أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - رانية مرجية - الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا














المزيد.....

الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 12:04
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


في عالم يزدحم بالأخبار العاجلة والأزمات المتلاحقة، أصبح من السهل أن نرى ما يحدث حولنا، لكن من الصعب أن نرى ما يحدث داخل الإنسان.

نتابع الحروب والصراعات والأزمات الاقتصادية، ونقيس الخسائر بالأرقام والإحصاءات، لكننا نغفل عن خسارة أخرى لا تظهر في نشرات الأخبار: خسارة الإنسان لطمأنينته الداخلية.

في كل مدينة عربية، وفي كل شارع وبيت ومكان عمل، هناك أشخاص يواصلون حياتهم بصورة تبدو طبيعية، بينما يخوضون في أعماقهم معارك لا يراها أحد.

أب يحمل همّ أسرته ومستقبل أبنائه بصمت.

أم تخفي خلف ابتسامتها إرهاق سنوات طويلة من العطاء والقلق.

شاب يشارك العالم صور نجاحه، بينما يصارع في داخله شعورًا عميقًا بالوحدة والضياع.

ومع مرور الوقت، لم يعد التعب النفسي حالة استثنائية، بل أصبح جزءًا من المشهد اليومي في حياة كثيرين.

ورغم ذلك، ما زلنا نتعامل معه باعتباره ضعفًا يجب إخفاؤه، لا واقعًا إنسانيًا يحتاج إلى فهم واحتواء.

لقد نجح الإنسان المعاصر في تطوير وسائل الاتصال إلى حدود غير مسبوقة، لكنه أخفق أحيانًا في الحفاظ على صلته بذاته. يعرف كيف يصل إلى آخر العالم بضغطة زر، لكنه لا يجد الوقت الكافي ليجلس مع نفسه ويسألها سؤالًا بسيطًا: كيف حالك حقًا؟

ومن هنا تنشأ إحدى أكبر مفارقات عصرنا؛ فكلما ازدادت وسائل التواصل، ازداد شعور كثيرين بالعزلة. وكلما ارتفعت أصوات العالم من حولهم، خفت صوتهم الداخلي.

المشكلة ليست في كثرة الضغوط وحدها، بل في اعتيادها.

حين يصبح القلق أسلوب حياة، والخوف رفيقًا يوميًا، والتعب حالة دائمة، يبدأ الإنسان بالتعايش مع نزيفه الداخلي وكأنه أمر طبيعي.

وهنا تكمن الخطورة.

فالانهيار الحقيقي لا يبدأ بضجيج، بل يبدأ بصمت.

يبدأ حين يفقد الإنسان دهشته بالحياة، وحين يتراجع شغفه، وحين يتحول كل يوم جديد إلى عبء إضافي بدل أن يكون فرصة جديدة.

ويبدأ حين يعتاد إخفاء ألمه إلى درجة ينسى معها أنه يتألم.

لهذا لم يعد الحديث عن الصحة النفسية ترفًا فكريًا أو شأنًا فرديًا معزولًا، بل أصبح ضرورة إنسانية ومجتمعية.

فالمجتمعات لا تُبنى بالاقتصاد والسياسة وحدهما، بل تُبنى بالإنسان القادر على الاستمرار دون أن يفقد روحه، وعلى مواجهة الصعوبات دون أن يفقد المعنى.

إن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي أمة ليس في الحجر ولا في الأرقام، بل في الإنسان نفسه؛ في وعيه، وفي توازنه النفسي، وفي شعوره بالأمان، وفي قدرته على أن يحلم رغم كل ما يحيط به من قلق واضطراب.

فالإنسان المطمئن يبني، أما الإنسان المنهك فينشغل بالنجاة فقط.

وبين البناء والنجاة تتحدد ملامح مستقبل المجتمعات.

وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتسارع فيه التحولات، ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: كيف نغيّر العالم من حولنا؟

بل كيف نحافظ على الإنسان داخله؟

كيف نحمي روحه من التآكل البطيء؟

كيف نمنحه مساحة ليعترف بتعبه دون خوف، وبضعفه دون خجل، وبحاجته إلى الدعم دون شعور بالذنب؟

إننا بحاجة إلى ثقافة جديدة تعيد الاعتبار للإنسان قبل أي شيء آخر؛ ثقافة ترى في الصحة النفسية حقًا لا رفاهية، وفي التعاطف قوة لا ضعفًا، وفي الإصغاء للإنسان مسؤولية جماعية لا شأنًا فرديًا.

لأن أخطر أنواع السقوط ليست تلك التي يراها الناس.

بل تلك التي تحدث في الداخل…

حين ينهار الإنسان بصمت، بينما يظن الجميع أنه بخير.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذين لا يغادرون
- . فكِّر بنفسك
- 🕊‏[جماليات الصمود وسردية الانتماء] ‏ قراءة في قصيدة ...
- نايُ البلاد
- القرآن ليس ملكًا لأحد في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين ...
- ما كنا نسأل عن الدين
- سميح القاسم في «دمي على كفّي» (1967): هل كان يقاوم الاحتلال ...
- قراءة في نصّ -حين يصبح الهدوء خيانة- للكاتبة رانية مرجية بقل ...
- عبد الباري عطوان وتشريح اللحظة التي انكسر فيها المعنى قراءة ...
- إبراهيم الطير… حين صار الجورنال مرآةً لذاكرة جيل قراءة تأويل ...
- حين يصبح الهدوء خيانة
- بين الذات والذاكرة والوطن: قراءة تأويلية نقدية في كتاب «بعضٌ ...
- السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قرا ...
- ما لا يغسله الغفران
- في مساءلة الغياب الإلهي بين براءة اليقين وعنف الواقع قراءة ت ...
- حين يعتاد الضمير الظلم
- ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للرو ...
- آلهة الأرض.. حين جعل جبران السماء مرآة للإنسان قراءة تأويلية ...
- عطش الرمال
- الحجابُ حجابُ الروحِ والقلب


المزيد.....




- أكبر جوائز النبيذ في العالم تكشف صعود مناطق جديدة إلى النجوم ...
- زاخاروفا: محاولة مساواة الرايخ الثالث بالاتحاد السوفيتي غير ...
- مسيرات -غيران-2- الانقضاضية توقع دماراً في مركز إمداد أوكران ...
- النرويج.. إشعال نار بارتفاع 35 مترا احتفالا بالانقلاب الصيفي ...
- جماهير النرويج تجتاح تايمز سكوير باحتفال فايكنغي صاخب
- ماذا نعرف عن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا المستقيل؟
- رئيس كولومبيا المنتهية ولايته يطعن في نتائج الانتخابات.. ويت ...
- لجنة تشييع علي خامنئي تعلن جدول مراسم جنازته
- -عودي إلى بلادك!-.. فضيحة محورها -نائبة عراقية- تشعل البرلما ...
- كوريا الجنوبية.. الحكم بالسجن 25 عاما على وزير العدل السابق ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - رانية مرجية - الانهيار الصامت… أخطر أزمات عصرنا