|
|
إسرائيل🇮🇱وتركيا 🇹🇷: من الشراكة الإستراتيجية إلى صراع الجغرافيا والطاقة …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 17:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ لم تعد التحولات الكبرى في العلاقات الدولية تُقرأ من خلال البيانات الرسمية أو التصريحات السياسية فحسب ، بل باتت تُفهم من خلال ما تكشفه القرارات من تحولات بنيوية في إدراك الدول لمصالحها الإستراتيجية ، فالسياسة ، بخلاف الأخلاق ، لا تتحرك وفق المبادئ المجردة ، وإنما وفق توازنات القوة وموازين النفوذ ، ولذلك ، فإن كثيرًا من القرارات التىّ تُسوَّق بوصفها مراجعات أخلاقية أو تصحيحات تاريخية ، ليست في حقيقتها سوى تعبير متأخر عن تغيرات عميقة في البيئة الجيوسياسية ، ومن هذا المنظور ، لا يمكن التعامل مع الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بالإبادة الجماعية للأرمن باعتباره تحولًا أخلاقيًا أو مراجعة تاريخية مستقلة عن سياقه السياسي ، بقدر ما يمثل مؤشرًا على بلوغ العلاقات التركية–الإسرائيلية مرحلة غير مسبوقة من التآكل ، وربما الاقتناع داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن إعادة إنتاج الشراكة القديمة مع أنقرة لم تعد خيارًا إستراتيجيًا قابلًا للتحقق ، وهنا تكمن الدلالة الأعمق ، وربما الأخطر ، فحالة الهياج السياسي والإعلامي التىّ تشهدها النخب الإسرائيلية تجاه تركيا لا يمكن تفسيرها بردود الفعل العابرة أو بالخلافات الظرفية ، وإنما ينبغي قراءتها ضمن شبكة متداخلة من الصراعات السياسية والأمنية والاقتصادية والطاقوية، حيث تتداخل الجغرافيا بالتاريخ ، وتتقاطع المصالح مع الهوية ، ويتحول الصراع من خلافات دبلوماسية إلى تنافس على إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط وشرق المتوسط ، ومن الطبيعي ، في هذا السياق، أن تنظر إسرائيل إلى تركيا، تمامًا كما تنظر إلى إيران ومصر والسعودية، باعتبارها دولًا إقليمية ذات امتداد تاريخي ، تمتلك من المقومات البشرية والاقتصادية والعسكرية ما يؤهلها ، متى توافرت الإرادة السياسية ، للتحول إلى مراكز قوة قادرة على الحد من هامش الحركة الإسرائيلي أو إعادة صياغة التوازنات الإقليمية بما لا يخدم المشروع الصهيوني ، ولذلك، لم يكن مستغربًا أن تجد إسرائيل قدرًا أكبر من الطمأنينة كلما اتسمت البيئة الإقليمية بالتفكك والانقسام وغياب المشاريع القومية الجامعة ، فالدول الضعيفة والهشة ، المنهمكة في أزماتها الداخلية ، تشكل البيئة المثالية لاستمرار التفوق الإسرائيلي ، بينما يمثل صعود الدول الإقليمية المتماسكة تحديًا مباشرًا لهذا التفوق .
ولعل التجربة التركية تقدم المثال الأكثر وضوحًا على هذا التحول ، فقبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، كانت تركيا، رغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي ، تؤدي دورًا أقرب إلى الدولة الطرفية ، المثقلة بالأزمات الاقتصادية ، والمنهكة بالفساد والصراعات الداخلية ، مع حضور محدود في محيطها الإقليمي ، غير أن التحولات الداخلية التىّ شهدتها البلاد منذ مطلع الألفية الجديدة نقلت تركيا تدريجيًا من موقع الدولة الهامشية إلى موقع الدولة الإقليمية المؤثرة ، فقد أعادت بناء مؤسساتها الاقتصادية ، وطورت صناعاتها الدفاعية ، وعززت قدراتها الاستخباراتية والعسكرية ، ووسعت حضورها السياسي والدبلوماسي ، حتى أصبحت لاعبًا يصعب تجاوزه في ملفات تمتد من البحر الأسود والقوقاز إلى شرق المتوسط ، ومن ليبيا والقرن الإفريقي إلى آسيا الوسطى ، فضلًا عن تأثيرها المتزايد داخل أوروبا والولايات المتحدة عبر شبكة واسعة من المصالح والمؤسسات ، وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا التحول مباشرة على طبيعة العلاقات التركية–الإسرائيلية، التىّ انتقلت تدريجيًا من شراكة إستراتيجية وثيقة إلى علاقة يغلب عليها التنافس والشك وانعدام الثقة ، فعلى امتداد عقود طويلة ، لم تكن العلاقات بين أنقرة وتل أبيب مجرد علاقات دبلوماسية عادية، بل قامت على تعاون عسكري واستخباراتي واسع ، وتبادل للخبرات الأمنية ، وشراكات اقتصادية متنامية ، إضافة إلى تقاطع في بعض الرؤى المتعلقة بموازين القوى الإقليمية ، ولا سيما ما ارتبط آنذاك بالقلق المشترك من صعود المشروع القومي العربي ، لكن هذه الأرضية أخذت تتآكل تدريجيًا مع تغير البيئة الإقليمية ، وازدياد استقلالية القرار التركي ، وتنامي طموحات أنقرة للعب دور يتجاوز حدودها الجغرافية ، وهو ما وضعها تدريجيًا في مسار تصادمي مع المصالح الإسرائيلية ، وقد بلغت هذه التحولات مستوى أكثر وضوحًا بعد حادثة سفينة “مرمرة” عام 2010، عندما اقتحمت قوات الكوماندوز الإسرائيلية السفينة التركية المتجهة إلى قطاع غزة، وقتلت عددًا من النشطاء الأتراك ، فمنذ تلك اللحظة ، لم تنظر أنقرة إلى الحادثة باعتبارها مجرد أزمة دبلوماسية عابرة، بل اعتبرتها مساسًا مباشرًا بسيادة الدولة التركية وإهانة لهيبتها الوطنية ، ورغم أن البراغماتية السياسية فرضت استمرار بعض أشكال التعاون الاقتصادي والتجاري خلال السنوات اللاحقة، فإن الثقة السياسية بين الطرفين تعرضت لضرر عميق ، وأصبحت العلاقات تسير وفق قاعدة إدارة الخلاف لا بناء الشراكة ، ثم جاءت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة لتدفع هذا التدهور إلى مستوى جديد ، فقد تحولت تركيا إلى أحد أبرز الأصوات الدولية التىّ حملت إسرائيل مسؤولية ارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين ، وقادت حملة سياسية ودبلوماسية واسعة داخل المؤسسات الدولية ، الأمر الذي وضع تل أبيب أمام تحدٍ غير مسبوق في معركة الرأي العام العالمي .
وفي المقابل ، لم يكن الاعتراف الإسرائيلي بالإبادة الجماعية للأرمن فعلًا منفصلًا عن هذا السياق ، ولا يمكن تفسيره باعتباره انتصارًا متأخرًا للأخلاق أو مراجعة تاريخية مستقلة ، فلو كان الدافع أخلاقيًا بالفعل ، لما انتظرت إسرائيل أكثر من قرن حتى تتبنى هذا الموقف ، أما توقيت القرار ، فيكشف بوضوح أنه جاء في ذروة الانهيار السياسي بين الطرفين ، بما يجعله أقرب إلى أداة ضغط سياسي منه إلى تصحيح تاريخي ، وما يؤكد ذلك أن النص الذي رافق القرار يصف الاعتراف بأنه “تصحيح أخلاقي وتاريخي تأخر طويلًا” ، وهذه العبارة ، في مضمونها السياسي ، تعني أن الحكومة الإسرائيلية ، والكنيست ، والمعارضة ، والمؤسسات الأكاديمية ، قد وصلت إلى قناعة مفادها أن المستقبل لم يعد يحمل جدوى إستراتيجية لإعادة بناء العلاقة مع تركيا بالشكل الذي عرفته العقود السابقة ، وهذا استنتاج بالغ الأهمية؛ لأنه يعني ، في أحد أبعاده ، أن إسرائيل تتخلى عن أحد أهم استثماراتها الجيوسياسية الممتدة منذ أكثر من مائة عام في دولة تشكل بوابة طبيعية بين أوروبا والشرق الأوسط ، وتمتلك ثقلًا سكانيًا وصناعيًا وعسكريًا يجعلها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية مستقبلية ، غير أن التحولات التىّ شهدها الإقليم خلال العقدين الأخيرين عمّقت هذا التباعد أكثر فأكثر ، فالعراق، الذي راهنت إسرائيل طويلًا على استمرار ضعفه ، عاد إلى مستوى من التماسك السياسي عبر تقاربه مع إيران ، بينما استعادت سوريا، رغم سنوات الحرب والاستنزاف، موقعها تدريجيًا بوصفها إحدى العقد الجيوسياسية المؤثرة في المشرق العربي ، كل ذلك أعاد رسم البيئة الإستراتيجية المحيطة بإسرائيل ، وجعل الصراع مع تركيا يتجاوز حدود الخلافات الثنائية ليصبح جزءًا من معركة أوسع على مستقبل النفوذ في الشرق الأوسط ، فإذا كانت حادثة “مرمرة” قد مثلت نقطة الانكسار الرمزية في العلاقات التركية–الإسرائيلية ، فإن ما تلاها كشف أن الخلاف لم يعد متعلقًا بملف فلسطين وحده ، ولا حتى بمجمل قضايا الشرق الأوسط ، بل أصبح صراعًا مفتوحًا على إعادة توزيع النفوذ في دوائر جغرافية تمتد من القوقاز إلى إفريقيا ، ومن شرق المتوسط إلى مؤسسات صنع القرار في واشنطن وبروكسل .
ومن هنا، فإن القراءة الإسرائيلية للمشهد التركي تبدو أكثر عمقًا مما يظهر في الخطاب الإعلامي ، فتل أبيب لا تنظر إلى الرئيس رجب طيب أردوغان بوصفه المشكلة الأساسية ، ولا ترى أن انتهاء دوره السياسي كفيل بإعادة العلاقات إلى سابق عهدها ، فالمؤسسة الإسرائيلية تدرك أن التحول الذي شهدته تركيا خلال العقدين الماضيين لم يعد مرتبطًا بشخص أو حزب ، وإنما أصبح نتاجًا لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها ، وترسيخ رؤية استراتيجية تمنح أنقرة هامشًا أوسع من الاستقلال في القرار السياسي ، وتوسعًا متزايدًا في دوائر النفوذ الإقليمي والدولي ، ولهذا ، فإن القلق الإسرائيلي لا ينبع من طبيعة العلاقة الشخصية التىّ تجمع أردوغان بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب ، بقدر ما ينبع من إدراك أن تركيا نجحت في تحويل علاقاتها الخارجية إلى علاقات مؤسساتية يصعب تفكيكها بتغير الإدارات أو تبدل القيادات السياسية ، فأنقرة لم تعد شريكًا مهمًا لحلف شمال الأطلسي فحسب ، بل أصبحت حاجة متزايدة لأوروبا ، وللولايات المتحدة ، ولعدد من الدول العربية ، كما أنها تحافظ على قنوات تواصل مع إيران ، وتوسع حضورها في إفريقيا وآسيا الوسطى والصين ، وهو ما يمنحها شبكة واسعة من المصالح المتبادلة تجعل عزلها أو احتواءها أكثر تعقيدًا مما كان عليه الحال في العقود السابقة ، ومن هذا المنطلق ، يمكن فهم حالة الارتباك الإسرائيلي تجاه ما يمكن وصفه بـ”الدفء المؤسسي” الذي أخذ يتشكل بين واشنطن وأنقرة ، رغم الخلافات الظرفية التىّ شهدتها العلاقات بين البلدين في بعض الملفات ، فقد أخفقت إسرائيل في دفع الولايات المتحدة إلى تبني كامل أجندتها في سوريا ، كما أن تعيين توم باراك مبعوثًا أمريكيًا خاصًا إلى سوريا لم يكن خبرًا عاديًا بالنسبة لصناع القرار في تل أبيب، بالنظر إلى ما يعرف عن قربه من الرئيس أردوغان ، وفهمه لطبيعة المصالح التركية في المنطقة ، وهو ما اعتبرته إسرائيل مؤشرًا على أن واشنطن لا تزال تنظر إلى أنقرة باعتبارها شريكًا لا يمكن تجاوزه في رسم مستقبل الإقليم ، لكن التحول الأكثر أهمية لم يكن سياسيًا فقط ، بل اقتصاديًا وجيوسياسيًا في آن واحد ، وتحديدًا في ملف الطاقة ، فالحرب الروسية–الأوكرانية أحدثت تحولًا جذريًا في مفهوم الأمن الطاقوي الأوروبي ، وبعد أن كانت روسيا تؤمن ما يقارب 45% من واردات الغاز الطبيعي إلى أوروبا ، أصبحت القارة تبحث بصورة متسارعة عن بدائل أكثر تنوعًا وأقل تعرضًا للمخاطر الجيوسياسية ، ورغم ايضاً أن النرويج أصبحت اليوم أكبر مورد للغاز إلى أوروبا ، بما يقارب 30% من احتياجاتها ، فإن الدرس الاستراتيجي الذي خرج به الأوروبيون لم يكن استبدال مورد بآخر ، بل تنويع مصادر الطاقة ، وتعدد مسارات الإمداد ، ومنع تكرار الارتهان لأي طرف منفرد ، ثم جاءت التوترات في الخليج العربي ، وما رافقها من انعكاسات على مضيق هرمز ، إلى جانب استمرار التهديدات التىّ طالت الملاحة في باب المندب ، لتضيف بعدًا جديدًا إلى حسابات أمن الطاقة الأوروبي ، فالمسألة لم تعد مرتبطة بحجم الاحتياطات فقط ، بل بأمن خطوط النقل ، وسلامة الموانئ ، وشبكات الكهرباء العابرة للحدود ، والهيدروجين الأخضرز، والبنية الرقمية التىّ أصبحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة الطاقة الحديثة ، وفي هذا التحول برز نموذجان متنافسان على قيادة المشهد الجديد .
النموذج الأول تمثله تركيا ، التىّ انتقلت تدريجيًا من مجرد دولة عبور لأنابيب الطاقة إلى مشروع متكامل يسعى للتحول إلى مركز إقليمي لتجارة الغاز والطاقة ، أما النموذج الثاني ، فتمثله إسرائيل، التىّ تعمل على بناء شراكة اقتصادية أوسع مع أوروبا ، تتجاوز تصدير الغاز من حقول شرق المتوسط إلى الاندماج في منظومة التجارة والطاقة الأوروبية الجديدة ، ولا يقتصر أثر هذا التنافس على الطرفين فقط، بل يمتد إلى مصر ودول الخليج ، وإلى مستقبل الممرات التجارية والطاقة النظيفة في المنطقة بأسرها ، وفي هذا الشأن ، لا يمكن إغفال الدور المصري ، الذي يسعى إلى تعزيز شراكته الاقتصادية مع أوروبا ، ليس فقط عبر تصدير الغاز ، وإنما من خلال التكامل في مشروعات الكهرباء، والطاقة النظيفة ، وسلاسل الإمداد ، مستفيدًا من موقعه الجغرافي ، ومن سيطرته على أحد أهم الممرات التجارية في العالم ، فضلًا عن حضوره المتزايد في مشروعات الهيدروجين الأخضر ، أما تركيا، فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك ، فهي لم تعد تكتفي بالمرور الجغرافي لخطوط الأنابيب ، بل عملت خلال السنوات الأخيرة على بناء بنية تحتية متقدمة تؤهلها للتحول إلى سوق إقليمية للطاقة ، وتمتلك اليوم واحدة من أكثر شبكات نقل الغاز تطورًا في المنطقة ، إضافة إلى سيطرتها على المضائق البحرية التىّ تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط ، فضلًا عن بنية تحتية متطورة للغاز الطبيعي المسال ، تضم محطتين بريتين وثلاث وحدات عائمة لإعادة التغويز (FSRU)، إلى جانب منشآت تخزين استراتيجية تحت الأرض ، بما يمنحها مرونة كبيرة في استقبال الغاز من مصادر متعددة ، وإعادة ضخه إلى شبكاتها الداخلية وإلى الأسواق الأوروبية والإقليمية ، ولذلك ، تعمل أنقرة بطموح واضح على إنشاء منصة إقليمية لتجارة الغاز ، بحيث لا تكون مجرد دولة عبور ، بل مركزًا لتحديد الأسعار ، وإعادة التوزيع ، وإدارة التدفقات ، وهو تحول يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز المكاسب الاقتصادية المباشرة ، لأنه يمنح تركيا قدرة أكبر على التأثير في معادلات الأمن الأوروبي والطاقة العالمية .
وهنا يتضح أن المنافسة بين أنقرة وتل أبيب لم تعد تدور حول ملفات سياسية أو أمنية منفصلة ، بل أصبحت مواجهة على هندسة النظام الإقليمي الجديد ، فمن ينجح في السيطرة على عقد الطاقة ، والممرات التجارية ، والبنية التحتية العابرة للحدود ، سيكون الأقدر على التأثير في القرار الأوروبي ، وعلى إعادة صياغة موازين القوة في شرق المتوسط والشرق الأوسط خلال العقود المقبلة ، وعند هذه النقطة تحديدًا ، يصبح الاعتراف الإسرائيلي بالإبادة الجماعية للأرمن أكثر وضوحًا من الناحية السياسية ، فالقضية لا تتعلق ، في جوهرها ، بإعادة قراءة التاريخ أو بتصحيح موقف أخلاقي تأخر أكثر من قرن، وإنما تعكس تحوّلًا في تقدير المؤسسة الإسرائيلية لطبيعة العلاقة مع تركيا ومستقبلها ، فالدول ، بخلاف الأفراد ، لا تعيد كتابة تاريخها مدفوعةً بالضمير وحده ، بل عندما تتبدل مصالحها وتُعاد صياغة أولوياتها الإستراتيجية ، ولهذا، فإن توقيت الاعتراف الإسرائيلي لا يمكن فصله عن حالة الانسداد التىّ وصلت إليها العلاقات مع أنقرة ، ولا عن إدراك متزايد داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب بأن الشراكة التىّ حكمت العقود الماضية لم تعد قابلة للاستعادة بالصيغة ذاتها ، لقد كانت إسرائيل ، على امتداد عقود ، تنظر إلى تركيا بوصفها إحدى الركائز الأساسية في استراتيجيتها الإقليمية ؛ دولةً تربط أوروبا بالشرق الأوسط، وعضوًا فاعلًا في حلف شمال الأطلسي ، وتمتلك قاعدة صناعية وبشرية كبيرة ، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يتحكم في واحد من أهم المفاصل بين آسيا وأوروبا ، وكانت تلك المقومات تمنح العلاقة مع أنقرة قيمة تتجاوز حدود التعاون الثنائي إلى كونها استثمارًا طويل الأمد في الجغرافيا السياسية ، لكن تركيا التي تعاملت معها إسرائيل في تسعينيات القرن الماضي لم تعد هي تركيا اليوم ، فقد تبدلت بنية الدولة ، وتعاظمت قدراتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية ، وارتفعت مكانتها الدبلوماسية ، وأصبح قرارها الخارجي أكثر استقلالًا ، كما توسعت دوائر حضورها في القوقاز ، والبلقان ، والبحر الأسود ، وشرق المتوسط ، وإفريقيا ، وآسيا الوسطى ، ولم تعد تكتفي بدور الدولة التابعة للترتيبات الغربية ، بل باتت تسعى إلى أن تكون شريكًا في صياغة هذه الترتيبات .
وفي المقابل ، لم تعد إسرائيل تواجه بيئة إقليمية مشابهة لتلك التىّ تمتعت بها بعد نهاية الحرب الباردة ، فالتوازنات تغيرت ، والفاعلون الإقليميون أعادوا تموضعهم ، كما أن المنافسة على الطاقة والممرات التجارية وسلاسل الإمداد باتت تحتل موقعًا متقدمًا في حسابات القوى الكبرى ، الأمر الذي جعل السيطرة على الجغرافيا الاقتصادية لا تقل أهمية عن السيطرة العسكريةً ، ومن هنا، فإن التنافس التركي–الإسرائيلي تجاوز الخلافات الدبلوماسية والملفات التقليدية ، ليصبح صراعًا على من يمتلك القدرة على التأثير في مستقبل الإقليم ، وعلى من يستطيع أن يقدم نفسه لأوروبا والولايات المتحدة بوصفه الشريك الأكثر موثوقية في مجالات الطاقة ، والتجارة ، والأمن ، والبنية التحتية ، ولا يعني ذلك أن الصدام بين الطرفين يتجه بالضرورة إلى مواجهة مباشرة الان ، فالمصالح الاقتصادية المتبادلة ما تزال قائمة ، كما أن البراغماتية السياسية ستظل تفرض ، في أوقات معينة ، أشكالًا لإدارة الخلافات ، غير أن ما تغير هو الأرضية التىّ كانت تسمح بإعادة ترميم العلاقة كلما تعرضت لهزة سياسية ، فهذه الأرضية أصبحت أكثر هشاشة ، بينما تعمق انعدام الثقة على نحو يصعب تجاوزه في المستقبل المنظور.
ومن المرجح أن تستمر المنافسة بين الطرفين في ساحات متعددة ؛ وتحديداً على أسواق الطاقة إلى الممرات التجارية ، دون أن يكون أي من هذه الملفات منفصلًا عن الآخر ، فالجغرافيا السياسية أصبحت أكثر ترابطًا ، وأي تقدم يحققه أحد الطرفين في ساحة معينة ينعكس مباشرة على ميزان القوة في ساحات أخرى ، ولذلك ، فإن الخطأ المنهجي يكمن في اختزال المشهد في التصريحات المتبادلة أو في الخلافات الشخصية بين القادة ، فالصراعات الكبرى لا تُبنى على المزاج السياسي، وإنما على تحولات بنيوية في إدراك الدول لمصالحها ، وفي إعادة توزيع عناصر القوة داخل النظامين الإقليمي والدولي ، فإن الاعتراف الإسرائيلي بالإبادة الجماعية للأرمن ليس بداية الخلاف مع تركيا ، بل أحد تجلياته المتأخرة ، إنه يعكس انتقال العلاقة من مرحلة كانت تقوم على الشراكة الإستراتيجية إلى مرحلة يحكمها التنافس الجيوسياسي ، حيث أصبحت الأخلاق تُستدعى عندما تخدم السياسة ، ويُعاد استحضار التاريخ عندما يصبح أداة في إدارة الصراع ، وفي هذا السياق ، تبدو المنافسة بين أنقرة وتل أبيب أبعد من مجرد خلاف ثنائي ؛ فهي جزء من عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط في ظل عالم يتجه نحو تعددية أكبر في مراكز القوة ، وتراجع تدريجي لاحتكار النفوذ الذي ساد بعد الحرب الباردة ، ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد : لماذا اعترفت إسرائيل بالإبادة الأرمنية الآن؟ بل أصبح : أي شرق أوسط يتشكل ، وأي موقع تريد كل من تركيا وإسرائيل أن تحتله في خرائط القوة والطاقة والتجارة خلال العقود القادمة؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة ، أما القرار الإسرائيلي ، بكل ما حمله من لغة أخلاقية ، فلن يكون سوى فصل جديد في صراع طويل ، عنوانه الحقيقي ليس الذاكرة التاريخية ، بل الجغرافيا السياسية… والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُري
...
-
سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺&
...
-
حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…
-
هل أصبح ليندسي غراهام هدفًا🎯في الحرب الخفية؟ عندما ت
...
-
تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية -
...
-
بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في
...
-
الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
-
العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص
...
-
احتلال الوعي 🤦♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل
...
-
عقل مصر 🇪🇬🧠…حين تتحول الهندسة إلى مع
...
-
العشق♥🌹… آخر منطقة لا تعترف بسلطة أحد …
-
كيف الغباء🚬🤦♂…حين يصبح الوهم أكثر راح
...
-
هندسة📐 الفوضى: المشروع الصهيوني والتحولات الجيوسياسي
...
-
القدس…🕌حين تسقط الأقنعة ويبقى الفلسطيني وحيدًا …
-
الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة
...
-
إسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام🍼عن ا
...
-
من “كش الشيطان ♟” إلى “إله الأشياء الصغيرة”: حين انتصر
...
-
من إمبراطورية الكبتاغون🫰إلى المستطيل الأخضر ⚽:
...
-
التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…
-
بين فلتات اللاوعي🧠وتحولات الجغرافيا السياسية…
المزيد.....
-
آلاف العرب بأمريكا مهددون بالترحيل.. ما هي أزمة وضع الحماية
...
-
UKMTO: حادثة بين ناقلة نفط وقوات عسكرية قبالة سواحل سلطنة عُ
...
-
الهند تطلق أول قطار ركاب يعمل بالهيدروجين لخفض الانبعاثات
-
إدارة ترامب تشدد قواعد التأشيرات.. قيود جديدة تطال الطلاب وا
...
-
كيم جونغ أون يستقبل مسؤولا صينيا رفيعا في بيونغ يانغ
-
-هجوم جوي وآلاف الجنود-.. هل تقترب واشنطن من الخيار العسكري
...
-
تقرير يكشف كواليس تعاطي واشنطن مع ملف استهداف مدرسة ميناب ال
...
-
تعرض ناقلة نفط لهجومين عند مصب لكونسورتيوم -أنابيب قزوين- في
...
-
عواصف رعدية عنيفة في فرنسا تخلف قتيلين وتقطع الكهرباء عن 53
...
-
صربيا تنضم لبرنامج Artemis لاستكشاف القمر
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|