أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - عطش الرمال














المزيد.....

عطش الرمال


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 13:08
المحور: الادب والفن
    


لم أكن أبحث عن طريق، بل عن مبرر لفقدي. كنت أدور حول نفسي كما تدور الرياح حول الكثبان بلا نهاية. لم تكن الصحراء خيارًا، بل نداءً؛ نداءً لا يُسمع بالأذن، بل يُحس في أعماق الروح. قالوا لي: لا تمشي وحدك إليها، فإن للصحراء شهية لا تشبع من التائهين. لكنني لم أعد أخاف الجوع ولا العطش ولا الجنون؛ كنت أخاف فقط أن أبقى كما أنا.

لم أحمل سوى صورة باهتة لامرأة لم أعد أذكر ملامحها، وحفنة أسئلة خشيت أن أواجهها. كنت أفتش عن خلوة في عراء الله، أبحث عن طهارة لا من الخطيئة، بل من الأكاذيب التي ارتديتها عمرًا كاملًا. كان كل شيء في داخلي يئن؛ القلب، والذاكرة، وحتى قدماي اللتان سلكتا طرقًا لم تكن لي.

في اليوم الأول، شعرت أنني أسير فوق جلد كائن عملاق نائم. كانت الرمال تفوح برائحة جسد اغتسل من حب قديم، وكانت الشمس عينًا لا تغمض، تحدق بي كأنها تنتظر اعترافًا مؤجلًا.

وفي اليوم الثالث، بدأت الأحلام ترفع صوتها. رأيت طفولتي واقفة عند حافة ذاكرة ممزقة؛ أبي الذي صرخت في وجهه بلا سبب، وأمي التي رحلت قبل أن أسألها إن كانت سامحتني. حينها أدركت أنني لم آتِ هربًا، فالهارب لا يبتعد عن نفسه، بل يدور في فلكها حتى يسقط.

ذات مساء، ظهر رجل كأنه خرج من الريح نفسها. لم يكن يمشي، بل ينساب فوق الرمل في هدوء غريب. قال لي:

— من يسكن قلب الصحراء لا يخرج منها كما دخل.

سألته:

— هل تعرفني؟

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

— أنا صورتك في المرآة حين لا تخافين النظر.

ثم ناولني قنينة ماء.

تأملت الماء طويلًا. رأيت فيه ارتجاف روحي أكثر مما رأيت انعكاس وجهي. وحين سكبت القنينة على الرمل، شربتها الأرض بنهم. عندها فهمت أن العطش الحقيقي ليس لما يُشرب، بل لما يظل حبيس الصدر.

بعد أيام، وجدت خيمة وحيدة كأنها كانت تنتظر وصولي. أمامها جلس شيخ أعمى يقلب صفحات كتاب بلا كلمات.

قال:

— كل من يصل إلى هنا، جاء لأن الألم دلّه.

فبكيت.

لا لأنني صدقته، بل لأنني عرفت أخيرًا كم كنت أبرع في خداع نفسي.

جلست وحدي أفتح دفاتر الأيام المدفونة. قرأت رسائل لم أرسلها، وأسماء حفرتها يومًا على جدران القلب ثم محوتها. مرّ الذين أحببتهم جميعًا أمامي، لكنهم كانوا صامتين كما كانوا يوم رحلوا.

وفي اليوم العاشر، رأيت امرأة تشبهني تسير بعيدًا بين السراب. نادتني بصوت أعرفه جيدًا؛ كان صوتي حين كنت بريئة. ركضت نحوها بكل ما بقي فيّ من شوق، لكنها تلاشت قبل أن أصل.

عندها فقط عرفت الحقيقة:

لم أكن أفتقد أحدًا...

كنت أفتقدني.

وفي صباح اليوم التالي، وجدت طائرًا يحتضر. كان جناحه المكسور يشبه شيئًا في داخلي. حملته بين يدي، وسقيته من دموع أخفيتها عن نفسي سنوات طويلة. لم تكن لحظة كبيرة في حساب الزمن، لكنها كانت كافية لتعيد إلى روحي إنسانيتها.

وفي فجر اليوم الحادي عشر، غنيت.

لا لأطرب أحدًا، بل لأعلن أنني ما زلت حيّة.

ساد الصمت في الأفق، حتى خُيّل إليّ أن الصحراء نفسها تنصت. لأول مرة شعرت أنها تعترف بي ابنةً لها، لا عابرة سبيل.

وحين قررت العودة، لم أعد كما ذهبت.

لم أعد مثقلة بالأسئلة، بل خفيفة كمن تعلم أخيرًا كيف يسامح نفسه. لم أعد أطلب من العالم أن يشفيني، ولا من الناس أن يفهموني. لقد علمتني الصحراء أن البداية الحقيقية لا تأتي حين نجد الإجابات، بل حين نتوقف عن الكذب على أرواحنا.

وعند أطراف الرمل، وقفت امرأة لم أرها من قبل.

قالت:

— سيمر العمر، وسيظن الناس أنكِ ضعتِ يومًا في الصحراء. لكنهم لن يعلموا أنكِ ذهبتِ إليها لتجدي ما فقدتِه منذ الميلاد: نفسكِ.

ابتسمت.

ولم أقل شيئًا.

فالصحراء علمتني أن بعض الإجابات أكبر من الكلمات، وأن أصدقها... الصمت.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحجابُ حجابُ الروحِ والقلب
- الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب
- الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكما ...
- ما الذي يبقى من الإنسان؟
- «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ
- سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخ ...
- قراءة تأويلية في قصة “الخوف رداءً” لدينا سليم حنحن
- حين ينسى الإنسان اسمه
- مرايا الإسقاط
- رجاءٌ يتجاوز الموت
- مراثي القدس الأخيرة
- ا حتراق السكر
- الذين يمرّون ناقصين
- عودةُ الروح إلى الله
- نحنُ الذينَ لم نتعلّمِ العواء
- خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- ⸻ خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- تمالكوا ظلالَكم: قراءة في تفكك الوطن داخل قصيدة ريما حمزة
- المرأة الأرثوذكسية… بين أصالة الموروث وتحديات الحداثة


المزيد.....




- ثقافة الشارع وأزياء -الآرت- تُثري منافسات جائزة كاردو الدولي ...
- -ما الحاجة إلى عالم بدون روسيا-.. روائية مصرية تشيد بزيارتها ...
- مهرجان الفيلم الروسي يُقام في المغرب لأول مرة بتشكيلة سينمائ ...
- افتتاح مهرجان موسكو للجاز بعرض أدبي موسيقي يخلد إرث الموسيقا ...
- وفاة الفنان المصري عبد العزيز مخيون
- معهد بطرس الأكبر يحدد أهداف مؤتمره الدولي التاسع عشر
- غاليري تريتياكوف يفتتح معرضا لأيقوناته النادرة في ذكراه الـ1 ...
- على طريقة فيلم -Catch Me If You Can-.. طيار سابق بطيران كندا ...
- -صاحب تجربة فنية فريدة-.. وفاة الفنان المصري عبدالعزيز مخيون ...
- مروان الغفوري: هذا سر الجدل حول -خمس منازل لله وغرفة لجدتي- ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - عطش الرمال