أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - حين يغيب المسيحي الفلسطيني… من يبقى ليشهد أن هذه الأرض كانت وطنًا للجميع؟














المزيد.....

حين يغيب المسيحي الفلسطيني… من يبقى ليشهد أن هذه الأرض كانت وطنًا للجميع؟


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 16:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس أخطر ما يحدث في فلسطين أن تُصادر قطعة أرض، أو أن يُهدم منزل، أو أن تُقام مستوطنة جديدة. فهذه، على قسوتها، وقائع مرئية يستطيع العالم أن يرصدها ويوثقها. أما الخطر الحقيقي فيكمن في ذلك التحول الهادئ الذي لا تصاحبه الجرافات دائمًا؛ حين يتراجع الإنسان نفسه، وحين يُقتلع من المكان الذي صنع هويته، فيتحول الوطن تدريجيًا إلى مساحة بلا أصحاب، وإلى تاريخ بلا شهود.

من هنا، لا يمكن النظر إلى التحذيرات المتزايدة بشأن الوجود المسيحي الفلسطيني باعتبارها شأنًا يخص طائفة بعينها، أو قضية دينية محدودة. إنها في جوهرها قضية وطن، لأن المسيحي الفلسطيني ليس ضيفًا على هذه الأرض، ولا جالية استقرت فيها في مرحلة من التاريخ، بل أحد صانعي تاريخها، وأحد حراس ذاكرتها، وشريك أصيل في بناء هويتها الوطنية والثقافية والإنسانية.



لقد اعتاد العالم أن يتحدث عن القدس وبيت لحم بوصفهما مدينتين مقدستين، لكنه كثيرًا ما ينسى أن قداسة المكان لم تكن يومًا في الحجر وحده، بل في الإنسان الذي عاش فيه، وحافظ على رسالته، وجعل من المقدسات فضاءات للحياة لا متاحف للتاريخ. فالحجر، مهما بلغت قيمته، لا يصلي، ولا يروي الحكايات، ولا ينقل الذاكرة من جيل إلى آخر. الإنسان وحده يفعل ذلك.

لهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا اليوم: ماذا يبقى من بيت لحم إذا بقيت كنيسة المهد وغاب أهلها؟ وما الذي يبقى من القدس إذا تحولت إلى مدينة تحتفظ بأحجارها وتفقد تنوعها الإنساني الذي منحها فرادتها عبر القرون؟

إن أخطر ما في السياسات التي تستهدف الأرض الفلسطينية أنها لا تعيد رسم الخرائط فقط، بل تعيد تشكيل المجتمع نفسه. فالاستيطان ليس مشروعًا عمرانيًا، بل مشروع لإنتاج واقع جديد، يصبح فيه الفلسطيني غريبًا في مدينته، ويصبح البقاء فعل مقاومة يومي، حتى يغدو الرحيل، بالنسبة إلى كثيرين، الخيار الوحيد الممكن. وهكذا لا تُفرض الهجرة بالقوة المباشرة، وإنما تُصنع ببطء، عبر إنهاك الإنسان اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا، إلى أن يترك المكان وهو يحمل شعورًا مريرًا بأنه لم يعد قادرًا على الحياة فيه.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

فالاحتلال لا يربح شيئًا حين يغادر فلسطيني واحد أرضه، لكنه يربح كثيرًا حين يغادر آخر الشهود على هوية المكان. لأن الروايات لا تُمحى بحرق الكتب، بل باختفاء من عاشوها. وما إن يتراجع الحضور البشري، حتى يصبح من السهل إعادة إنتاج سردية جديدة تقول إن الأرض كانت دائمًا على هذه الصورة، وإن التاريخ لم يعرف يومًا ذلك التنوع الذي شكّل جوهر فلسطين.

إن المسيحي الفلسطيني لم يكن يومًا هامشًا في الرواية الوطنية. كان حاضرًا في الفكر، وفي الصحافة، وفي الأدب، وفي السياسة، وفي الحركة الوطنية، وفي الدفاع عن القدس، كما كان حاضرًا في المدرسة والمستشفى والنقابة والجامعة. لم تكن العلاقة بين المسلم والمسيحي في فلسطين علاقة تعايش بين جماعتين، بل علاقة شراكة في صناعة وطن واحد، ولذلك فإن استهداف أحد مكونات هذا الوطن لا يمكن عزله عن استهداف الوطن كله.

وما يدعو إلى التأمل أن العالم يبدي حساسية عالية تجاه حماية الأبنية التاريخية، بينما يبدو أقل اكتراثًا بحماية المجتمعات التي منحت تلك الأبنية معناها. تُرصد الأموال لترميم الجدران، وتُعقد المؤتمرات لإنقاذ المواقع الأثرية، لكن قليلًا من الجهد يُبذل لضمان بقاء الإنسان الذي يحول هذه المواقع إلى حياة نابضة. وكأن التراث يمكن أن يعيش مستقلًا عن أصحابه، بينما الحقيقة أن أول عناصر التراث هو الإنسان نفسه.

إن الدفاع عن الوجود المسيحي الفلسطيني ليس دفاعًا عن أقلية تحتاج إلى الشفقة، فهذه مقاربة تنتقص من جوهر القضية. إنه دفاع عن حق فلسطين في أن تبقى كما عرفها التاريخ؛ وطنًا تتجاور فيه الكنيسة والمسجد، وتتقاطع فيه الأعياد، وتتشارك فيه العائلات الأفراح والأحزان، دون أن يصبح الدين معيارًا للانتماء الوطني.

ولذلك فإن المسؤولية لا تقع على الفلسطينيين وحدهم. إنها مسؤولية أخلاقية تقع أيضًا على الكنائس في العالم، وعلى المؤسسات الدولية، وعلى كل من يؤمن بأن حماية التنوع الإنساني جزء من حماية الحضارة نفسها. فحين يُختزل الصراع في حدود السياسة، يُنسى أن ما يُهدد اليوم هو إحدى أقدم التجارب الإنسانية في العيش المشترك، وأن خسارتها لن تكون خسارة فلسطينية فحسب، بل خسارة للقيم التي يدّعي العالم الدفاع عنها.

لقد علّمنا التاريخ أن المدن لا تموت عندما تُهدم مبانيها، بل عندما تفقد أهلها. وأن الأوطان لا تُهزم يوم تخسر معركة، بل يوم تفقد ذاكرتها. والذاكرة ليست وثيقة محفوظة في الأرشيف، بل بشر يمشون في الشوارع، ويصلّون في الكنائس والمساجد، ويورثون أبناءهم أسماء الأزقة، ورائحة البيوت، وحكايات المكان.

لهذا، فإن الدفاع عن الوجود المسيحي الفلسطيني ليس دفاعًا عن جماعة دينية، بل عن المعنى نفسه. عن فلسطين التي لم تكن يومًا رواية أحادية، ولا هوية مغلقة، بل وطنًا صنعته قرون من التعدد، ورسخته شراكة إنسانية سبقت كل الانقسامات السياسية.

وحين يغادر آخر المسيحيين الفلسطينيين أرضه، لن تكون فلسطين قد خسرت ابنًا من أبنائها فحسب؛ بل ستكون الإنسانية قد خسرت شاهدًا حيًا كان يثبت، كل يوم، أن هذه الأرض خُلقت لتكون وطنًا للجميع، لا ذاكرةً يكتبها المنتصر وحده.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد عامٍ ونصف
- كي لا نورث الخراب
- صوفيّة عصريّة تدمج بين الأرضيّ والسماويّ! قراءة في ديوان -من ...
- ✨قراءة أدبية في رواية -حاملة الصوت- ‏ 🌟 للكات ...
- باب الأسرار
- حين يفقد المجتمع ثقته
- المجد حين يرتدي قناع الخراب قراءة تأويلية في قصيدة «بئس مجد» ...
- حين تُستهدف المدرسة… تُستهدف هوية القدس
- على مائدة الكلمة إذا كان الله معنا… فلماذا تهب العاصفة؟ قراء ...
- الخانة الأولى
- وجوهٌ من دخان
- الاستيطان الناعم… احتلال يكتب المستقبل قبل أن يصل
- على مائدة الكلمة لماذا تأخر يسوع؟ حين يبدو صمت الله قاسيًا… ...
- حين ترى السماء ما تعجز الخرائط عن رؤيته قراءة تأويلية في قصة ...
- غزة… حين تصبح النجاة خبرًا
- حين يكون السلوك لغة لا عقوبة إدارة السلوك الإيجابي مع أطفال ...
- الأرضُ التي تعرفُ اسمي -
- على مائدة الكلمة لماذا غسل يسوع أقدام تلاميذه؟ العظمة التي ا ...
- الوساطة والحوار: إعادة اكتشاف الإنسان في زمن الانقسام
- الوطن ليس مكانًا… بل ما يبقى منك حين يتغير المكان


المزيد.....




- الكويت تصعّد دبلوماسيًا ضد إيران وتستدعي سفيرها
- فيديو مزعوم لـ-نشر إيران دبابات على حدود العراق وسط توتر مع ...
- هيغسيث: منحنا إيران كل الفرص للتفاوض.. وسنضربها بعشرة أضعاف ...
- ماذا نعرف عن احتجاجات -حزب شعب الصراصير- في الهند؟
- ترامب خلال لقائه جوزيف عون: العلاقات مع لبنان جيدة وسنعمل عل ...
- ترامب يهدد بالتحرك ضد عرقلة الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر ...
- علييف: باكو استضافت اجتماعا بين ممثلين عن روسيا وألمانيا دون ...
- ترامب: مستعد للتحدث مع حزب الله 
- ترامب: لن نغادر المنطقة قبل استكمال تدمير قدرات إيران
- التصعيد مستمر لليوم العاشر على التوالي.. ضربات أمريكية وردود ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - حين يغيب المسيحي الفلسطيني… من يبقى ليشهد أن هذه الأرض كانت وطنًا للجميع؟