أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُريد إسقاط المرجعية اللغوية للقرآن؟📕…















المزيد.....

الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُريد إسقاط المرجعية اللغوية للقرآن؟📕…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 22:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليست كل المعارك التىّ دارت حول الشعر الجاهلي معارك أدبية خالصة ، ولا كل ما كُتب عنه كان بحثًا محايدًا في تاريخ النصوص ، فبعض القضايا تبدأ بسؤال لغوي ، ثم لا تلبث أن تتحول إلى قضية حضارية تمس هوية الأمة ومرجعياتها المعرفية ، ومن هذا المنطلق ، فإن الشعر الجاهلي لا يمثل مجرد إرث أدبي يروي حياة العرب قبل الإسلام ، بل يشكل المرجعية اللغوية الأعلى التىّ تكشف طبيعة البيان العربي الذي نزل القرآن الكريم متحديًا أهله ، ولهذا ، فإن أي محاولة لإسقاط هذه المرجعية لا تقف عند حدود الأدب ، بل تمتد آثارها إلى المجال الذي تقوم عليه المقارنة البلاغية واللغوية في فهم إعجاز القرآن ، ومن هنا ، يمكن قراءة جانب من الجدل الذي أثير حول الشعر الجاهلي خلال القرنين الماضيين ، فالتشكيك في هذا الموروث ، في أحد أبعاده ، لم يكن يستهدف القصيدة لذاتها بقدر ما كان يستهدف البيئة اللغوية التىّ وُلد فيها القرآن ، فإذا أُقنع الباحث بأن الشعر الجاهلي منتحل في معظمه ، وأن اللغة التىّ نُسب إليها القرآن ليست ثابتة ولا موثوقة ، فإن المقارنة البلاغية بين القرآن وكلام العرب تفقد أهم أدواتها التاريخية ، ويصبح الحديث عن الإعجاز منفصلًا عن واقعه اللغوي الذي تشكل فيه ، وهذه القراءة لا تنفي وجود دوافع علمية لدى بعض الباحثين ، لكنها ترى أن النتائج التىّ إنتهت إليها بعض المدارس تجاوزت حدود النقد الأدبي إلى إعادة تشكيل المرجعية اللغوية ذاتها .

غير أن الإنصاف يقتضي القول إن المستشرقين لم يكونوا على موقف واحد ، فقد ذهب صموئيل مرجليوث إلى أبعد حدود التشكيك ، فرأى أن معظم الشعر الجاهلي صيغ بعد الإسلام ، مدفوعًا باعتبارات سياسية وقبلية ولغوية ، وأن الرواية العربية لا تكفي وحدها لإثبات أصالته ، وعلى هذا الطريق شق طه حسين طريقه ، أما تيودور نولدكه فقد كان أكثر اعتدالًا ، إذ أقر بوجود ظاهرة الانتحال ، لكنه لم يسقط الشعر الجاهلي كله ، بل دعا إلى إخضاعه لمناهج النقد التاريخي واللغوي ، كما تعامل يوسف هوروفيتس مع التراث العربي بقدر أكبر من التحفظ ، فلم يرَ أن الشك وحده يكفي لإهدار الرواية العربية ، بل دعا إلى تمحيصها وفق الأدلة والقرائن ، والمفارقة أن هذا الجدل لم يكن اكتشافًا استشراقيًا ، فقد سبقهم إليه النقد العربي بقرون ، فقد كان ابن سلام الجمحي أول من أشار بوضوح إلى وجود شعر منحول ، لكنه لم يجعل من ذلك سببًا لهدم الشعر الجاهلي كله ولا ونصفه ، وإنما وضع معايير دقيقة للتمييز بين الصحيح والمصنوع ، مستندًا إلى الرواية ، واللغة ، والبيئة ، وأحوال الشعراء ، وهو منهج أقرب إلى روح البحث العلمي من التعميم الذي انتهى إليه بعض الباحثين المتأخرين ، فوجود الانتحال لا يعني سقوط الأصل ، تمامًا كما أن وجود الحديث الموضوع لم يؤدِّ إلى إسقاط السنة النبوية ، لأن المنهج العلمي يقوم على التمييز لا على الإلغاء ، وفي السياق نفسه ، جاء الدكتور طه حسين متأثرًا بجانب من المناهج الاستشراقية ، فدعا إلى إعادة النظر في موثوقية الشعر الجاهلي ، وأثار بذلك واحدة من أكبر المعارك الفكرية في الثقافة العربية الحديثة ، غير أن كثيرًا من الدراسات اللاحقة ، العربية والغربية ، أعادت قراءة القضية بمنهج أكثر توازنًا ، وأثبتت أن وجود نصوص منتحلة لا ينفي أصالة القسم الأكبر من هذا التراث ، تمامًا كما لا يؤدي وجود وثائق مزورة في أي حضارة إلى إسقاط تاريخها كله .

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا : كيف يمكن أصلًا اصطناع شعر جاهلي بعد قرون من انتهاء عصره؟ إن اللغة ليست مجموعة ألفاظ يمكن حفظها وإعادة تركيبها ، بل هي بيئة كاملة ، وثقافة ، وذائقة ، وصور ذهنية ، وأنماط تفكير ، وعلاقات اجتماعية ، وتاريخ حي ، فالشاعر ابن عصره ، مهما بلغت عبقريته ، لا يستطيع أن يعيش وجدان زمن لم يعشه ، ولا أن ينتج بيانًا يحمل الخصائص الدقيقة لمرحلة تاريخية انقضت ، ولهذا يستطيع الباحث المتمرس ، في كثير من الأحيان ، أن يميز بين النص الجاهلي الأصيل والنص المصنوع ، لأن لكل عصر بصمته اللغوية التىّ لا يمكن استنساخها بالكامل ، ولعل أوضح الأمثلة على ذلك ما يتعلق بالخمر في المجتمع العربي قبل الإسلام ، فلم يكن ذكر الخمر في الشعر الجاهلي مجرد وصف عابر ، بل كان انعكاسًا لواقع اجتماعي وثقافي واسع ، حتى إن العرب أطلقوا عليها أكثر من مائة اسم ، وهو ثراء لغوي لا ينشأ إلا من شدة حضور الشيء في الحياة اليومية ، وقد امتلأت القصائد الجاهلية بوصف مجالسها ، وآنيتها، وألوانها ، وروائحها ، وآثارها النفسية ، وهو وصف يعكس تجربة بيئية متكاملة لا مجرد خيال أدبي ، ومع ذلك ، لم يكن العرب جميعًا على موقف واحد منها ؛ فقد عُرف عن عبد المطلب بن هاشم ، وورقة بن نوفل ، وغيرهما من الحنفاء ، رفضهم لشربها قبل الإسلام ، ثم جاء الإسلام فحرّمها ، فتحولت صورتها في الشعر تدريجيًا من رمز للمفاخرة إلى موضوع يرتبط بالتحذير أو بالحنين الأدبي في بعض العصور ، وفي العصر العباسي اتسع حضورها في الشعر كمعصية لا تقاوم ، بالتزامن مع تطور المعرفة الكيميائية ، حيث أسهم جابر بن حيان في تطوير جهاز التقطير الذي استُخدم في تطبيقات علمية متعددة ، ومنها تقطير الكحول ، قبل أن تنتقل هذه التقنية إلى أمم أخرى ، وهذه التفاصيل ليست استطرادًا تاريخيًا ، بل دليل على أن الشعر الجاهلي كان ابن بيئته ، وأن مفرداته وصوره وليدة واقع عاشه أصحابه ، لا نصوصًا جرى اختلاقها في عصور لاحقة .

إن النقد العلمي للشعر الجاهلي ضرورة لا غنى عنها ، وقد مارسه العرب قبل غيرهم ، لكن هناك فرقًا جوهريًا بين نقد يروم التمييز بين الصحيح والمنحول ، وتشكيك ينتهي إلى هدم المرجعية بأكملها ، فالأول يبني المعرفة ويصححها ، أما الثاني فيُلغي أدوات القياس نفسها ، ومن هنا ، فإن الشعر الجاهلي لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد سجل أدبي ، بل باعتباره أحد أهم الشواهد اللغوية والحضارية التىّ حفظت ملامح العربية في عصر نزول القرآن ، ولذلك ، فإن إسقاطه جملة واحدة لا يعني خسارة ديوان العرب فحسب ، بل يعني أيضًا إضعاف أحد أهم المراجع التىّ يُفهم في ضوئها التحدي البلاغي الذي حمله القرآن إلى العرب ، وهو هدف ، سواء كان مقصودًا لدى بعض الباحثين أم انتهت إليه نتائجهم ، يبقى بحاجة إلى قراءة نقدية واعية لا تفصل الأدب عن سياقه الحضاري ، ولا اللغة عن رسالتها التاريخية… والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺& ...
- حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…
- هل أصبح ليندسي غراهام هدفًا🎯في الحرب الخفية؟ عندما ت ...
- تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية - ...
- بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في ...
- الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
- العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص ...
- احتلال الوعي 🤦‍♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل ...
- عقل مصر 🇪🇬🧠…حين تتحول الهندسة إلى مع ...
- العشق♥🌹… آخر منطقة لا تعترف بسلطة أحد …
- كيف الغباء🚬🤦‍♂…حين يصبح الوهم أكثر راح ...
- هندسة📐 الفوضى: المشروع الصهيوني والتحولات الجيوسياسي ...
- القدس…🕌حين تسقط الأقنعة ويبقى الفلسطيني وحيدًا …
- الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة ...
- إسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام🍼عن ا ...
- من “كش الشيطان ♟” إلى “إله الأشياء الصغيرة”: حين انتصر ...
- من إمبراطورية الكبتاغون🫰إلى المستطيل الأخضر ⚽: ...
- التشاؤل العربي… حين يصبح الضحك قناعًا للخوف😷…
- بين فلتات اللاوعي🧠وتحولات الجغرافيا السياسية…
- الحرية🗽: لماذا يستعبد الإنسان نفسه؟


المزيد.....




- ما سر أنبوب الغراء على مكتب ترامب؟.. تقرير لـCNN يكشف القصة ...
- وثقته كاميرا مصور.. لحظة جرف مياه فيضانات تكساس لأربعة غزلان ...
- المكتب الإعلامي لحكومة دبي ينفي صحة تقرير عن -دوي انفجارات- ...
- كيف تتعامل تطبيقات تتبّع الدورة الشهرية مع بياناتك الخاصة؟
- -طهران أولا-.. إيران ضغطت لمنع الزيدي من زيارة واشنطن
- رويترز تتحدث عن دوي انفجارات في وسط دبي وسلطات الإمارة تنفي ...
- تشريع إسرائيلي جديد يسمح بالفصل بين الرجال والنساء في التعلي ...
- الألماني سلوتردايك: لو كان ميرتس لاعب كرة قدم لجلس على مقاعد ...
- إقالة وزير الدفاع الأوكراني -المفاجئة- تثير قلق الاتحاد الأو ...
- فوضى في قاعدة عسكرية إسرائيلية بسبب الطعام


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُريد إسقاط المرجعية اللغوية للقرآن؟📕…