أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …














المزيد.....

العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 15:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ربما لم يعرف الإنسان الدولة إلا متأخرًا ، لكنه عرف السلطة منذ اللحظة التىّ عرف فيها العائلة ، فقبل أن تُكتب الدساتير ، وقبل أن تُرسم الحدود ، وقبل أن تظهر الجيوش والمحاكم ، كانت الأسرة هي المؤسسة الأولى التىّ تعلم فيها الإنسان معنى القيادة والطاعة ، والحق والواجب ، والحرية وحدودها ، ولهذا فإن فهم الدولة لا يبدأ من السياسة ، بل من المنزل ؛ لأن العائلة كانت أول عقد اجتماعي عرفته البشرية ، ومنها خرجت جميع العقود اللاحقة ، ومن هنا تنشأ واحدة من أكثر المفارقات إثارة في السلوك الإنساني ؛ فالإنسان الذي يرفض فكرة السيادة عندما تُطرح في المجال السياسي ، هو نفسه الذي يطالب بها داخل أسرته ، يريد في بيته مرجعية نهائية تحسم النزاعات وتحمي النظام ، لكنه يتردد في الاعتراف بأن المجتمع ، وهو ليس سوى امتداد للعائلة ، يحتاج إلى المرجعية نفسها ، إنه يقبل السلطة عندما تكون في خدمته المباشرة ، لكنه يشكك فيها عندما تصبح مسؤولية عامة ، غير أن هذا التناقض لا ينشأ من رفض الإنسان للسلطة في ذاتها ، بل من الخلط بين مفهومين مختلفين : السيادة والاستبداد ، فالسيادة ليست حكمًا مطلقًا ، وإنما هي وجود مرجعية عليا تمنع تضارب الإرادات ، وتحول دون انزلاق الجماعة إلى الفوضى ، أما الاستبداد فهو انحراف السيادة عندما تتحرر من القيود التىّ أنشأتها ، فتتحول من وسيلة لحماية المجتمع إلى أداة للهيمنة عليه .

ولهذا لم تنشأ العائلة على أساس القوة ، كما لم تنشأ الدولة على أساس الإكراه وحده ، بل على أساس التنازل المتبادل. فعقد الزواج ، في جوهره ، ليس إعلانًا عن الحب فحسب ، بل إعلان عن قبول طرفين التخلي عن جزء من استقلالهما الفردي لإنشاء كيان جديد يضمن الأمن والاستقرار والاستمرار ، وما يفعله الزوجان داخل الأسرة ، يفعله المواطنون لاحقًا داخل الدولة ؛ إذ يتنازل الجميع عن جزء من حرياتهم الطبيعية مقابل قيام سلطة تتولى حماية الأرواح ، وصيانة الحقوق ، وحفظ النظام العام ، ومن هذا المنطلق ، لا تبدو الدولة اختراعًا منفصلًا عن المجتمع ، بل استمرارًا طبيعيًا للعائلة ، وإذا كانت الأسرة هي الخلية الأولى للحياة الاجتماعية ، فإن الدولة ليست سوى تنظيم أكثر تعقيدًا للمبادئ ذاتها ، ولهذا فإن المجتمعات التىّ تفشل في إنتاج عقد اجتماعي متوازن ، تعيد إنتاج أزماتها الأسرية في المجال السياسي ، كما أن الأسر التىّ تقوم على الاستبداد أو الفوضى تزرع في أفرادها التصورات نفسها عن السلطة عندما يصبحون مواطنين ، ولعل هذا ما يفسر أن انهيار الدول لا يبدأ عادة من الحدود ، بل من الداخل ؛ من اللحظة التىّ تفقد فيها السلطة شرعيتها ، أو يفقد المجتمع ثقته بالعقد الذي يجمعه ، عندئذٍ تتحول الهويات الصغيرة إلى بدائل عن الهوية الوطنية ، ويصبح الانتماء للعشيرة أو الطائفة أو الجماعة أقوى من الانتماء للدولة ، فتبدأ عملية التفكك من القاعدة نفسها التىّ بدأت منها عملية البناء .

هناك مرحلةٌ يغفل عنها الأب ، وهي لحظة انتقال سيادة مملكته من الفردية إلى الشراكة الثنائية ، ثم إلى طغيان الكثرة ، فالطلاق، في كثير من الأحيان ، ليس مجرد حدثٍ عابر ، بل يشبه منعطفًا تاريخيًا تتكاثر فيه الانقلابات الكبرى ؛ إذ لا ينشأ عن تغيرات ظاهرية فحسب ، وإنما عن تحولٍ عميق في وعي الطرفين ورؤيتهما للحياة ، ذلك أن السيادة الجاهلة ، بما تمتلكه من نفوذٍ تدميري يشبه «العوامل الجيولوجية»، قادرة على تقويض أي كيانٍ سيادي ، سواء أكان أسرةً أم حضارةً ، فهي لا تهدم البناء من الخارج ، بل تُضعف أسسه من الداخل حتى ينهار تحت وطأة تناقضاته ، وعندئذٍ ينتشر اللاوعي الجمعي بين الناس ، فيغدو المحرك الخفي للسلوك والقرارات ، بينما تتراجع قدرة العقل الواعي على توجيه المسار ، وفي مثل هذه الظروف ، يعجز الأفراد والأنظمة عن تشييد حضارة جديدة ؛ لأن البناء يحتاج إلى عقلٍ معماري يمتلك رؤيةً ونظامًا ، في حين لا يمتلك المجتمع ، في لحظات الانهيار ، سوى أدوات الهدم .

وقد أدرك غوستاف لوبون أن الجماهير ، عندما تفقد الفكرة الجامعة ، لا تتحرك وفق العقل ، بل وفق الانفعال ، فهي لا تهدم المؤسسات لأنها تكره البناء ، وإنما لأنها لم تعد تؤمن بالأسس التىّ يقوم عليها ، ولذلك فإن أخطر ما يصيب الحضارات ليس ضعف الاقتصاد أو تراجع القوة العسكرية ، بل انهيار الإيمان بالعقد الاجتماعي الذي يمنح السلطة مشروعيتها ، ويجعل الطاعة فعلًا عقلانيًا لا خضوعًا أعمى …والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إسرائيل🇮🇱وتركيا 🇹🇷: من الشرا ...
- الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُري ...
- سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺& ...
- حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…
- هل أصبح ليندسي غراهام هدفًا🎯في الحرب الخفية؟ عندما ت ...
- تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية - ...
- بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في ...
- الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
- العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص ...
- احتلال الوعي 🤦‍♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل ...
- عقل مصر 🇪🇬🧠…حين تتحول الهندسة إلى مع ...
- العشق♥🌹… آخر منطقة لا تعترف بسلطة أحد …
- كيف الغباء🚬🤦‍♂…حين يصبح الوهم أكثر راح ...
- هندسة📐 الفوضى: المشروع الصهيوني والتحولات الجيوسياسي ...
- القدس…🕌حين تسقط الأقنعة ويبقى الفلسطيني وحيدًا …
- الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة ...
- إسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام🍼عن ا ...
- من “كش الشيطان ♟” إلى “إله الأشياء الصغيرة”: حين انتصر ...
- من إمبراطورية الكبتاغون🫰إلى المستطيل الأخضر ⚽: ...
- التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…


المزيد.....




- -الإيرانيون يتقنون فن الحرب-.. سفير أمريكي مخضرم خدم في العر ...
- لماذا تستهدف الضربات الأمريكية جنوب إيران؟.. مراسلة CNN تجيب ...
- بشفاه برتقالية ونداء يشبه الزئير... اكتشاف قرد جديد في غابات ...
- اليوم السابع من تبادل الضربات: واشنطن تدرس توسيع غاراتها.. و ...
- ردًا على ماركو روبيو.. رئيس كوبا يتهم واشنطن بالترويج لتحالف ...
- هجمات إيرانية جديدة.. حرائق وإصابات في الكويت وصفارات إنذار ...
- الكويت: إصابات وخسائر مادية جسيمة بعد هجوم إيراني على موقع ن ...
- مقتل شخص وإصابة 37 بهجوم مسيرات أوكرانية في مقاطعة موسكو
- هل تصل موجة الحر غير المسبوقة في المغرب العربي إلى مصر؟
- سوريا.. شبهات في تمويل إسرائيلي لمشاريع في ريف دمشق والقنيطر ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …