أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - آسيا… الأم التىّ علمتني أن أكتب - في الذكرى السنوية لرحيل والدتي آسيا …














المزيد.....

آسيا… الأم التىّ علمتني أن أكتب - في الذكرى السنوية لرحيل والدتي آسيا …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 15:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ أن الإنسان لا يولد كاتبًا ، بل تصنعه المواقف والأحداث الكبرى ، ويقوده إلى الكلمة أولئك الذين يغرسون فيه الشجاعة وقوة المواجهة والإيمان بالحياة ، وفي هذا السياق ، لا استطيع أن أخفي بأن والدتي كانت من منابع تكويني الإنساني ، كما كان للملكة دينا أثر بالغ في تشكيل خيالي ووعي بعد والدي ، ولعل هذه الحقيقة تتكرر في حياتي كثير من الأدباء ؛ فالأم لا تهب أبناءها الحياة فحسب ، بل تمنحهم أيضًا القدرة على قراءة العالم ، وتحويل الألم إلى معنى ، والذاكرة إلى أدب ، والتجربة إلى رسالة ، وفي كل عام ، حين يحل موعد رحيل والدتي آسيا ، أزداد يقينًا بأن الغياب لا يقاس بالسنوات ، وإنما بالأثر الذي يتركه الإنسان في نفوس من عرفوه ، فهناك من يغادر الدنيا ، لكنه يظل حاضرًا في الضمير ، وفي الكلمة ، وفي كل موقف يستدعي سيرته ، ومهما كتب الإنسان عن أمه ، فلن يستطيع أن يوفيها حقها ، فالعلاقة بين الأم وابنها تبدأ بالحبل السري ، لكنها لا تنتهي بانقطاعه ، بل تتحول إلى رابطة أبدية يعجز الإنسان ، مهما أوتي من بلاغة ، عن تفسير سرها .

ولأن حياتي لم تكن تشبه حياة كثيرين ، فقد نشأت في ظروف استثنائية فرضتها الثورة الفلسطينية ، وعاصرت منذ طفولتي شخصيات تركت بصمتها في التاريخ السياسي والإنساني ، وفي مقدمتها الملكة دينا عبد الحميد ، إلى جانب شخصيات سياسية وثقافية وفنية وعسكرية وإعلامية ، وقد سبق أن رويت جانبًا من حكايتي معها ، منذ لقائنا الأول مع ملكة السويد ، حين أصرت الأخيرة على اصطحابي للعيش معها في السويد ، كما استحضرت كثيرًا من المواقف التىّ جمعتها بوالدتي آسيا خلال سنوات الثورة والحروب ، كانت تلك البيئة مدرسة مبكرة منحتني وعيًا مختلفًا ، ورسخت في داخلي أن التاريخ لا تصنعه الشعارات ، بل تصنعه الإرادة والإنسان .

غير أن الشخصية الأكثر تأثيرًا في تكويني بقيت والدتي آسيا ، فعندما بدأت أخط أولى كلماتي ، وأبحث عن مكاني في عالم الكتابة ، لم أجد من يؤمن بموهبتي ويشد على يدي كما فعلت هي ، وقد تكون الوحيدة ، كانت ترى في القلم رسالة ، لا مهنة ، وفي الكلمة مسؤولية ، لا وسيلة للظهور ، لم تطلب مني يومًا أن أكتب ما يرضي الناس ، بل كانت تقول دائمًا: «اكتب كل ما تؤمن به، ولا تجعل أحدًا يصادر فكرك ، فالحرية تبدأ حين يتحرر الإنسان من الخوف ، والخذلان الحقيقي هو أن يصمت عن قول الحقيقة ، » ، كانت هذه الكلمات خلاصة تجربة امرأة عاشت زمن الثورة ، وعرفت معنى التضحية واستشهاد الأخت والأبناء ، وآمنت بأن الإنسان لا يُقاس بما يملك ، وإنما بما يتركه من أثر ، ولا أنسى شجاعتها في أصعب الظروف ، حين أصرت على مرافقة الملكة دينا ، تحت أزيز الرصاص ونار المقاتلات من السماء وقاذفات البوارج من البحر ، من أجل تأمين احتياجات المقاتلين على الخطوط الأمامية ، لم تكن ترى في الخطر سببًا للتراجع ، بل كانت تؤمن بأن القضية التىّ تستحق الحياة تستحق أيضًا أن يُغامر الإنسان من أجلها.

وكانت تردد دائمًا:«العالم لن يقاتل عنك ، والزمن لا ينتظر أحدًا ، فاصنع مكانك بنفسك ، وسجّل اسمك في دفاتر الخالدين، » لا تكن كما الآخرين ، لم تكن هذه العبارة شعارًا ، بل كانت منهج حياة التزمت به حتى آخر أيامها .

وبعد رحيل والدي ، وجدت في والدتي آسيا ، كما وجدت في الملكة دينا، نموذجين تركا في نفسي أعمق الأثر ، فقد أمضيت سنوات طويلة في بيت الملكة دينا ، وهناك تعلمت ، كما تعلمت من والدتي ، أن الانضباط فضيلة ، وأن الصبر طريق الإنجاز ، وأن الإنسان الذي لا يحمل هدفًا أكبر من ذاته ، تضيع منه الحياة قبل أن يدرك قيمتها ، وحين أنظر اليوم إلى مسيرتي في الكتابة ، أجد أن أول من آمن بقلمي كانت آسيا ، وأول من منحني الثقة بأن للكلمة قدرة على صناعة الوعي كانت آسيا ، وأول من علمني أن الكاتب لا يساوم على الحقيقة كانت آسيا ، وربما لهذا السبب لم تكن الكتابة بالنسبة إليّ مهنة ، بل عهدًا قطعته على نفسي وفاءً لوصيتها ، واستمرارًا لحوار لم ينقطع برحيلها ، وفي الوقت نفسه ، لا يمكنني أن أتحدث عن تلك المرحلة من حياتي دون أن أذكر الملكة دينا ، التىّ احتضنتني سنوات طويلة ، ومنحتني من رعايتها واهتمامها بشكل استثنائي وبامتياز عن الاطفال الآخرين ما عزز في داخلي قيم الالتزام والحضور والثقافة والانفتاح على العالم ، لقد التقت آسيا والملكة دينا عند قيمة واحدة ؛ الإيمان بالإنسان ، وبحقه في الحرية والكرامة ، وبأن الكلمة الصادقة تبقى أقوى من الزمن .

في ذكراكِ السنوية ، يا أمي، لا أرثيكِ ، لأن أمثالك لا يُرثون ، بل تُروى سيرتهم لتبقى ضوءاً للأجيال ، أكتب لأن الكتابة كانت وصيتك ، ولأن كل حرف أخطّه يحمل شيئًا منك ، وما دام في القلب نبض ، وفي اليد قلم أو بالأحرى " كيبورد " ، ستبقين حاضرة في كل كلمة ، وفي كل موقف ، وفي كل محاولة للدفاع عن الحقيقة .

رحمكِ الله يا آسيا ، وحفظ في الذاكرة الجميلة سيرة الملكة دينا ، فقد كنتما ، كلٌّ بطريقته ، مدرستين في الشجاعة والكرامة والالتزام والإيمان بالإنسان والقضية ، وفي هذا الزمن الرمادي ، لا يفارقني سؤال : لو كانتا آسيا والملكة دينا بيننا اليوم ، ماذا كان سيكون موقفهما أمام الجوع الذي يحاصر الفلسطينيين في غزة؟ لهذا أؤمن أن الأمومة ليست مجرد ولادة ، بل روحٌ تحتضن الوجع ، وتقاوم الظلم ، وتنتصر للإنسان ، وذلك ما جسّدته الملكة دينا واسيا في حياتهما .

لقد رحلتِا عن الدنيا ، لكنهما بقيتِما في الذاكرة ، وفي الضمير ، وفي وجداني ، وسيظل اسما آسيا والملكة دينا شاهدين على مرحلة صنعت وعيي ، ورسخت في داخلي الإيمان بأن الكلمة الحرة لا تموت ، وأن الإنسان يبقى حيًا ما بقي أثره في حياة الآخرين … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفيفا… إمبراطورية فوق القانون-حين تتحول كرة القدم ⚽ إ ...
- العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …
- إسرائيل🇮🇱وتركيا 🇹🇷: من الشرا ...
- الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُري ...
- سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺& ...
- حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…
- هل أصبح ليندسي غراهام هدفًا🎯في الحرب الخفية؟ عندما ت ...
- تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية - ...
- بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في ...
- الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
- العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص ...
- احتلال الوعي 🤦‍♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل ...
- عقل مصر 🇪🇬🧠…حين تتحول الهندسة إلى مع ...
- العشق♥🌹… آخر منطقة لا تعترف بسلطة أحد …
- كيف الغباء🚬🤦‍♂…حين يصبح الوهم أكثر راح ...
- هندسة📐 الفوضى: المشروع الصهيوني والتحولات الجيوسياسي ...
- القدس…🕌حين تسقط الأقنعة ويبقى الفلسطيني وحيدًا …
- الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة ...
- إسرائيل بين أسبرطة والتاريخ: هل يبدأ زمن الفطام🍼عن ا ...
- من “كش الشيطان ♟” إلى “إله الأشياء الصغيرة”: حين انتصر ...


المزيد.....




- مصدر لـCNN: إسرائيل تعتقد أن إيران نقلت يورانيوم عالي التخصي ...
- الجيش اللبناني: القوات الإسرائيلية أطلقت النار على مقربة من ...
- تصعيد متواصل بين واشنطن وطهران.. والجيش اللبناني يبدأ الانتش ...
- امتداد حريق غابات في جنوب شرق فرنسا ورجال الإطفاء يكافحون ال ...
- -لم ألتقِ مجتبى خامنئي-.. عراقجي يكشف كواليس إدارة الحرب وال ...
- وقف النار في القطاع كذبة تكتب بدماء الغزيين.. 12 قتيلا منذ ف ...
- بريطانيا: آندي بيرنهام يكشف تشكيلته الحكومية ويستبعد الوزراء ...
- القواعد الأمريكية تتعرض لهجمات إيرانية: -الأردن أصبح هدفا مف ...
- مقابر الإلكترونيات الذكية.. الكارثة المنسية خلف الترقية السن ...
- بين المأساة الشخصية والمناورة السياسية.. كيف يصوغ خليل الحية ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - آسيا… الأم التىّ علمتني أن أكتب - في الذكرى السنوية لرحيل والدتي آسيا …