أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - من ابن الجوزي إلى تشيبولا 🇮🇹…سيرة الغباء التىّ لم تُكتب …














المزيد.....

من ابن الجوزي إلى تشيبولا 🇮🇹…سيرة الغباء التىّ لم تُكتب …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 16:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ هناك أشياء يضحك منها الإنسان لأنها تبدو صغيرة ، ثم يكتشف بعد زمن أنها كانت أكبر من أن تُستهان ، فالشر شغل الفلاسفة ، والاستبداد ملأ كتب المؤرخين ، والفساد أصبح موضوعًا للدراسة والتحليل ، أما الغباء فظل طويلًا مقيمًا في منطقة النكات والطرائف ، وكأن ما لا تحكمه نية سيئة لا يمكن أن يكون مصدرًا للخطر ، لكن التاريخ يروي لنا أن كثيرًا من المآسي لم تكن دائمًا نتيجة عقول شريرة ، بل في كثير من أحيانًا نتيجة عقول عجزت عن رؤية ما تصنعه ، فالإنسان قد يواجه خصمًا يعرفه ، لكنه يعجز أمام خصم لا يدرك أصلًا أنه خصم ، ولعل جوزيه ساراماغو، في روايته «العمى» ، كان من أكثر من اقتربوا من هذه الفكرة بلغة الأدب ، فالعمى في الرواية لم يكن مجرد فقدان للبصر ، بل فقدانًا للبصيرة ؛ لحظة يصبح فيها الإنسان عاجزًا عن رؤية الحقيقة حتى لو كانت أمامه ، وعندما تغيب القدرة على التمييز ، لا يحتاج الخراب دائمًا إلى قوة خارجية ، إذ يكفي أن يفقد المجتمع بوصلته حتى يبدأ التفكك من داخله .

قبل ساراماغو بقرون ، كان ابن الجوزي قد اقترب من الظاهرة نفسها ، ولكن من باب مختلف ، ففي كتابه الشهير «الحمقى والمغفلين» ، لم يقدم الغباء بوصفه خطرًا اجتماعيًا ، بل بوصفه مفارقة إنسانية تستحق التأمل والابتسام ، جمع الحكايات التىّ تكشف تناقضات البشر ، ورأى أن قراءة أخبار الحمقى تمنح الإنسان شيئًا من الحكمة ، لأنها تكشف له كيف يمكن للعقل أن يضل طريقه ، وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات الإنسانية إثارة : لماذا نضحك من الغباء؟ ، ربما لأن الضحك هو الطريقة التىّ يحاول بها الإنسان أن يضع مسافة بينه وبين ما لا يستطيع فهمه ، نحن نضحك من الخطأ حين يكون بعيدًا ، ومن العبث حين لا يمس حياتنا مباشرة ، وكأن الضحكة محاولة لتحويل الفوضى إلى حكاية ، والخطر إلى مشهد يمكن احتماله ، لكن العالم تغير ، فالغباء الذي كان في الماضي شأنًا فرديًا محدود الأثر ، أصبح في زمن المؤسسات والدول الحديثة قادرًا على تجاوز صاحبه ، فالقرار الواحد قد لا يبقى داخل حدود صاحبه ، بل قد يمتد أثره إلى جماعة أو مؤسسة أو مجتمع بأكمله .

وهنا يأتي كارلو تشيبولا ليقدم التحول الأكبر في فهم هذه الظاهرة ، فهو لم ينظر إلى الغباء بوصفه نقصًا في المعرفة ، بل بوصفه سلوكًا له نتائج مدمرة ، وكانت فكرته الأكثر إثارة للقلق أن أخطر إنسان ليس بالضرورة هو الشرير ، بل هو ذلك الشخص الذي يسبب الضرر لنفسه وللآخرين في الوقت نفسه ، دون أن يحقق أي منفعة ، فاللص يمكن فهمه لأنه يبحث عن مكسب ، والمستبد يمكن تفسيره لأنه يسعى إلى السلطة ، والفاسد تحركه مصلحة واضحة ، أما الغبي ، فهو أكثر إرباكًا ؛ لأنه لا يعمل وفق منطق يمكن توقعه ، ولا وفق هدف يمكن احتواؤه ، إنه يهدم دون أن يبني ، ويخسر دون أن يتعلم ، ويورط الآخرين دون أن يدرك حجم ما فعل ، ولهذا تبدو ملاحظة تشيبولا قاسية ومقلقة : الغباء لا يرتبط بالطبقة أو الشهادة أو المنصب ، فقد يكون الإنسان متعلم لكنه ضعيف البصيرة ، وقد يحمل ألقابًا كبيرة لكنه يتخذ قرارات صغيرة في نتائجها وكبيرة في خسائرها ، فالتعلم يمنح الإنسان المناصب ، لكنه لا يضمن دائمًا حسن استخدامها .

وهنا يلتقي ابن الجوزي مع تشيبولا رغم اختلاف القرون ، الأول رأى الغباء من الخارج ، فضحك من مفارقاته ، والثاني نظر إليه من الداخل ، فرأى ما يمكن أن يتركه من آثار ، وبين النظرتين رحلة طويلة تغيرت فيها صورة الغباء : من قصة تُروى للتسلية ، إلى ظاهرة تستحق الحذر ، وربما لهذا السبب تأتي تلك الضحكة التىّ يشعر بها الإنسان بعد النجاة من حالة طويلة من الاستنزاف ، ليست ضحكة شماتة ، ولا استخفافًا بما حدث ، بل لحظة نفسية معقدة يشعر فيها الإنسان بأنه خرج من محيط الغباء وعبء لم يكن قادرًا على تفسيره ، فهناك أشياء لا تنتهي بالغضب ، بل تنتهي بضحكة ؛ لأن العقل ، بعد أن يستعيد حريته ، يحاول أن يستوعب كيف مرّ بكل ذلك .

في النهاية، لم تكن سيرة الغباء التىّ كتبها ابن الجوزي مجرد أخبار عن الحمقى ، ولم تكن دراسة تشيبولا مجرد تصنيف للبشر ، بل كان كلاهما يقترب من سؤال واحد : كيف يتعامل الإنسان مع عجزه عن رؤية الحقيقة؟ ، فالغبي لا يُرجى منه تغييرٌ ولا يُنتظر منه كثير ، فقد قيل كما نُسب إلى ابن الجوزي: «صدّق إذا قيل لك إن غنيًّا افتقر ، وصدّق إذا قيل لك إن حيًّا مات ، ولا تصدّق إذا قيل لك إن أحمقَ اكتسب عقلًا ؛ فإن تغيّر الحال أهون من تغيّر الطبع» .

وربما كان أكبر خطأ ارتكبناه أننا ضحكنا من الغباء طويلًا ، قبل أن ندرك أن بعض ما يثير الضحك قد يكون قادرًا على صناعة أكثر اللحظات جدية في حياة البشر … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين القانون والحرب📕: عندما تتغير قواعد الاشتباك وتُع ...
- التعليم لا يبدأ من المدرسة🏫… كيف تصنع العائلة الفارق ...
- بين فساد الداخل وتحولات النظام الدولي: العراق 🇮 ...
- آسيا… الأم التىّ علمتني أن أكتب - في الذكرى السنوية لرحيل وا ...
- الفيفا… إمبراطورية فوق القانون-حين تتحول كرة القدم ⚽ إ ...
- العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …
- إسرائيل🇮🇱وتركيا 🇹🇷: من الشرا ...
- الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُري ...
- سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺& ...
- حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…
- هل أصبح ليندسي غراهام هدفًا🎯في الحرب الخفية؟ عندما ت ...
- تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية - ...
- بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في ...
- الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
- العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص ...
- احتلال الوعي 🤦‍♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل ...
- عقل مصر 🇪🇬🧠…حين تتحول الهندسة إلى مع ...
- العشق♥🌹… آخر منطقة لا تعترف بسلطة أحد …
- كيف الغباء🚬🤦‍♂…حين يصبح الوهم أكثر راح ...
- هندسة📐 الفوضى: المشروع الصهيوني والتحولات الجيوسياسي ...


المزيد.....




- هل تصبح نيويورك الجديدة؟ هكذا يغيّر سباق الأبراج الشاهقة أفق ...
- مطلق نار بمدرسة ينهار باكيا أثناء تحقيق صوتي مسجل.. ويصف ترد ...
- الحوثيون يضغطون على البحر الأحمر.. وأسواق النفط تواجه أخطر ت ...
- طائرات حربية بحرينية وكويتية شنت غارات على إيران في رد خليجي ...
- موجة حر قياسية في إسبانيا.. حرائق تلتهم الغابات وتهدد العاصم ...
- بالفيديو.. الدفاع المدني اللبناني ينتشل جثثا من زوطر الغربية ...
- حل مبتكر لتطوير شوكولاتة مقاومة للحرارة
- متعب لكن عقلك مستيقظ عند النوم؟.. حيل مثبتة لتهدئة الدماغ
- طبيبة تحذر من شكل خطير للنوبة القلبية
- فيرشينين: نؤيد تسوية النزاع الأوكراني دبلوماسيا بمعالجة أسبا ...


المزيد.....

- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - من ابن الجوزي إلى تشيبولا 🇮🇹…سيرة الغباء التىّ لم تُكتب …