أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رانية مرجية - خالد عز الدين… حارس الذاكرة الفلسطينية














المزيد.....

خالد عز الدين… حارس الذاكرة الفلسطينية


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 00:07
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليست أخطر هزائم الشعوب أن تُحتل أرضها، بل أن تُسرق ذاكرتها.

فالأرض قد تُستعاد يومًا، والحدود قد يُعاد رسمها، أما الذاكرة إذا هُزمت، فإن الأمة تصبح غريبة عن نفسها، ويغدو التاريخ رواية يكتبها المنتصر وحده.

لهذا لم تكن معركة الفلسطيني يومًا معركة بندقية فقط.

كانت، وما زالت، معركة رواية.

من يروي؟

ومن يحفظ الحقيقة من التشويه؟

ومن يصون أسماء الذين غابوا خلف الأسوار قبل أن يتحولوا إلى أرقام في ملفات السجّان؟

في هذا المكان تحديدًا، يقف خالد عز الدين.

ليس بوصفه إعلاميًا، ولا بوصفه أسيرًا محررًا فحسب، بل بوصفه واحدًا من حرّاس الذاكرة الفلسطينية.

فالرجل الذي عرف الزنزانة من الداخل، أدرك مبكرًا أن السجّان لا يسعى إلى اعتقال الإنسان وحده، بل إلى اعتقال حكايته أيضًا. وأن أخطر أشكال الأسر ليس تقييد الجسد، وإنما محو المعنى، وإطفاء الذاكرة، وتحويل الضحية إلى رقم عابر في سجل طويل من النسيان.

لهذا لم يتعامل مع تجربته الشخصية باعتبارها بطولة تستحق الاحتفاء، بل باعتبارها مسؤولية تستوجب الاستمرار.

خرج من الأسر، لكنه لم يغادره.

ترك الجدران خلفه، لكنه حمل أصوات من بقوا داخلها.

ولعل هذه هي الفروق التي تصنع الرجال.

هناك من يخرج من المحنة باحثًا عن حياة هادئة، وهناك من يخرج منها وهو يشعر أن حياته الحقيقية بدأت للتو.

وخالد عز الدين اختار الطريق الأصعب.

اختار أن يجعل حريته امتدادًا لحرية الآخرين، وأن يحوّل الإعلام من مهنة إلى موقف، ومن وظيفة إلى رسالة، ومن كاميرا إلى ذاكرة تقاوم النسيان.

لقد أدرك الاحتلال، منذ بدايات مشروعه، أن السيطرة على الأرض لا تكتمل من دون السيطرة على الرواية. لذلك لم يكتفِ بمصادرة الأرض، ولا باعتقال الإنسان، بل سعى إلى إعادة كتابة الحكاية نفسها، بحيث يبدو الضحية متهمًا، ويصبح السجّان صاحب الصوت الأعلى.

ومن هنا، تصبح الكلمة فعل مقاومة.

ويصبح الأرشيف جبهة.

وتصبح الصورة وثيقة.

ويصبح الإعلام، حين يكون أمينًا للحقيقة، شريكًا في حماية التاريخ.

وهذه هي المهمة التي حملها خالد عز الدين.

لم يطارد الخبر من أجل السبق الصحفي، بل بحث عن الإنسان المختبئ خلف الخبر.

لم يحمل الكاميرا ليصنع الإثارة، بل ليمنع النسيان.

ولم يكتب لأن الكتابة مهنة، بل لأن الصمت، في بعض اللحظات، يتحول إلى شريك في الجريمة.

كان يعرف أن الاحتلال يراهن على تعب العالم، وعلى اعتياد الناس للمأساة، وعلى أن تتحول صور الأسرى إلى مشهد مألوف لا يوقظ ضميرًا.

لكنه كان يراهن على الإنسان.

لأن الإنسان، حين تُروى له الحكاية بصدق، يصعب عليه أن يدير وجهه عنها.

ولعل أجمل ما في خالد عز الدين أن ما يحمله من تجربة قاسية لم يتحول يومًا إلى شعور بالتفوق على الآخرين، ولا إلى وسام شخصي يعلقه على صدره.

ظل قريبًا من الناس، متواضعًا في حضوره، راقيًا في تعامله، كريمًا في دعمه لكل صاحب فكرة أو مبادرة، يرى في نجاح الآخرين إضافة للقضية التي نذر نفسه لها، لا منافسةً لها.

يفتح الأبواب أمام الشباب، ويمنح من وقته وخبرته ما يستطيع، مؤمنًا بأن الرسالة لا يحملها فرد واحد، بل تتسع لكل المخلصين لها.

وربما لهذا السبب ترك أثرًا لا يقتصر على ما كتب أو وثّق، بل يمتد إلى كل من عمل معه أو عرفه عن قرب؛ حيث يسبق الإنسان الإعلامي، وتسبق الأخلاق كل الألقاب.

وأجمل ما في تجربته أيضًا أنه لم يسمح للأسر أن يتحول إلى نهاية الحكاية.

وسع سيرته حتى أصبحت جزءًا من سيرة آلاف الأسرى.

كان يستطيع أن يكتفي برواية قصته، لكنها لم تكن تكفيه.

فاختار أن يروي قصص الآخرين.

وكأن الحرية التي نالها لم تكن ملكًا له وحده، بل أمانة يحملها نيابة عمن بقوا خلف القضبان.

وربما لهذا تبدو تجربة خالد عز الدين أكبر من سيرة فرد.

إنها سيرة فكرة.

وفكرة تقول إن الشعوب لا تبقى حية لأنها تمتلك القوة وحدها، بل لأنها تمتلك من يحرس ذاكرتها.

فالاحتلال يستطيع أن يهدم بيتًا.

وأن يقتلع شجرة.

وأن يبني سجنًا.

لكنه يعجز، مهما امتلك من أدوات، عن هزيمة شعب وجد بين أبنائه من يرفض أن يسمح للنسيان بأن ينتصر.

وهؤلاء هم الذين يكتبون التاريخ الحقيقي.

لا لأن أسماءهم تُنقش على جدران المؤسسات، بل لأنها تُحفر في وجدان الناس.

لهذا، حين يُذكر خالد عز الدين، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إعلاميًا أو أسيرًا محررًا فحسب، بل باعتباره شاهدًا اختار أن يحرس الذاكرة في زمنٍ أصبح فيه النسيان سياسة، وتزييف الوعي صناعة، والرواية ساحة لا تقل خطورة عن أي ميدان.

ويبقى الرجل أكبر من منصب، وأوسع من لقب، لأن الرسالة التي حملها أكبر من صاحبها.

ويبقى اسمه شاهدًا على حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن السجّان يستطيع أن يقيّد الجسد، لكنه يعجز عن تقييد الفكرة، وأن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضًا أولئك الذين يرفضون أن تُسرق ذاكرتها، ويواصلون حراستها بالكلمة، والصدق، والوفاء.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يغيب المسيحي الفلسطيني… من يبقى ليشهد أن هذه الأرض كانت ...
- بعد عامٍ ونصف
- كي لا نورث الخراب
- صوفيّة عصريّة تدمج بين الأرضيّ والسماويّ! قراءة في ديوان -من ...
- ✨قراءة أدبية في رواية -حاملة الصوت- ‏ 🌟 للكات ...
- باب الأسرار
- حين يفقد المجتمع ثقته
- المجد حين يرتدي قناع الخراب قراءة تأويلية في قصيدة «بئس مجد» ...
- حين تُستهدف المدرسة… تُستهدف هوية القدس
- على مائدة الكلمة إذا كان الله معنا… فلماذا تهب العاصفة؟ قراء ...
- الخانة الأولى
- وجوهٌ من دخان
- الاستيطان الناعم… احتلال يكتب المستقبل قبل أن يصل
- على مائدة الكلمة لماذا تأخر يسوع؟ حين يبدو صمت الله قاسيًا… ...
- حين ترى السماء ما تعجز الخرائط عن رؤيته قراءة تأويلية في قصة ...
- غزة… حين تصبح النجاة خبرًا
- حين يكون السلوك لغة لا عقوبة إدارة السلوك الإيجابي مع أطفال ...
- الأرضُ التي تعرفُ اسمي -
- على مائدة الكلمة لماذا غسل يسوع أقدام تلاميذه؟ العظمة التي ا ...
- الوساطة والحوار: إعادة اكتشاف الإنسان في زمن الانقسام


المزيد.....




- أول تعليق لإيران على تصريح ترامب عن -ضرب موقع جبل الفأس قريب ...
- -لم ننتهِ بعد-.. ترامب يلوّح بالهدف العسكري التالي في إيران ...
- ترامب يتعهد بدعم أميركي للبنان خلال لقائه رئيس البلاد في الب ...
- من بندر عباس إلى بيروت.. تقرير يكشف أسرار أخطر عمليات البحري ...
- علييف: مسؤولون روس وألمان سابقون في باكو لاجتماع محتمل بشأن ...
- محكمة استئناف أمريكية ترفض محاولة بايدن لمنع نشر تسجيلات كات ...
- الجيش اللبناني ينتشر بالمناطق التجريبية
- إيران تحذر من أي هجوم على المراكز النووية والحساسة: جميع مصا ...
- أرقام الحرب على إيران تتضخم.. 37.5 مليار دولار أنفقتها واشنط ...
- رسالة أمريكية إلى دمشق بعد بدء محاكمات أحداث السويداء


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رانية مرجية - خالد عز الدين… حارس الذاكرة الفلسطينية