أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)















المزيد.....

قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 02:43
المحور: الادب والفن
    


لم يدع الشابُ سالم الكسلَ يداهمه في هذا المساءِ بمثل المراتِ كلِّها, يحاول إسكات إحساسه باللاجدوى, يسيرُ واثقاً من دون أن يطأ جمرَ الخذلانِ في تلك القريةِ التي نمت على وادٍ تجري فيه المياهُ الموسمية, وطريقٌ ترابيٌ يخترقها فيقسمها إلى جزئين, يمتد بلا نهايةٍ من خلال تصوراته التي رسخت في طفولته, وكأنه يعكس مشوارَ حياته الذي لا يزال يبحث فيه عن ملاذٍ آمنٍ كحرزٍ يحتويه أو قبول, أو يتعلق بأمنياتٍ ما, وربما هو ذلك الحلمُ المتكررُ الذي يراوده, فلم يفارقه منذ أن فقد والدته وهو في الرابعةِ من عمره, ففقدانها ترك في قلبه جرحاً لا يلتئم, مما جعله يشعر دائما بالحاجةِ إلى الحنان, إلى رائحةِ عطرٍ تعيده إلى ذلك الحضن, أو إلى شخصٍ يثني عليه, حتى بعد أن بلغ سن الشباب, كان أريجُ تلك الروائحِ المميزةِ ينعشُ الهواء, إذ كان الجو يميلُ إلى البرودة, مشبعا برائحةِ الأرضِ الرطبة, وكأنه انعكاسٌ لطبيعتها المتغيرة من دون سابقةِ إنذار, ويبدو الضوءُ الخافتُ للقمرِ التائهِ كأنه في ليلةِ محاق, إلا أنه يقاوم الظلامَ وهو الذي يتسلل عبر بعض الجدرانِ القديمةِ لتعكس تأريخها المتآكل, وتذكره بأمانيه التي كانت تتلاعب بها الحياة, وبما كان يخشاه في مستقبلِ الأيام, إلا هذا البيتُ, بيتُ كبيرُ القريةِ إذ تظهر عليه الأبهةُ من خلالِ مواد وطريقة بناءه والترف الذي افتقده من صباه, فهو المكانُ الذي سيمكث فيه الشيخ خزعل في فترةِ الانتظارِ القصيرة, ففي هذا الوقتِ من الليلِ تخرج القريةُ من روتينها الصباحي المعتاد, ليصبح الشبابُ أكثر حرية في ممارسةِ بعض الهوايات.
لم تكن مشاعرُ الشاب سالم المضطربة وليدة اللحظة, بل هي غرسةٌ نَمَت مع الأيام, كلما نظرَ إلى جدران بيت أسرته المتآكلة أو قارن ثيابه الرثة بثياب أقرانه من الشباب الذين يسيرون بجواره شَعَرَ بالوجع, فهؤلاء الشبابُ كانوا يتباهون بما يملكون, فيتراقصُ على جمرِ الحقيقةِ بنشوةِ الخروجِ من أضرحةِ الروح, متشبثا بخيطِ البقاء, فيخرجُ من بين ركامِ آلامهِ مزحةٌ تغطي أوجاعَ الواقعِ وتُضحك الحضور, ليس من السهلِ عليه حينما تؤرقه أحواله الشخصية, لذا ففي هذه اللحظاتِ لم يكن ليشعر بالحنينِ إلى طفولته, ففيها يقطنُ ألمُ فقد الأمنياتِ ووأدُ الأحلام وهي لا تزال وليدة بأحضانِ الليالي, بينما يحاول على الدوام أن يخفي مشاعره خلف ابتسامةٍ كانت لا تغادر ملامحَ وجهه, كان يدرك أنَّ تلك الابتسامةَ هي درعه الوحيد أمام مجتمعٍ لم يعد له خيار فيه غيرها, فهذا الميدانُ يجيده إجادة تامة.
لم يكن الأمرُ مجردَ رغبةٍ في إثبات حضوره فحسب, بل كان يبحث عن قبولٍ يفتقده, عن مكانٍ له يوفر ذلك الصوتَ الذي يستصرخه في مجتمعٍ يميز الناس بما يملكون, فالقريةُ برغمِ جمال طبيعتها وارتباط جذور نشأته بها, إلا أنها تبدو له مكانا قاسيا لروحهِ التي تبحث عن الاعتراف, تبحث عن مغادرةِ محطات السبات, وربما البحث عن شيء لا يعرف ماهيته بالضبط إلا أنه يتحرك في دواخله, مع ذلك, أخذ يحاول انتهاز الفرصَ كي يُدخل السرورَ في نفسيةِ الشيخ خزعل الذي وصل قبل دقائقٍ من قريته المتاخمة للضفة الغربية لنهر دجلة, الذي كان يشعُ بهجةٍ لا يمكن مقارنتها, فالشيخُ رمزُ للنجاحِ والاحترامِ في قريته والقرى المجاورة, يجلس الآن في محطةِ استراحةٍ قبل أن يغادر بعد ساعتين إلى محطة القطار, ربما تكون هي فرصةُ الشاب سالم الأخيرة لتقديم شيء يذكر, شيءٌ يترك أثرا في نفس الشيخ, بابتسامة, بكلمة طيبة, أو خدمة بسيطة, فكل ما يريده هو أن يشعر للحظة بأن يكون له دورا إيجابيا في حياة من حوله, حتى وإن كانت ظروفه أقسى من أن يتحملها, لذا أخذت تتسارع نبضاتُ قلبه بصوتٍ مسموعٍ مع كلِّ حركةٍ أو محاولةِ إيجاد الكلمات المناسبةَ في حضرة الشيخ, كأنها تدق على بابِ وعيه المهتز, وأسئلةٌ تتقاطر بحضورها فتضرب في صفائحِ جمجمته.
- ماذا لو لم يلحظ الشيخ وجودي؟ ماذا لو ضعت في الظلال كالماضي في هذه القرية؟
كان متحمسا ليواصل المسير مع الشيخ في تلك الرحلةِ إلى المحطة, فالطريقُ اليها لم يكن مجرد مسارٍ في الظلام, بل ربما يكون نحو الضوء الذي يبحث عنه في دواخله منذ صباه, ولا يزال لم يفقد الأمل, ذلك الشيءُ الذي تبحث عنه كلماته من دون وعي منه, إلا أنَّ غمه زاد من حدةِ الروتينِ بعدما تحولت حالته إلى أشبه بالبكم عند هذه المحاولة, لم تسعفه الكلماتُ التي يحاول استحضارها, فقد تلاشت عند الحاجة إليها, وأحمر وجهه خجلا, إذ بدا على الشيخ كأنه لا يعرفه, أو كأنما تدل على عدم ثبوت وجوده المادي المؤثر الذي طالما يؤرقه وتواصلا مع ذلك التأرجح الاعتباري, ووجدَ صوته كأنه يخرج بنبرة جامدة, واستطاعت عيناه الزرقاوان من اختراق الليلِ دون أن تتوقف عند وجه الشاب سالم, وبدا كظلالٍ عابرة في ليل القرية, على الرغم من أنه قد استطاع أن يحتفي به في مناسبة سابقة, أن يجعله يضحك بمليء شدقيه, معتقدا بأنه قد وصل معه إلى مستوى الإندماج الروحي, حينما احتفى به على وجبة في أحد العزاءات من بين الحضور, وترك أثرا طيبا في ذاكرة الشيخ, بعدما حصل معهما موقفٌ طريفٌ لا يمكن أن ينساه, إلا أنَّ الشابَ سالم قد أيقن هذه المرة بما لا يقبل الشكَ بأنَّ الشيخَ خزعل لم يتعرف عليه تمام المعرفة, أو أنَّ الاحتمالَ الأقربَ أنه قد تظاهر بذلك, ومع ذلك, وكسرا لحاجز الصمت, استطاع أن يقف بجسارة انعدام الوعي أمام مجلس الشيخ الذي كان مسترسلا بخيلائه ينفض ذرات التراب التي يتخيلها من على بزته المؤلفةِ من زبون بلون أخضر فاتح مع كوفية وعقال وباكورة والتي أصبحت ترافقه في جميع ترحاله, شعر الشابُ سالم بالتيه أمام جلاله, ربما لقلة الحضور, وكان تأثيره عليه كبيرا, لذا حاول البحثَ عن منابعِ القوةِ كي يتجاوز وقع الصدمة التي بدت تثقل عليه, وزادت من صمته, وبدأ يهتاج بعدما أخذت المقارنة تحضر بكل زخمها, يشعر كأنما عبءٌ يثقل على كاهله, ما بينه هو الذي لا يمتلك شيئا بالقياس مع أقرانه, وقد استعار دراجة هوائية على عجالة من أحد الجيران بعدما سمع بحضوره إلى القرية, وكأنما هدهدُ سليمانَ قد عاد من العدم ونشر الخبر, مخلفا وراءه نباح الكلاب المتصاعدة التي تسابق الدراجة الهوائية, وما بين ذلك الحصانِ الأشهبِ الذي يقدم له العلف باهتمامٍ بالغ, فذلك الاهتمام يعكس قدر مالكه في النفوس, وصوته الذي لا يزال يدور عالقا في دواخله, يردد لحنَ تلاشي الوجود, ويحاول معاكسة عنوان العبث, بدأ يهمس, إلا أنه يتوقع أن صوته قد وصل بذبذباته إلى مسامع الشيخ خزعل حينما أخذ ينظر إليه, لذا وجد نفسه كأنما دخل في غيبوبة التواجد في حاضره, حينما نادى عليه الشيخ موحيا كأنه لم يتعرف عليه.
- ماذا تريد أيها الشاب؟
نظر إليه مندهشا من سؤاله المفاجئ, متبعا أثر النداء, وأجابه بعدما شعر بعودته إلى الواقع, متأملا الشيخ بشيءٍ من الذهولِ لدقائق امتدت إلى زمنٍ طويلٍ كما يظن.
- عليّ أن أرافقك إلى حيث المحطة.
- وما الذي يجبرك على ذلك؟
يعرف أنَّ الكلمةَ هي المفتاح إلى قلب الشيخ, وللروحِ نوافذ يمكن الدخول من أحدها بابتسامةٍ بلا تصنع.
- لا أدرك لماذا, ولكن تجربة معرفتك توحي بأنها ستغنيني عن كثير.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: كتلة الطين
- قصة قصيرة: خبزُ العناد
- قصة قصيرة: الجمرة
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- بين رماد السنين وسنابل الأمل: تأملات في انتصار الإنسان على ذ ...
- قصة قصيرة: سيعاني
- حين تتكلم العتابة ويبوح الزهيري: تأملات في الموروث الشعبي في ...
- قصة قصيرة: مطرقةُُ الأعراف
- قصة قصيرة: الفراش الخالي
- قصة قصيرة: الشك
- قصة قصيرة: التخاطر
- قصة قصيرة: ابنُ الطينِ وأبوابُ المدينة
- قصة قصيرة: ممرٌّ واحد
- قصة قصيرة: تركني وحيداً
- قصة قصير: الهيكل والمداس
- قصة قصيرة: ظلُّ الحرارة
- قصة قصيرة: الولادة
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- الموت المؤكد والموت المحتمل: قراءة في أنثروبولوجيا العنف في ...
- قصة قصيرة: النبضُ السجين (الجزء الأول)


المزيد.....




- -لمواجهة التدمير الإسرائيلي-.. اليونسكو تدرج آثار صور وجبل ع ...
- -تسليطٌ للضوء على المخيمات الفلسطينية-.. انطلاق مهرجان جرش ف ...
- رحيل -موثق الهوية الجزائرية- المخرج السينمائي محمد الأمين مر ...
- مهرجان فينيسيا السينمائي الـ83: حضور فلسطيني وعربي لافت وتكر ...
- مترجم إيطالي: اللغة العربية تُعلّم التواضع والمثابرة
- أبرز أفلام الخيال العلمي في 2026.. لماذا عاد المستقبل لقيادة ...
- أشبه بفتح مقبرة فرعونية.. كنز بصري يوثق تاريخ الإسكندرية
- نصف قرن من -البث المباشر من عمّان-.. حين يصبح برنامج إذاعي ص ...
- بيت المدى يستذكر القاص والمسرحي جليل القيسي (صور)
- -بروكوفييف 135-.. عرض موسيقي مبتكر في ذكرى المؤلف الكبير


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رحلة إلى المحطة (الجزء الأول)