أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين عدتُ إلى مارون عبود… قرأتُ أمي من جديد














المزيد.....

حين عدتُ إلى مارون عبود… قرأتُ أمي من جديد


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 13:30
المحور: الادب والفن
    


ليست كل الكتب تُقرأ في العمر نفسه.
بعضها يحتاج إلى سنواتٍ طويلة حتى ينضج القارئ، لا الكاتب.
كان عمري خمسة عشر عامًا حين وضعت أمي بين يدي كتاب «مجددون ومجترون» لمارون عبود. لم تشرح لي لماذا أحبته، ولم تقل إنه من أهم كتب النقد العربي، ولم تطلب مني أن أقرأه بعينيها. اكتفت بأن تناوله إليّ، ثم تركت للزمن أن يفعل ما لا تفعله الشروح.
يومها قرأت الكتاب، لكنني لم أقرأ ما فيه.
كنت أقرأ الكلمات، بينما كانت الحياة، في مكان آخر، تكتب القراءة التي سأفهمها بعد سنوات.
مرّت الأعوام.
وقبل عام ونصف، رحلت أمي.
ومنذ رحيلها، صرت أكتشف أن الغياب لا يسلبنا الأشخاص وحدهم، بل يعيد ترتيب علاقتنا بكل ما تركوه وراءهم. فجأة، تصبح الأشياء العادية مشبعة بحضورهم؛ كتاب أحبوه، أو جملة كانوا يرددونها، أو صمتٌ لم نفهم معناه إلا بعدما صار جزءًا من ذاكرتنا.
لهذا، حين عدت إلى «مجددون ومجترون»، لم أشعر أنني أفتح كتابًا أغلقته منذ سنوات.
شعرت أنني أفتح بابًا ظل مواربًا في داخلي.

في الخامسة عشرة، ظننت أن مارون عبود يكتب عن الأدب.
أما اليوم، فأراه يكتب عن الحرية.
كان يتحدث عن الشعر، لكنه كان يدافع عن استقلال العقل.
ويتحدث عن البلاغة، لكنه كان يسأل سؤالًا أشد عمقًا: كيف يفقد الإنسان صوته، وهو يظن أنه يتكلم؟
هنا فقط فهمت أن عنوان «مجددون ومجترون» لا يخص الأدباء وحدهم.
إنه يخصنا جميعًا.
فالاجترار، كما قرأته هذه المرة، ليس إعادة الكلمات، بل إعادة الحياة نفسها. أن نعيش بأفكار ورثناها دون أن نمتحنها، وأن نردد أحكامًا لم نولدها، وأن نستعير يقين الآخرين حتى ننسى شكل أسئلتنا الأولى.
كان عبود يرى أن اللغة لا تشيخ، وإنما تشيخ العقول التي تكف عن طرح الأسئلة. وأن التراث لا يتحول إلى عبء لأنه قديم، بل لأنه يُعامل بوصفه نهاية التفكير، لا بدايته. ولذلك لم تكن معركته مع الماضي، بل مع تحويل الماضي إلى سلطة تمنع الحاضر من أن يضيف شيئًا إلى نفسه.
وأنا أقرأه، شعرت كم يبدو هذا الكلام معاصرًا.
ربما تغيرت أدوات الاجترار، لكن الاجترار نفسه بقي كما هو.
في زمن مارون عبود كان الكاتب يستعير صور القدماء وتعابيرهم.
أما اليوم، فنحن نستعير المواقف، والانفعالات، وحتى طريقة الغضب. تكفي دقائق قليلة حتى يتحول رأي واحد إلى آلاف النسخ، ويغدو الاختلاف شبهة، لا فضيلة.
لهذا بدا لي الكتاب، وهو الصادر عام 1948، أكثر شبابًا من كثير مما نقرأه اليوم.
فالكتب لا يحدد عمرها تاريخ نشرها.
بل قدرتها على أن تجعل قارئًا بعد سبعين عامًا يشعر أنها كُتبت من أجله.

في أثناء القراءة، كانت أمي تحضر في ذهني بهدوء لا يجرحه الحنين.
لم أفكر فيها بوصفها غائبة، بل بوصفها جزءًا من الطريقة التي أقرأ بها.
وأدركت، متأخرة، أن محبتها لمارون عبود لم تكن إعجابًا بكاتب فحسب، بل انحيازًا لفكرة.
كانت تؤمن أن الإنسان لا يفقد حريته حين يُمنع من الكلام فقط، بل حين يتوقف عن التفكير بصوته.
لم تقل لي ذلك يومًا.
لكنها قالت ما هو أهم.
وضعت الكتاب في يدي.
واليوم أفهم أن الأمهات لا يورثن أبناءهن الكتب.
إنهن يورثنهم طريقة النظر إلى العالم.
وأن أعظم الهدايا ليست تلك التي تمنحنا أجوبة جاهزة، بل تلك التي تترك في داخلنا سؤالًا يكبر معنا كلما كبرنا.

حين أغلقت الصفحة الأخيرة، لم أشعر أنني أنهيت قراءة كتاب.
شعرت أنني أكملت حديثًا بدأ قبل سنوات، ولم أكن مستعدة له آنذاك.
وفهمت أخيرًا أن أمي لم تكن تريدني أن أقرأ مارون عبود.
كانت تريدني أن أتعلم ألا أعيش بعقلٍ مستعار.
وربما لهذا السبب بقي هذا الكتاب ينتظرني كل هذه السنوات.
فالكتب الحقيقية لا تستعجل قراءها.
تعرف أن لكل إنسان موعده الخاص مع الفهم.
أما الذين نحبهم، فإنهم لا يغيبون تمامًا.
يبقون في الكتب التي دلّونا عليها، وفي الأسئلة التي تركوها لنا، وفي اللحظة التي نكتشف فيها، بعد زمن طويل، أن ما حسبناه كتابًا كان، في الحقيقة، رسالة محبة مؤجلة



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حينَ صارَ الحبُّ مرئيًّا
- حين يحاكم الاحتلال التاريخ أرض الروم الأرثوذكس… من يملك حق ك ...
- الراحة بوصفها عودة الكائن إلى الله قراءة تأويلية في متى 11: ...
- القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف
- نائلة لبس ومشروع صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية قراءة في تجر ...
- الأرجيلة… أحسن من كثير ناس
- “فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة” (1بطرس 2: 1 ...
- حين يحاول الإنسان أن يكتب ما لم يكتبه الله قراءة تأويلية في ...
- المقعد الأخير
- القاعدة: التنظيم السري… هل كتب عبد الباري عطوان سيرة تنظيم أ ...
- قراءة أدبية راقية/ قصيدة [فكِّر بنفسك] للاديبة الشاعرة: ((را ...
- الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا
- الذين لا يغادرون
- . فكِّر بنفسك
- 🕊‏[جماليات الصمود وسردية الانتماء] ‏ قراءة في قصيدة ...
- نايُ البلاد
- القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين ...
- ما كنا نسأل عن الدين
- سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال ...
- قراءة في نصّ -حين يصبح الهدوء خيانة- للكاتبة رانية مرجية بقل ...


المزيد.....




- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...
- اعتقال كوميدي تركي بتهمة إهانة الإسلام وأردوغان
- وشم باللغة الروسية.. مشجعة مكسيكية تخطف الأنظار في كأس العال ...
- ورشة في دمشق ترسم ملامح مرحلة جديدة للدراما السورية
- افتتاح متحف تفاعلي للرسوم المتحركة في استوديو -سويوزمولتفيلم ...
- اكتشاف أكثر من 140 ألف قطعة أثرية في موسكو خلال 15 عاما


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين عدتُ إلى مارون عبود… قرأتُ أمي من جديد