أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للروح قراءة تأويلية في قصيدة الشاعر سامي الجابري














المزيد.....

ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للروح قراءة تأويلية في قصيدة الشاعر سامي الجابري


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 11:17
المحور: الادب والفن
    


ثمة نصوص نقرأها فنفهمها، وثمة نصوص نقرأها فتقرأنا. وقصيدة الشاعر سامي الجابري تنتمي إلى الفئة الثانية؛ لأنها لا تعرض تجربة عشق بقدر ما تكشف مأساة الكائن الإنساني وهو يحاول أن يعبر من حدود ذاته إلى اتساع المطلق.

منذ السطر الأول لا يضعنا الشاعر أمام قصة حب، بل أمام طقس كوني من الاحتراق:

“على وقع الهوى ناري تلظّى”

فالهوى هنا ليس سبباً للنار، بل إيقاعها. وكأن العشق ليس حادثةً تقع في العمر، وإنما قانونٌ خفيّ يحكم الوجود كله. إننا أمام شاعر يدرك أن الإنسان لا يُعرَّف بما يملك، بل بما يحترق فيه.

لهذا لا تبدو المرأة في النص معشوقةً بقدر ما تبدو قوةً كونية قادرة على إعادة تشكيل العالم. إنها ليست شخصاً محدداً، بل صورة رمزية للحياة ذاتها، للحضور الذي يمنح الأشياء معناها.

حين يقول:

“أنا سرٌّ تعالى فوق صمتٍ”

فإنه لا يصف نفسه، بل يعلن مأزق الإنسان الأزلي.

فالإنسان في جوهره سرٌّ يبحث عن تفسير، وكل محاولة لتعريف الذات ليست سوى اقترابٍ ناقص من حقيقتها.

ومن هنا تتولد المفارقة الكبرى في القصيدة: فكلما حاول الشاعر الإمساك بنفسه، تحوّل إلى بحر.

“وبحرٌ في المدى يغزو شحوبي”

والبحر في الشعر العظيم ليس ماءً، بل مصير.

إنه الرمز الأقدم للاتساع الذي يهدد الحدود، وللعمق الذي لا يكشف قاعه لأحد.

ولهذا يبدو الشاعر وكأنه يعيش صراعاً بين صورتين: صورة الكائن المحدود الذي يذبل ويشحب، وصورة الروح التي تطمح إلى اللانهائي.

ومن هنا تبدأ الرحلة الحقيقية للنص.

إنها ليست رحلة نحو المرأة، بل نحو الذات عبر المرأة.

ولهذا يطلب الذوبان:

“فذوبي في دمي ألق امتنانٍ”

فالذوبان هنا ليس عشقاً جسدياً، بل محاولة للخلاص من عزلة الوجود.

إن كل إنسان يحمل داخله جرح الانفصال الأول؛ انفصاله عن الآخر، عن العالم، عن المطلق.

والحب في هذه القصيدة هو المحاولة المستمرة لترميم ذلك الشرخ القديم.

لكن الجابري يذهب أبعد من ذلك حين يكتب:

“أنا يا أنتِ هذا الكون أنثى”

وهنا تبلغ الرؤية الشعرية ذروة فرادتها.

إنه لا يؤنث المرأة، بل يؤنث الكون.

يمنح الوجود كله جوهراً أنثوياً.

وكأن الأنثى هنا ليست كائناً بيولوجياً، بل مبدأ الخلق نفسه.

هي الرحم الكوني الذي تخرج منه الأشياء جميعها.

وهي النبض الأول الذي يجعل العالم قابلاً للحياة.

إنها ليست امرأةً يحبها الشاعر، بل صورة الوجود حين يصبح قابلاً للعشق.

ومن أعمق لحظات النص تلك المفارقة المدهشة:

“فكوني واقعاً حباً نفوراً”

إذ يكشف الشاعر عن حقيقة نادراً ما يعترف بها الشعراء: أن الحب لا يعيش في اليقين، بل في التوتر.

الحب الكامل يموت.

أما الحب الذي يبقى فهو ذاك الذي يظل معلقاً بين الحضور والغياب.

بين الرغبة والخسارة.

بين الاقتراب والاستحالة.

ولذلك لا يطلب الطمأنينة، بل يطلب القلق الخلّاق الذي يبقي القلب مستيقظاً.

ثم تأتي اللحظة المفصلية في النص:

“سأحرق كل أقناع التمني”

وهنا ننتقل من الغزل إلى الفلسفة.

فالأقنعة هي كل ما نتخفى خلفه لننجو من مواجهة حقيقتنا.

أقنعة الانتظار.

أقنعة الوهم.

أقنعة الاحتمالات المؤجلة.

والشاعر لا يريد النجاة.

إنه يريد الحقيقة.

والحقيقة في نظره لا تُمنح إلا لمن يمتلك شجاعة الاحتراق.

لهذا لا يخاف النار.

بل يخاف الأقنعة.

إنها لحظة نادرة يتحول فيها العشق إلى فعل تطهير وجودي.

وحين يقول:

“لتبقى النار تعصف في هروبي”

تنكشف عبقرية الصورة.

فالنار لا تعصف في الوصول، بل في الهروب.

وكأن الإنسان مهما ابتعد عن قدره يعود إليه من حيث لا يدري.

إن ما نهرب منه غالباً هو أكثر ما يسكننا.

لهذا لا تبدو القصيدة رحلة بحث عن الحبيبة، بل رحلة هروب مستمرة من الذات نحو الذات.

وفي مواجهة هذا الطوفان الوجداني يقف العقل عاجزاً:

“وهذا العقل يأبى أن يجاري
لهيب الوقت في رحم الدروب”

إنها من أجمل صور النص وأكثرها كثافة.

فالوقت يتحول إلى لهيب.

والدروب تتحول إلى رحم.

والحياة كلها تصبح عملية ولادة مستمرة للمعنى.

لكن العقل، بأدواته المحدودة، يعجز عن إدراك هذه الولادة.

لأن بعض الحقائق لا تُفهم، بل تُعاش.

ولا تُفسَّر، بل تُحترق.

ومن هنا تأتي الدعوة الأخيرة:

“فغوصي في مداراتي تعالي
لتحترق الحدود بلا عتوبي”

إنها ليست دعوة للحب.

إنها دعوة لهدم الجدران التي تفصل الكائن عن جوهره.

حدود اللغة.

حدود الهوية.

حدود الخوف.

حدود الممكن.

فالاحتراق في هذه القصيدة ليس موتاً، بل عبور.

ولذلك تنتهي الرحلة كما بدأت: بالنار.

لكنها لم تعد نار الشوق وحده، بل نار المعرفة.

نار الإنسان الذي أدرك أن الحياة ليست ما نعبره سالمين، بل ما يترك في أرواحنا أثر الاحتراق.

لهذا أرى أن سامي الجابري لم يكتب قصيدة عشق بقدر ما كتب بياناً شعرياً عن الكائن الذي يفضّل أن يحترق بالحقيقة على أن يعيش مطمئناً داخل الوهم.

إنها قصيدة تنتمي إلى ما يمكن تسميته “لاهوت الشوق”؛ حيث يصبح الحب طريقاً إلى اكتشاف الذات، وتغدو الأنثى استعارةً كونية للحياة، وتتحول النار من أداة فناء إلى وسيلة انبعاث.

وفي هذا يكمن سر جمالها.

فالعاشق في هذا النص لا يبحث عن امرأةٍ يكتمل بها…

بل يبحث عن نارٍ تكفي ليعرف من يكون.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- آلهة الأرض.. حين جعل جبران السماء مرآة للإنسان قراءة تأويلية ...
- عطش الرمال
- الحجابُ حجابُ الروحِ والقلب
- الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب
- الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكما ...
- ما الذي يبقى من الإنسان؟
- «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ
- سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخ ...
- قراءة تأويلية في قصة “الخوف رداءً” لدينا سليم حنحن
- حين ينسى الإنسان اسمه
- مرايا الإسقاط
- رجاءٌ يتجاوز الموت
- مراثي القدس الأخيرة
- ا حتراق السكر
- الذين يمرّون ناقصين
- عودةُ الروح إلى الله
- نحنُ الذينَ لم نتعلّمِ العواء
- خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- ⸻ خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور


المزيد.....




- راقصة مصرية تكشف لـRT تفاصيل خطيرة عن اتهامها لـ-نخنوخ- وفنا ...
- بوتين يوجه بتحديث أكاديمية موسكو للرقص
- جائزة -جالاك- 2026: كيف يعيد الأدب صياغة الهوية البريطانية م ...
- قراتشاي-تشيركيسيا تُخطط لإنشاء متاحف لثقافة وتاريخ شعوبها
- طقوس الليل السرية.. ألعاب استحضار الأرواح بين أطفال الاتحاد ...
- مونديال 2026.. مزيج الكرة والموسيقى برعاية الفيفا
- رحيل عبد العزيز مخيون.. عاشق الموسيقى الذي تنقل بين طه السما ...
- كاظم الساهر: نمت في المقاهي والحدائق لأحقق هذا النجاحوعملت م ...
- فيلم الرعب -هوس- يطيح بـ-فهرنهايت 11/9? ويصبح الصفقة الأعلى ...
- نتنياهو يوجه رسالة مترجمة للعربية إلى الشعب اللبناني (فيديو) ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للروح قراءة تأويلية في قصيدة الشاعر سامي الجابري