر قدرة على تجنب أخطاء السابقين ، أما الذين يتجاهلون دروس التاريخ ، فإنهم غالبًا ما يجدون أنفسهم يعيدون إنتاج مآسيه بأشكال مختلفة ، وكأن الزمن يمنحهم فرصة أخرى لارتكاب الأخطاء ذاتها ، من هذه الزاوية تحديدًا ، تبدو التجربة الإسرائيلية اليوم أقرب إلى استعادة نماذج تاريخية ظنت أن التحالف مع القوى العظمى ضمانة أبدية للبقاء ، قبل أن تكتشف أن السياسة الدولية لا تعترف إلا بالمصالح ، ولهذا ، فإن من يقرأ التحولات الجارية داخل إسرائيل يدرك أن الحديث المتزايد عن بناء “دولة أسبرطة” في الشرق الأوسط ليس مجرد توصيف عسكري ، بل تعبير عن قلق وجودي متنامٍ ، وعن إدراك متزايد بأن مرحلة الاعتماد المطلق على الحليف الأمريكي قد لا تستمر إلى الأبد ، العلاقات الأمريكية والأوروبية مع إسرائيل ، في ظل التحولات الدولية المتسارعة ، تستحضر نماذج كثيرة لحلفاء اعتمدوا على واشنطن حتى اللحظة الأخيرة ، فقد كان شاه إيران يُقدَّم بوصفه “شرطي الخليج”، لكنه سقط عندما تبدلت الحسابات الأمريكية ، وفي فيتنام الجنوبية أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات ، وقدمت آلاف القتلى دفاعًا عن حليفها ، قبل أن تنسحب وتتركه يواجه مصيره ، والمشهد نفسه تكرر في أفغانستان ، حيث أمضت واشنطن 20 عامًا تبني جيشًا أنفقت عليه مئات المليارات من الدولارات ليصمد لعقود ، لكنه انهار خلال ساعات بعد انسحاب القوات الأمريكية وسيطرة حركة طالبان على البلاد .
ولهذا ، لم يعد السؤال داخل إسرائيل متعلقًا بحجم الدعم الأمريكي ، وإنما بمستقبله ، فبعد المتغيرات السياسية والعسكرية والشعبية التىّ شهدتها السنوات الأخيرة ، بات السؤال يتردد في الأوساط الإسرائيلية : متى سيأتي دورنا؟ لقد عاد الشعور الذي رافق بدايات المشروع الصهيوني ، وعادت معه المخاوف من المستقبل ، وهو ما يفسر الدعوات المتكررة إلى تحويل إسرائيل إلى “أسبرطة” حديثة ، قادرة على القتال منفردة إذا اقتضت الضرورة ، ولعل شهادة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات عن حرب أكتوبر 1973 تكشف بوضوح طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية وحدود التحالفات الدولية ، فقد أكد السادات في مذكراته أن الأقمار الصناعية الأمريكية وُضعت بالكامل في خدمة الجيش الإسرائيلي ، وكانت تنقل إليه التحركات العسكرية المصرية لحظة بلحظة ، بما في ذلك تحرك الفرقة المدرعة 21 من الضفة الغربية لقناة السويس إلى الضفة الشرقية ، في محاولة لتخفيف الضغط عن الجبهة السورية بناءً على إلحاح الرئيس السوري حافظ الأسد ، وفي المقابل ، أقر السادات بأن الاتحاد السوفياتي ، رغم ادعائه الوقوف إلى جانب العرب ، لم يزود مصر بالمعلومات التىّ كانت أقمارُه الصناعية ترصدها خلال المعركة ، ولم يقدم مستوى الدعم الذي توقعه العرب من حليفهم الاستراتيجي ، ثم جاء التطور الأخطر عندما أقامت الولايات المتحدة جسرًا جويًا ضخمًا لإنقاذ إسرائيل من آثار خسائرها في الأيام الأولى للحرب ، فقد هبطت الطائرات الأمريكية العملاقة في مطار العريش ، الذي كان يقع خلف الجبهة ، محملة بالدبابات والذخائر وأحدث الأسلحة ، في وقت اعترف فيه الإسرائيليون أنفسهم بشراسة القتال وكفاءة الأداء العسكري المصري ، وما تكبدته قواتهم من خسائر كبيرة ، ولا سيما في سلاح المدرعات ، لقد كان الجسر الجوي الأمريكي ، الذي بدأ بصورة مكثفة منذ اليوم الرابع للحرب ، نقطة تحول رئيسية قلبت موازين المعركة على الأرض ، تمامًا كما فعلت الولايات المتحدة في جبهتي ألمانيا واليابان خلال الحرب العالمية الثانية ، كما زُودت إسرائيل بصواريخ وتقنيات عسكرية حديثة استطاعت من خلالها تدمير بطاريتين من بطاريات الدفاع الجوي المصرية ، في حين امتنع الاتحاد السوفياتي عن تزويد حليفه المصري بإمكانات مماثلة ، رغم امتلاكه لهذه القدرات ، الأمر الذي كشف أن حسابات القوى الكبرى لا تُبنى على الشعارات ، وإنما على المصالح وموازين القوة .
واليوم تبدو الصورة مختلفة في الشكل ، لكنها متشابهة في الجوهر ، فكلما اتسعت جبهات المواجهة وطالت الحروب ، ازداد إدراك الإسرائيليين أن القوى الكبرى لا تحارب نيابة عن حلفائها ، وأن الدعم ، مهما بلغ حجمه ، يبقى محكومًا بحسابات الكلفة والعائد ، ولهذا، فإن الشعور السائد داخل إسرائيل لم يعد شعور الدولة الواثقة من مظلتها الدولية ، بل شعور دولة بدأت تخشى لحظة الفطام عن الحليف الذي وفر لها ، طوال عقود ، المال والسلاح والغطاء السياسي ، ومن هنا، لم يعد الحديث داخل إسرائيل عن بناء “دولة أسبرطة” مجرد توصيف عسكري ، بل تحول إلى خيار استراتيجي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن القوى الكبرى لا تخوض الحروب نيابة عن حلفائها ، وإنما تدير تحالفاتها وفق منطق المصالح والكلفة والعائد ، ويعني ذلك إعادة هيكلة الدولة والاقتصاد والصناعة العسكرية على قاعدة الاعتماد على الذات ، استعدادًا ليوم قد تجد فيه إسرائيل نفسها تقاتل منفردة ، لقد قامت القوة الإسرائيلية ، طوال عقود ، على ثلاثة أعمدة رئيسية : التفوق العسكري ، والدعم المالي الغربي ، والحماية السياسية الأمريكية ، غير أن واشنطن ، حتى في ذروة هذا التحالف ، لم تنظر إلى إسرائيل بوصفها غاية في ذاتها ، بل باعتبارها أداة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط ، وفي مقدمتها احتواء النفوذ السوفيتي سابقًا ، ثم حماية نفوذها في مواجهة القوى الدولية الصاعدة ، إلا أن الحروب الأخيرة ، وما رافقها من استنزاف عسكري واقتصادي وسياسي ، دفعت دوائر صنع القرار الأمريكية إلى إعادة تقييم كلفة هذا التحالف ، رغم استمرار تدفق الدعم العسكري والمالي ، واليوم ، بات الجميع يتقدم خطوةً بعد أخرى ، حاملًا خنجرًا ، ويقف خلف ظهر جيش الاحتلال ، مترقبًا لحظة توجيه الطعنة الأخيرة إلى ظهره .
وفي الوقت نفسه ، نجحت الحركة الصهيونية ، عبر الكنائس الإنجيلية الأمريكية ، في ترسيخ صورة إسرائيل داخل الوعي الأمريكي باعتبارها “داود” الذي يواجه “جالوت”، وهي سردية عززت مكانة إسرائيل سياسيًا ودينيًا ، وربطت الدفاع عنها في أوساط واسعة بمفاهيم تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية ، وبالفعل ، بعد هزيمة عام 1967، ترسّخت في أوساط واسعة من الكنائس الإنجيلية في الغرب قراءة رمزية للصراع ، تستحضر قصة داود وجالوت ، حيث يُقدَّم الطرف الأضعف ظاهريًا بوصفه قادرًا على هزيمة قوة تفوقه حجمًا وتسليحًا ، وفي المقابل، عملت إسرائيل على تثبيت هذه السردية وتوظيفها في خطابها السياسي والإعلامي ، عبر تقديم نفسها كدولة صغيرة محاصرة في بيئة معادية ، تخوض حروبها منفردة وتحقق فيها انتصارات تُصوَّر على أنها استثنائية أو شبه خارقة ، مع استثمار واضح للبعد الديني في تعزيز هذا التصور ، وبهذا ، تشكّلت في جزء من الوعي الأمريكي والغربي صورة الجندي الإسرائيلي بوصفه مقاتلًا محدود الإمكانات لكنه قادر على هزيمة خصوم يفوقونه قوة وعددًا ، إلا أن هذه الصورة السردية كثيرًا ما تصطدم بحسابات الواقع العسكري داخل المؤسسات الاستراتيجية ، وفي مقدمتها البنتاغون ، ومهما بلغت قوتها ، لا تكفي وحدها لصناعة القرار الأمريكي ، الذي يبقى في نهاية المطاف محكومًا بحسابات المصالح أكثر من أي اعتبارات أخرى ، فالأمريكيون ، منذ ولادة إسرائيل ، كانوا يسيرون مع العرب على حبلٍ مشدود ؛ إذ كانت واشنطن ، كما هي اليوم ، تحسب انعكاسات مضيق هرمز ، وكذلك تداعيات الاصطدام مع العرب ، لأنها كانت تعني مواجهة أزمة في النفط ، مع مراقبة شبحا الاتحاد السوفياتي والصين وغيرهما في المعسكر المقابل ، غير أن هذه المخاوف تبددت بعد هزيمة عام 1967، فتغيرت نظرة الولايات المتحدة إلى إسرائيل ، وبدأت تعتبرها القاعدة المتقدمة والأكبر لها في الشرق الأوسط ، لكن مع الحروب الأخيرة ، وفشل إسرائيل في حسم المعارك على الجبهات المختلفة ، أعادت واشنطن حساباتها ، وباتت تقيّم حالة الاستنزاف على مختلف المستويات ، فالهدف الأول والأخير للولايات المتحدة من دعم الإسرائيليين كان وقف التمدد السوفياتي في المنطقة العربية .
وهكذا ، يعود التاريخ ليؤكد ، مرة أخرى ، أن الأمم التىّ تبني استراتيجياتها على قراءة موازين القوة تبقى أكثر قدرة على البقاء من تلك التىّ تراهن على ثبات التحالفات ، فالقوى الكبرى لا توزع الضمانات ، بل تدير مصالحها ، وحين تتبدل هذه المصالح تتبدل معها التحالفات ، ولعل هذا هو الدرس الذي بدأ يتسلل إلى العقل الإسرائيلي اليوم ، وهو ايضاً يستحضر نموذج أسبرطة ، ليس بوصفه خيارًا عسكريًا فحسب ، بل تعبيرًا عن خوف عميق من زمن قد تجد فيه إسرائيل نفسها ، للمرة الأولى منذ قيامها ، مطالبة بالاعتماد على ذاتها في عالم لم يعد يعترف إلا بموازين القوة…والسلام 🙋♂✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من “كش الشيطان ♟” إلى “إله الأشياء الصغيرة”: حين انتصر
...
-
من إمبراطورية الكبتاغون🫰إلى المستطيل الأخضر ⚽:
...
-
التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…
-
بين فلتات اللاوعي🧠وتحولات الجغرافيا السياسية…
-
الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟
-
الأمن القومي المصري 🇪🇬وتحولات الصراع الإقليم
...
-
الغفلة🙆♂وتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة
...
-
حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏♂🗣…
-
الحقيقة تحت النار🔥: من استهداف الصحافيين إلى إعادة ه
...
-
حين يضحك 😂الإنسان على هاويته - السخرية السوداء بوصفه
...
-
بين وهم الخلود وعزلة القوة:قراءة📕في المأزق الصهيوني
...
-
بين تحولات واشنطن واستنزاف الجنوب اللبناني: هل تتبدل خرائط
...
-
الإنسان الغائب🤷♂:من إنسانية سارتر ولوركا إلى
...
-
بين أساطير الجنوب✌وتوازنات الشرق: من مقاومة الميدان إل
...
-
وهم القيمة: الإنسان بين حقيقة الوجود وسلطة المجتمع👰
...
-
من المخيم إلى البلدية:رؤية فلسطينية🇵🇸جديدة ل
...
-
الكذب🤥بوصفه مرآة للهشاشة الإنسانية …
-
روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واست
...
-
من الشك🙇♂إلى اليقين:الغزالي وديكارت وإيفان كا
...
-
الهروب🏃♂من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجي
...
المزيد.....
-
تفاصيل جديدة حول الموعد والمكان المتوقعين لزفاف تايلور سويفت
...
-
حدث مذهل.. شاهد عاصفة برد تحول شوارع أمريكية إلى أنهار جليدي
...
-
أجبرت بوتين على الاعتراف.. كيف تحولت أوكرانيا من -ضحية- إلى
...
-
إيران تشترط الوفاء بخمسة بنود لتنفيذ اتفاقها مع أمريكا.. ما
...
-
ترامب يعلن تقدما ملموسا في مسار نزع السلاح النووي الإيراني
-
ست طرق لتشجيع الأطفال على تناول الخضروات
-
تراجع الثقة بين أوروبا وأمريكا يفتح مرحلة جيوسياسية جديدة
-
قبيل انطلاق مراسم تشييع خامنئي.. إيران تعفو عن 850 سجينا
-
الحكومة الألمانية: منشور ميرتس المثير للجدل حول المنتخب الأل
...
-
فاينانشال تايمز: برلين تكثف جهودها لتطوير قدرات صاروخية بعيد
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|