أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - اعترافات الغزالي… عندما أنقذ الاكتئاب العقل من الشهرة …














المزيد.....

اعترافات الغزالي… عندما أنقذ الاكتئاب العقل من الشهرة …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 16:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليست الاعترافات ضعفًا كما يتصور الناس ، بل هي أعلى درجات القوة ، فالإنسان لا يصبح شجاعًا عندما ينتصر على خصومه ، وإنما عندما يمتلك الجرأة لينظر إلى نفسه دون أقنعة ، ولهذا لم يكن غريبًا أن تظل كتب الاعترافات ، منذ القديس أوغسطين وحتى جان جاك روسو ، من أكثر الكتب تأثيرًا في التاريخ ؛ لأنها لا تروي حياة أصحابها بقدر ما تكشف المعركة التىّ يخوضها العقل ضد نفسه ، وقبل أن يعرف الغرب هذا اللون من الأدب بقرون ، كان أبو حامد الغزالي قد كتب اعترافاته الخاصة ، ولكن بلغة الفيلسوف ، لا بلغة الروائي ، فجاء كتاب «المنقذ من الضلال» شهادةً على أن أخطر الأسئلة ليست تلك التىّ يوجهها الإنسان إلى العالم ، وإنما تلك التيكىّ يوجهها إلى ذاته.

كان الغزالي قد بلغ ما يحلم به أي عالم ، فقد أصبح المرجع الأول في عصره ، وتزاحم عليه طلاب العلم ، وفتحت له أبواب المكانة والسلطة والجاه ، ولو قيس النجاح بمقاييس الناس ، لما بقي أمامه شيء يطمح إليه ، غير أن النجاح الخارجي كثيرًا ما يخفي هزيمة داخلية لا يراها أحد ، وفي لحظة هدوء ، سأل الغزالي نفسه سؤالًا بدا بسيطًا ، لكنه كان كفيلًا بإسقاط العالم الذي بناه حوله : لماذا أعلّم الناس؟ هل أفعل ذلك طلبًا للحقيقة ، أم لأن الشهرة أصبحت جزءًا من هويتي؟ وهل ما زال العلم يقودني ، أم أصبحت أقود العلم إلى حيث يقودني الطموح؟ ، لم يكن السؤال عابرًا ، بل كان بداية انهيار كامل للصورة التىّ رسمها عن نفسه ، دخل في صمت طويل ، وترك بغداد ، وتخلى عن مناصبه ، واختار أن يهاجر باحثًا عن جواب ، لا عن مكان .

كثيرون لم يفهموا ما حدث . فقد ظنوا أن الغزالي بلغ مرتبة من الزهد جعلته يعتزل الناس ، بينما كانت الحقيقة أكثر تعقيدًا ، لقد كان يعيش أزمة ضمير ، أو ما يمكن تسميته اليوم بأزمة الوعي ؛ ذلك الصراع الذي ينشأ عندما تتباعد القناعة الداخلية عن الصورة التىّ يفرضها المجتمع على الإنسان ، ولعل هذا ما جعل عباس محمود العقاد يصف محنة الغزالي بأنها محنة “العمل الصالح” ، فالمشكلة لم تكن في العلم ، ولا في الدين ، ولا في الشهرة ، وإنما في السؤال الذي يطارد كل صاحب رسالة : هل ما أفعله ما زال خالصًا ، أم أن النفس استطاعت أن تتسلل إليه في غفلة مني؟

لم يكن الغزالي يهرب من الناس ، بل كان يحاول أن ينقذ نفسه منهم ، أو بالأحرى من ذلك الجزء الذي يولده الناس داخل الإنسان ، فالإنسان عندما يخلو بنفسه يكون أكثر قدرة على التفكير الحر ، أما حين يذوب في الجماعة ، فإن جزءًا من استقلاله العقلي يبدأ بالتآكل ، ولو كان من أعلم الناس ، وهذه ليست خصوصية تخص العلماء وحدهم ، بل هي قانون اجتماعي يكاد يطال الجميع ، فالحشود لا تنتج عقلًا جمعيًا بقدر ما تنتج انفعالًا جمعيًا ، وما إن يندمج الفرد في الجماعة حتى تصبح أحكامه أكثر عاطفية ، وأقل استقلالًا ، فيتصرف أحيانًا بطريقة لم يكن ليفعلها لو كان وحده ، لهذا لا يصعب فهم ما نراه في الملاعب ، أو في ساحات السياسة ، أو على منصات التواصل الاجتماعي ، حيث تتراجع المعرفة أمام العصبية ، ويختفي التفكير النقدي تحت ضغط الانتماء ، الطبيب ، والأستاذ ، والمهندس ، والمثقف ، قد يتحولون جميعًا إلى أفراد تحكمهم اللحظة ، لا العقل ، عندما تبتلعهم الجماعة .

كان الغزالي يشعر بأن الشهرة نفسها أصبحت حشدًا دائمًا يحيط به ، لم تعد الناس تستمع إلى أفكاره فقط ، بل أصبحت تصنع له صورة ، وكلما ازدادت تلك الصورة بريقًا ، ازداد خوفه من أن يفقد الإنسان الذي يقف خلفها ، لهذا لم يكن اكتئابه نقمة ، بل كان إنذارًا مبكرًا ، فالوعي ، عندما يبلغ درجة عالية من الحساسية ، يرفض أن يتعايش طويلًا مع التناقض ، ومن هنا تتحول المعاناة إلى آلية دفاع ، تدفع الإنسان إلى مراجعة ذاته قبل أن تتآكل أخلاقه وهو يظن أنه يحقق المزيد من النجاح .

ربما لهذا السبب بقيت تجربة الغزالي حية بعد نحو ألف عام ، فالرجل لم يخلد لأنه كتب في الفقه أو الفلسفة فحسب ، بل لأنه امتلك الشجاعة ليعترف بأن العالم الذي كان يبهر الناس به ، لم يعد يقنع صاحبه .

إن الحضارات لا تتقدم بكثرة المنتصرين ، وإنما بكثرة الذين يملكون شجاعة الاعتراف ، فالاعتراف ليس نهاية اليقين ، بل بدايته ، وليس سقوطًا في الضعف ، بل صعودًا نحو الحقيقة ، وكل عقل لا يحاكم نفسه ، سيجد يومًا من يحاكمه التاريخ … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحمد الياباني 🇯🇵 🇵🇸 … حين يع ...
- من ابن الجوزي إلى تشيبولا 🇮🇹…سيرة الغباء الت ...
- بين القانون والحرب📕: عندما تتغير قواعد الاشتباك وتُع ...
- التعليم لا يبدأ من المدرسة🏫… كيف تصنع العائلة الفارق ...
- بين فساد الداخل وتحولات النظام الدولي: العراق 🇮 ...
- آسيا… الأم التىّ علمتني أن أكتب - في الذكرى السنوية لرحيل وا ...
- الفيفا… إمبراطورية فوق القانون-حين تتحول كرة القدم ⚽ إ ...
- العائلة… النموذج الأول☝للعقد الاجتماعي …
- إسرائيل🇮🇱وتركيا 🇹🇷: من الشرا ...
- الشعر الجاهلي بين النقد العلمي والتشكيك الأيديولوجي: هل أُري ...
- سياسات الرواية الاستخبارية وتآكل المصداقية الدولية🇺& ...
- حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…
- هل أصبح ليندسي غراهام هدفًا🎯في الحرب الخفية؟ عندما ت ...
- تاتيانا الكولومبية 🇨🇴 لم تُولد امرأةً قوية - ...
- بين الحرب والبحث العلمي: إيران 🇮🇷وإسرائيل في ...
- الطفولة الحضارية😤…لماذا يتأخر نضج العقل العربي؟..
- العالم🌍في زمن إعادة تشكيل القوة…من سباق السلاح إلى ص ...
- احتلال الوعي 🤦‍♂ الإنسان بين سلطة السوق واستقل ...
- عقل مصر 🇪🇬🧠…حين تتحول الهندسة إلى مع ...
- العشق♥🌹… آخر منطقة لا تعترف بسلطة أحد …


المزيد.....




- تحليل: منها تصعيد ترامب وخفض سقف توقعاته.. 6 أسئلة حاسمة تحد ...
- لم تُعرض من قبل.. لقطات تكشف كواليس محاولات ليندسي غراهام لل ...
- طائرة نتنياهو تقلع لواشنطن من قاعدة بالنقب عقب اعتراض مسيرتي ...
- الجيش الأردني يعلن اعتراض وإسقاط مسيرتين
- الدفاع الروسية: تحرير بلدتين في دونيتسك ودنيبروبيتروفسك (فيد ...
- ترامب ووعود تحسين القدرة على تحمل التكاليف
- الذكاء الاصطناعي يخدع المستخدمين.. 42% من الروس وقعوا في فخ ...
- إسرائيل ستسمح بدخول قوة أمنية دولية إلى غزة
- بعد 13 يوما من القصف.. لماذا أوقف ترمب ضرباته ضد إيران؟
- رئيس التشيك يخطف الأنظار مصوِّرا في سباق الفورمولا 1


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - اعترافات الغزالي… عندما أنقذ الاكتئاب العقل من الشهرة …