أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية - من صالة الرياضة إلى سؤال النهضة العربية…















المزيد.....

تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية - من صالة الرياضة إلى سؤال النهضة العربية…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 09:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ " الكاتب الحقيقي لا يطارد الأشخاص ؛ بل يجعل الشخص دليلًا على فكرة أكبر ، فإذا رحل الشخص بقيت الفكرة ، وإذا بقيت الفكرة بقي المقال " /" وكل حدث صغير يخفي سؤالًا كبيرًا ، ومهمة الكاتب أن يكشفه " ، لهذا ، ثمة مشاهد تمر أمامنا كل يوم دون أن نتوقف عندها ، ليس لأنها تفتقر إلى الأهمية ، بل لأن أعيننا اعتادت النظر إلى النتائج وأهملت تأمل المقدمات ، فالإنسان ، في الغالب ، يصفق لمن يقف على منصة التتويج ، لكنه لا يرى الساعات الطويلة التىّ سبقت تلك اللحظة ، ولا يدرك أن الحضارات ، شأنها شأن الأفراد ، لا تُصنع بالصدفة ، وإنما تتشكل بصبرٍ يومي ، وانضباطٍ هادئ ، وإيمانٍ بأن المستقبل يبدأ من التفاصيل الصغيرة ، لهذا ، لم تكن قصة المهندسة الكولومبية تاتيانا ، التىّ توجت بالمركز الأول في فعالية رياضية نظمها Gold’s Gym Abdoun احتفالًا بذكرى تأسيسه التاسعة ، مجرد خبر عن فوزٍ في منافسة رياضية ، فالنتيجة كانت آخر فصول القصة ، أما بدايتها فكانت أبعد من منصة التتويج ؛ كانت تبدأ كل يوم ، داخل صالة التدريب ، حيث كانت تمضي ساعتين متواصلتين أو اكثر بين تمارين القوة والمقاومة ، في التزام يكاد يكون أقرب إلى مشروعٍ لبناء الذات منه إلى برنامجٍ لتحسين اللياقة .

كنت أراقب هذا المشهد منذ أسابيع ، ولم يكن ما يلفت الانتباه قوة الجسد ، بل قوة الفكرة ، فالجسد ، في النهاية ، لا يتحرك وحده ؛ إنما تحركه منظومة من القيم ، تبدأ باحترام الوقت ، وتمر بالانضباط ، وتنتهي بالإيمان بأن الإنسان قادر على تجاوز ما اعتاده بالأمس ، وهنا تحديدًا تكمن القيمة الحضارية للرياضة ؛ فهي لا تبني العضلات بقدر ما تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه ، أعادني ذلك إلى صورة الصياد العجوز في رواية العجوز والبحر ، لم يكن البحر خصمه الحقيقي ، ولم تكن السمكة غايته النهائية ؛ كانت معركته مع الاستسلام ، ولذلك ظل يجدف ، رغم التعب ، لأن الإنسان عندما يتوقف عن مقاومة ضعفه الداخلي ، يخسر نفسه قبل أن يخسر أي معركة خارجية ، هذه الصورة تكاد تختصر سؤالًا أكبر من الرياضة نفسها : لماذا تتقدم أمم وتتأخر أخرى ، مع أن البشر يتشابهون في أصل الخلقة؟ إن الإجابة لا تكمن في وفرة الموارد وحدها ، ولا في حجم الثروات ، وإنما في طبيعة الإنسان الذي يدير تلك الموارد ، فالأرض واحدة ، والوقت موزع بالتساوي بين الجميع ، لكن الفارق يظهر في كيفية تحويلهما إلى قيمة ، ومن هنا تبدأ النهضة ، لقد انشغل الفكر العربي طويلًا بالسؤال السياسي : من يحكم؟ وكيف تُدار الدولة؟ وهي أسئلة مشروعة ، لكنها لا تسبق سؤالًا أكثر عمقًا : من هو الإنسان الذي سيقيم هذه الدولة ويحافظ عليها؟ فالمؤسسات ، مهما بلغت من الكفاءة ، لا تستطيع أن تنهض بمجتمع فقد الانضباط ، كما أن الدساتير لا تصنع حضارة إذا ظل الفرد عاجزًا عن إدارة نفسه .

ومن هنا ، تبدو صالة الرياضة أكثر من مكان لممارسة التمارين ؛ إنها مختبر اجتماعي تُعاد فيه صياغة الإنسان ، ففيها يتعلم الفرد أن النتيجة لا تأتي قبل الجهد ، وأن الالتزام يتفوق على الحماس العابر ، وأن الفشل ليس نهاية الطريق ، بل جزء من عملية التعلم ، وهذه ، في حقيقتها ، هي القيم التىّ تحتاجها المجتمعات قبل حاجتها إلى الشعارات ، ولعل أكبر أزمة يعيشها العالم العربي اليوم ليست ندرة الكفاءات ، وإنما غياب ثقافة الاستثمار في الإنسان ، فقد اعتدنا أن ننظر إلى التنمية من زاوية الإسمنت والخرسانة ، بينما التنمية الحقيقية تبدأ من إعادة بناء الفرد ، فالمطار الحديث لا يصنع مجتمعًا حديثًا ، كما أن الأبراج الشاهقة لا تعوض غياب ثقافة العمل ، الحضارة لا تُقاس بارتفاع المباني ، بل بارتفاع مستوى المسؤولية لدى الإنسان .

ومن المؤسف أن جانبًا من الثقافة الاجتماعية ما زال ينظر إلى الرياضة باعتبارها ترفًا أو وسيلة لتحسين المظهر الخارجي ، بينما هي ، في حقيقتها ، مدرسة لإدارة الإرادة ، فالإنسان الذي يلتزم ببرنامج تدريبي لسنوات ، ويتحمل الألم طوعًا ، ويؤجل اللذة من أجل هدف بعيد ، يكتسب مناعة أخلاقية قبل أن يكتسب قوة بدنية ، وهذه المناعة هي التي يحتاجها المجتمع في مواجهة الفساد ، والكسل ، وثقافة الاتكال ، ولا يختلف الأمر بين الرجل والمرأة ، لأن الإرادة ليست جنسًا ، والانضباط ليس امتيازًا بيولوجيًا ، فالمرأة التىّ تبني نفسها علمًا وعملًا وجسدًا لا تتخلى عن أنوثتها ، بل تؤكد إنسانيتها ، كما أن الرجل لا يصبح أكثر رجولة بمجرد امتلاكه القوة ، بل حين يحسن توظيفها في خدمة نفسه ومجتمعه ، فالفضائل الكبرى لا تعرف تمييزًا بين ذكر وأنثى ، وإنما تميز بين من يعمل ومن يكتفي بالتمني ، ومن هنا ، فإن تجربة تاتيانا تتجاوز حدود قصة شخصية ناجحة ؛ إنها دعوة صامتة لإعادة النظر في مفهوم التربية ذاته ، فالتربية ليست حشدًا للمعلومات ، وإنما صناعة للإنسان القادر على إدارة وقته ، وضبط رغباته ، وتحويل طاقته إلى عمل نافع ، وكل ساعة يقضيها الإنسان في تدريب واعٍ، وهو يدرك غايته ، هي في الحقيقة استثمار في رأس المال الحضاري للأمة .

إن الأمم لا تبدأ من الوزارات ، ولا من البرلمانات ، ولا من المؤتمرات الدولية ، بل تبدأ من إنسان يوقن أن النهضة ليست حدثًا سياسيًا يقع فجأة ، وإنما عادة يومية تتكرر بصمت ، وما لم يتحول هذا الوعي إلى ثقافة عامة ، ستظل الإنجازات الفردية جزرًا معزولة وسط بحر من الركود ، لهذا لم أرَ في تاتيانا مجرد امرأة فازت في منافسة رياضية ، بل رأيت إنسانًا اختار أن يولد مرةً أخرى ؛ لا من رحم البيولوجيا ، بل من رحم الإرادة ، وبين الولادة الأولى والثانية تكمن المسافة التىّ تفصل المجتمعات الحية عن المجتمعات التىّ تكتفي بتكرار أمجاد الماضي .

لم يكن الevent بحدّ ذاته هو ما جذب انتباهي ، بل تلك الأفكار العميقة التىّ توارت خلفه ، منتظرةً من يكتشفها ، فالحضارة لا تبدأ عندما يمتلك الإنسان القوة ، بل عندما يعرف لماذا يريدها ، ولأي غاية يوظفها ، وحين يصبح بناء الإنسان أولوية تسبق بناء الحجر ، يمكن عندها فقط أن نتحدث عن مشروع نهضوي حقيقي ، لا عن نهضة مؤجلة إلى أجل غير معلوم … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في ...
- الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
- العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص ...
- احتلال الوعي 🤦‍♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل ...
- عقل مصر 🇪🇬🧠…حين تتحول الهندسة إلى مع ...
- العشق♥🌹… آخر منطقة لا تعترف بسلطة أحد …
- كيف الغباء🚬🤦‍♂…حين يصبح الوهم أكثر راح ...
- هندسة📐 الفوضى: المشروع الصهيوني والتحولات الجيوسياسي ...
- القدس…🕌حين تسقط الأقنعة ويبقى الفلسطيني وحيدًا …
- الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة ...
- إسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام🍼عن ا ...
- من “كش الشيطان ♟” إلى “إله الأشياء الصغيرة”: حين انتصر ...
- من إمبراطورية الكبتاغون🫰إلى المستطيل الأخضر ⚽: ...
- التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…
- بين فلتات اللاوعي🧠وتحولات الجغرافيا السياسية…
- الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟
- الأمن القومي المصري 🇪🇬وتحولات الصراع الإقليم ...
- الغفلة🙆‍♂وتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة ...
- حين تتوقف المدافع وتبدأ الهتافات 🧏‍♂🗣…
- الحقيقة تحت النار🔥: من استهداف الصحافيين إلى إعادة ه ...


المزيد.....




- السيناتور ميتش ماكونيل عن نقله إلى المستشفى: فقدت وعيي وسقطت ...
- من سويسرا إلى إيطاليا بدون مطار.. ليبي يخوض تجربة أعلى معبر ...
- حاصرتهم ألسنة اللهب.. حريق هائل يحصد أرواح 27 شخصًا داخل حان ...
- الجيش الأردني يعلن إسقاط صواريخ إيرانية دخلت مجاله الجوي
- الدفاع الروسية تعلن شن هجمات دقيقة على بنى تحتية تستخدمها قو ...
- قاتل متسلسل في ظلام -ليلة الرعب- الدامس!
- محكمة ألمانية تصدر حكمها في قضية زوجين عراقيين بتهمة استعباد ...
- -فايننشال تايمز-: سفيرة أوكرانيا في واشنطن تواجه ملاحقة جنائ ...
- تركيا تخسر دعوى الاستئناف في باريس وتواجه غرامة مليارية لصال ...
- ضربات أمريكية لإيران وطهران تستهدف الكويت والبحرين والأردن


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية - من صالة الرياضة إلى سؤال النهضة العربية…