أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رانية مرجية - الوطن ليس مكانًا… بل ما يبقى منك حين يتغير المكان














المزيد.....

الوطن ليس مكانًا… بل ما يبقى منك حين يتغير المكان


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 15:01
المحور: القضية الفلسطينية
    


ثمة أسئلة لا يطرحها الإنسان لأنه يجهل جوابها، بل لأنه يعرف أن الجواب سيغير شيئًا فيه.

ولعل سؤال الوطن واحد منها.

ما الوطن؟

هل هو البيت؟

لكن البيوت تُهدم.

هل هو الشارع؟

لكن الشوارع تتبدل، وتُمحى أسماؤها، ويعبرها غرباء لم يعرفوا يومًا من مرّ بها قبلهم.

هل هو المدينة؟

لكن المدن، مثل البشر، تكبر وتشيخ وتتغير ملامحها.

إذن… ما الذي يبقى؟

كبرنا ونحن نتعلم أن الوطن أرض.

ثم علمتنا الحياة أن الأرض، على قدسيتها، ليست وحدها الوطن.

فالوطن ليس ما نقف عليه فحسب.

بل ما يقف في داخلنا.

هو اللغة التي لا نحتاج إلى ترجمتها كي نشعر أننا في البيت.

وهو رائحة الخبز والقهوة، لا لأنها أطيب من غيرها، بل لأنها تحفظ ملامح الذين أحببناهم.

وهو أسماء القرى التي يرددها الكبار كما لو أنهم يخشون أن يسقط منها حرف، فيسقط معها شيء من الذاكرة.

وهو بيت لم يعد قائمًا، لكنه ما زال يسكن الحكايات أكثر مما سكن الحجارة.

الوطن، في جوهره، لا يسكن الخرائط.

إنه يسكن الذاكرة.

ولهذا لا يكون اقتلاع الإنسان من مكانه اقتلاعًا لوطنه.

فالأمكنة يمكن أن تُفقد.

أما الذاكرة، فهي آخر ما يقبل الرحيل.

لكن للذاكرة عبئها أيضًا.

أن تعيش دائمًا بين زمنين.

وزمانين.

وبين مكانين.

مكان تمشي فيه.

ومكان يمشي فيك.

ولهذا يبدو الفلسطيني، أينما ذهب، كأنه يحمل وطنين.

واحدًا تحت قدميه.

وآخر في قلبه.

وربما لهذا لا يشبه حنينه أي حنين آخر.

إنه لا يشتاق إلى الماضي بقدر ما يخشى أن يصبح الماضي بلا شهود.

فالحنين، في معناه الأعمق، ليس رغبة في الرجوع.

بل خوف من النسيان.

ولهذا فإن أخطر ما قد تخسره الشعوب ليس الأرض.

بل الرواية التي تمنح الأرض معناها.

فالأرض قد تستعاد.

أما الحكاية، إذا انطفأت، فلن تعيدها الجغرافيا.

ولهذا لم يكن الآباء والأمهات يروون لأطفالهم أسماء القرى والبيوت لأنهم أسرى الماضي.

بل لأنهم كانوا يحرسون المستقبل.

كانوا يعرفون أن الإنسان الذي ينسى حكايته، يصبح أكثر استعدادًا لأن يعيش داخل حكاية كتبها غيره.

لهذا لم تكن الحكايات ترفًا.

ولا مجرد حنين.

كانت فعل بقاء.

وشكلًا من أشكال المقاومة.

واليوم تتغير المدن أسرع مما نتذكرها.

وتتغير الخرائط أسرع مما نحفظها.

لكن السؤال لا يتغير:

كيف نحافظ على الوطن حين يتغير المكان؟

ربما يبدأ الجواب من الأشياء الصغيرة.

من اللغة.

ومن الأسماء.

ومن الحكايات التي نظن أحيانًا أنها عادية، بينما هي الجسر الأخير بين جيل عرف المكان، وجيل سيعرفه من الذاكرة.

أن نخبر أبناءنا أن الوطن ليس صفحة في كتاب تاريخ.

ولا صورة معلقة على جدار.

بل مسؤولية أخلاقية تجاه المكان، والناس، والحكاية.

فالأوطان لا تعيش بالحجارة وحدها.

تعيش بمن يمنحها ذاكرة.

ولهذا لا أخاف على فلسطين من الزمن.

فالزمن لا ينتصر على وطن يعرف أبناؤه كيف يروونه.

أخاف علينا نحن…

إذا صار ما نتذكره أقل مما ينبغي.

أو صار ما نحكيه أقل مما ورثناه.

فالأوطان لا تموت عندما تتغير حدودها.

بل عندما تصبح مجرد خبر قديم، أو اسم على خريطة، أو قصة لا يرويها أحد.

ولهذا، كلما فكرت في فلسطين، عاد إليّ السؤال نفسه:

كيف نحمي الذاكرة، حتى لا يصبح الوطن مكانًا نعرف اسمه، ونجهل حكايته؟

لأن الوطن، في النهاية، ليس مكانًا فقط.

إنه ما يبقى منك، حين يتغير كل شيء من حولك.

فالخرائط ترسم حدود البلاد.

أما الذاكرة…

فهي التي ترسم حدود الوطن.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على مائدة الكلمة لماذا توقف يسوع من أجل امرأة مجهولة؟ حين تك ...
- الغرفة التي لا تُؤجَّر
- حيفا… المدينة التي تخفي وجعين
- ليس الموت آخر ما يفعله السجن
- الحكاية حين تُربي الجمال قراءة نقدية في سلسلة «مملكة الأحلام ...
- أناشيد النور النشيد الأول حين بكى الكلمة
- حين عدتُ إلى مارون عبود… قرأتُ أمي من جديد
- حينَ صارَ الحبُّ مرئيًّا
- حين يحاكم الاحتلال التاريخ أرض الروم الأرثوذكس… من يملك حق ك ...
- الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله قراءة تأويلية في متى 11: ...
- القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف
- نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجر ...
- الأرجيلة… أحسن من كثير ناس
- “فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” (1بطرس 2: 1 ...
- حين يحاول الإنسان أن يكتب ما لم يكتبه الله قراءة تأويلية في ...
- المقعد الأخير
- القاعدة: التنظيم السري… هل كتب عبد الباري عطوان سيرة تنظيم أ ...
- قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((را ...
- الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا
- الذين لا يغادرون


المزيد.....




- سعودي يحرق زوجته بالبنزين.. الداخلية تكشف تفاصيل مروعة بإعلا ...
- البحرين.. انطلاق صافرات الإنذار والداخلية تصدر توجيهات
- قرب مضيق هرمز.. ضربات أمريكية على بندر عباس وسيريك كـ-عقاب- ...
- استهدفت 85 موقعا.. الحرس الثوري الإيراني يعلق على الضربات في ...
- الدفاع الروسية: توجيه ضربة ليلية دقيقة لمواقع صناعية في كييف ...
- دبلوماسية السفن الأمريكية السوداء!
- كان ينام في الشوارع... ثم صار يعلّم الناس إدارة أموالهم
- إطلاق صفارات الإنذار في البحرين عقب الضربات الأمريكية على إي ...
- الدفاعات الكويتية تتصدى لهجمات صاروخية بعد القصف الأمريكي عل ...
- الحرس الثوري الإيراني: استهدفنا 85 موقعا عسكريا أمريكيا في ا ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رانية مرجية - الوطن ليس مكانًا… بل ما يبقى منك حين يتغير المكان