أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - التعليم لا يبدأ من المدرسة🏫… كيف تصنع العائلة الفارق قبل دخول الطفل إلى الصف؟ …














المزيد.....

التعليم لا يبدأ من المدرسة🏫… كيف تصنع العائلة الفارق قبل دخول الطفل إلى الصف؟ …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 15:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ من أكثر الأوهام انتشارًا أن الأطفال يدخلون المدرسة جميعًا من نقطة بداية واحدة ، وأن ما يحدد مستقبلهم لاحقًا هو مقدار ذكائهم أو اجتهادهم فقط ، غير أن الواقع أكثر تعقيدًا ؛ فالطفل لا يصل إلى بوابة المدرسة مجردًا من تاريخه ، بل يحمل معه عالمًا كاملًا صنعته الأسرة والبيئة الاجتماعية التىّ نشأ فيها ، فهناك أطفال يدخلون الصف الأول وهم يمتلكون رصيدًا لغويًا وثقافيًا واجتماعيًا تراكم خلال سنواتهم الأولى ، بينما يبدأ آخرون رحلة التعلم وهم لا يزالون يحاولون اكتساب الأدوات التىّ حصل عليها غيرهم قبل دخول المدرسة ، وقد أدرك الأدب هذه الحقيقة قبل أن تصبح موضوعًا لعلم الاجتماع ، ففي رواية «جرمينال» لإميل زولا ، لم يكن الصراع بين عمال المناجم وأرباب العمل مجرد خلاف حول الأجور وظروف العمل ، بل كان صراعًا بين عالمين مختلفين في طريقة العيش والتكوين ، كان أبناء العمال يرثون المهنة والظروف نفسها التىّ عاشها آباؤهم ، بينما كان أبناء أصحاب المناجم يرثون الثروة والتعليم والعلاقات والقدرة على إدارة العالم من حولهم ، لم يكن الفارق بين الطرفين أن أحدهما يمتلك عقلًا أفضل من الآخر ، بل أن أحدهما ولد داخل بيئة تمنحه أدوات أكثر منذ البداية ، فابن العامل كان يدخل الحياة وهو يعرف حدود المكان الذي ينتمي إليه ، بينما كان ابن الطبقة الميسورة يدخلها وهو يحمل شعورًا بأن العالم مفتوح أمامه ، وبين الحالتين لم يكن المال وحده هو الفاصل ، بل الثقافة التىّ ترافق المال .

وهنا يظهر مفهوم الرأسمال الثقافي ؛ أي ذلك المخزون غير المرئي الذي يكتسبه الإنسان من أسرته قبل أن يحصل على أي شهادة ، فالعائلة لا تورث أبناءها الممتلكات فقط ، وإنما تورثهم اللغة ، وطريقة التعبير ، والقدرة على الحوار ، والذائقة الفنية ، وعادات القراءة ، والثقة في التعامل مع الآخرين ، وفهم القواعد غير المكتوبة للمجتمع ، وهذا يظهر تحديدًا في المجال الأدبي ، وحسن التصرف ، ورقيّ التعبير ، والتميّز الأسلوبي؛ فهذه القيم تُغرس في العائلة أولًا ، ثم تتسع وتنمو وتتطور داخل المؤسسات التعليمية المرموقة ، ولهذا فإن الطفل القادم من أسرة ميسورة لا يدخل المدرسة فقط وهو يعرف الحروف والأرقام ، بل يدخلها وهو يمتلك خبرة اجتماعية أوسع ، ربما تعود على الاستماع إلى النقاشات ، واعتاد وجود الكتب في المنزل ، وتعلم لغة ثانية ، وزار أماكن ثقافية ، وتدرب على التعبير عن رأيه ، هذه الأمور تبدو صغيرة ومنفصلة ، لكنها مع مرور الوقت تتحول إلى ميزة كبيرة في طريقة التعلم والتواصل والحضور .

وعندما يلتحق هذا الطفل بالمدارس والجامعات ذات المستوى المرتفع ، فإنه لا يحصل على التعليم وحده ، بل يدخل إلى بيئة متكاملة تزيد من تراكمه السابق ، فهو يلتقي بأشخاص يحملون تجارب مشابهة ، ويتعلم أنماطًا جديدة من التفكير ، ويبني علاقات قد تساعده مستقبلًا في العمل والحياة العامة ، فإن المؤسسة التعليمية هنا لا تضيف المعرفة فقط ، بل تعزز شبكة كاملة من المهارات الاجتماعية والثقافية ، في المقابل ، فإن الطفل القادم من بيئة أقل حظًا لا يعني أنه أقل ذكاءً أو قدرة ، لكنه غالبًا يبدأ من مسافة أبعد ، فقد لا يجد في المنزل البيئة نفسها التىّ تشجعه على القراءة ، أو الحوار ، أو تعلم اللغات ، أو اكتشاف الفنون ، وعندما يدخل مدرسة ذات إمكانات محدودة ، يصبح مطالبًا بأن يكتسب المعرفة وفي الوقت نفسه يعوض غياب البيئة التىّ سبقت المدرسة.

ومن هنا تظهر المفارقة ؛ فالمدرسة التىّ يفترض أن تكون وسيلة لتقليل الفوارق قد تتحول أحيانًا إلى مؤسسة تكشف الفوارق الموجودة أصلًا ، فالطالب الذي جاء من بيئة غنية ثقافيًا يستفيد من المدرسة بطريقة مختلفة عن الطالب الذي يعتمد عليها وحدها للحصول على المعرفة ، أولاً يعني ذلك أن النجاح محصور في طبقة معينة ، فالتاريخ مليء بأشخاص خرجوا من ظروف صعبة واستطاعوا تحقيق إنجازات كبيرة ، لكن وجود هذه النماذج لا يلغي حقيقة أن نقطة البداية ليست متساوية ، فالاستثناء لا يجب أن يستخدم لإنكار القاعدة ، كما أن القاعدة لا يجب أن تتحول إلى حكم نهائي على مستقبل الإنسان .

إن المشكلة الأساسية ليست في أن بعض العائلات تستطيع توفير فرص أفضل لأبنائها ، فهذا أمر طبيعي في المجتمعات ، وإنما في أن تصبح الفوارق التعليمية والثقافية عميقة إلى درجة تجعل النجاح مرتبطًا بالميلاد أكثر من ارتباطه بالقدرة والعمل ، ولهذا فإن قضية التعليم ليست قضية مناهج وامتحانات فقط ، بل قضية مجتمع كامل ، فحين نتحدث عن إصلاح التعليم ، يجب أن نسأل : كيف نمنح جميع الأطفال فرصة امتلاك الرصيد الثقافي الذي يحصل عليه البعض داخل أسرهم؟ كيف نجعل المدرسة مكانًا يعوض الفوارق بدل أن يعكسها؟ فالمعرفة ليست مجرد معلومات تحفظ ، بل هي طريقة في رؤية العالم ، واللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل ، بل أداة لصناعة الحضور والتأثير ، والثقافة ليست ترفًا ، بل قوة اجتماعية تحدد قدرة الإنسان على المشاركة وصناعة مستقبله .

لقد تغير الزمن منذ مناجم زولا ، لكن السؤال ما زال قائمًا : هل يولد الإنسان بفرص متساوية ، أم أن المجتمع يمنح بعض أبنائه مفاتيح النجاح قبل أن يبدأ السباق؟ ، فاكتساب المهارات ليس دائمًا معقدًا ؛ فبعضها يعتمد على التكرار ، كما يحدث مع القطة التىّ تحاول فتح صندوق طعامها ، فتفعل ذلك عشوائيًا في البداية ، ثم تكتشف الطريقة وتكررها بسهولة ، لكن الفرق أن التعلم التكراري يقوم على التكرار والتجربة مثل الحركات الرياضية ، بينما التعلم المعرفي يقوم على الفهم وإدراك الحل قبل تنفيذه .

إن العدالة الحقيقية لا تعني أن يحصل الجميع على النتائج نفسها ، بل أن يحصل الجميع على فرصة حقيقية للانطلاق ، فالمستقبل لا ينبغي أن يكون امتدادًا لمكان ولادة الإنسان ، بل نتيجة لما يستطيع أن يتعلمه ويبدعه … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين فساد الداخل وتحولات النظام الدولي: العراق 🇮 ...
- آسيا… الأم التىّ علمتني أن أكتب - في الذكرى السنوية لرحيل وا ...
- الفيفا… إمبراطورية فوق القانون-حين تتحول كرة القدم ⚽ إ ...
- العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …
- إسرائيل🇮🇱وتركيا 🇹🇷: من الشرا ...
- الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُري ...
- سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺& ...
- حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…
- هل أصبح ليندسي غراهام هدفًا🎯في الحرب الخفية؟ عندما ت ...
- تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية - ...
- بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في ...
- الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
- العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص ...
- احتلال الوعي 🤦‍♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل ...
- عقل مصر 🇪🇬🧠…حين تتحول الهندسة إلى مع ...
- العشق♥🌹… آخر منطقة لا تعترف بسلطة أحد …
- كيف الغباء🚬🤦‍♂…حين يصبح الوهم أكثر راح ...
- هندسة📐 الفوضى: المشروع الصهيوني والتحولات الجيوسياسي ...
- القدس…🕌حين تسقط الأقنعة ويبقى الفلسطيني وحيدًا …
- الأقنعة الاجتماعية🎭 …من ذهب توت عنخ آمون إلى السلطة ...


المزيد.....




- بيانات تؤكد إبحار ناقلتين تحملان نفطا سعوديا بعد عبورهما مضي ...
- أول تعليق رسمي من العراق عن وساطته في الصراع بين أمريكا وإير ...
- موجة حر استثنائية تضرب تونس
- إعلان الطوارئ الوطنية في إسبانيا مع تصاعد حدة حرائق الغابات ...
- أبو عبيدة يوجه نداء لفلسطينيي الضفة
- حالة طوارئ بسبب حرائق قرب مدريد تجبر أكثر من 10000 على النزو ...
- ترامب يعلن -حرباً- تجارية جديدة على 60 دولة ويصدم الحلفاء بم ...
- تعديل وزاري في ألمانيا.. هل يعيد ميرتس الزخم لحكومته؟
- لافروف وعراقجي يبحثان الوضع في الخليج وتسوية النزاع الإيراني ...
- الدفاع الروسية تعلن تحرير بلدتين في خاركوف وتكشف حصاد ضرباته ...


المزيد.....

- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - التعليم لا يبدأ من المدرسة🏫… كيف تصنع العائلة الفارق قبل دخول الطفل إلى الصف؟ …