أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين ينسى الإنسان اسمه














المزيد.....

حين ينسى الإنسان اسمه


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 11:18
المحور: الادب والفن
    


في دار المسنين، كانت هناك غرفة في آخر الممر لا يدخلها أحد.

ليس لأنها مغلقة، بل لأن من يدخلها يعود وكأنه خرج أقلّ مما كان عليه.

سليم كان الوحيد الذي يدخلها كل صباح.

يجلس على الكرسي نفسه، ويضع أمامه دفترًا أزرق لا يفارقه.

كان يسميه: "ذاكرتي الأخيرة".

في الثامنة والثمانين، لم يعد يخاف الموت بقدر ما يخاف لحظة لا يتذكر فيها اسمه.

لذلك كان يكتبه كل يوم:

اسمي سليم.
كنت نجارًا.
أحببت رائحة الخشب حين يُقطع لأول مرة.
كانت زوجتي تعرف متى أكذب.
لي ابنة اسمها ليان.

لم تكن جملًا بقدر ما كانت محاولة للنجاة من النسيان.

في مساءٍ هادئ، دخلت متطوعة جديدة إلى الدار.

لم تكن تعرف الكثير عن المرضى، لكن شيئًا في الغرفة شدّها.

رأت الدفتر الأزرق، وفتحته.

قرأت بصمت، ثم قالت:
"هل هذا دفتر حياتك؟"

أجاب بهدوء:
"هذا ما أتمسّك به حين يبدأ كل شيء بالاختفاء."

منذ ذلك اليوم، صار بينهما طقس بسيط.

هو يتذكر، وهي تكتب.

"كنت نجارًا."

"بكيت يوم ولدت ابنتي."

"خفت من البحر وأنا طفل."

ومع الوقت، صار الدفتر أثقل.

لكن سليم صار أخف.

كأن حياته تنتقل منه إلى الورق شيئًا فشيئًا.

ثم جاء صباح مختلف.

جلس كما اعتاد، لكنه لم يتذكر اسمه.

ولا أين هو.

ولا لماذا هو هناك.

دخلت المتطوعة.

سألته:
"هل تعرف من أنت؟"

نظر إليها طويلًا، ثم قال:
"أشعر أن الاسم قريب… لكنه ليس لي."

فتحت الدفتر.

وجلست بجواره.

ثم بدأت تقرأ:

"اسمك سليم."

ارتجف قليلًا.

"كنت نجارًا."

تنفّس ببطء.

"أحببت رائحة الخشب حين يُقطع لأول مرة."

ساد صمت طويل.

"زوجتك كانت تعرف متى تكذب."

أغمض عينيه.

"ولك ابنة اسمها ليان."

حين انتهت، لم يتكلم.

لكن يده ارتجفت وهو يلمس صدره، كأنه يتحقق أنه ما زال موجودًا.

ثم قال بصوت خافت:
"لم أكن أخاف الموت… كنت أخاف أن أفقد اسمي وأنا حي."

في الأيام التالية، بدأ ينسى أكثر.

ويكتب أقل.

وصار الدفتر هو من يتكلم عنه بدلًا منه.

وفي ليلة هادئة، نام ولم يستيقظ.

كأنه أخيرًا توقف عن محاربة النسيان.

في اليوم التالي، جاءت ابنته ليان.

سُلِّم إليها الدفتر الأزرق.

جلست تقرأه طويلًا.

تبكي بصمت.

وتبتسم بصمت.

وفي الصفحة الأخيرة، وجدت سطرًا بخط مختلف:

"بعض الناس لا يتركون لنا ذكريات كثيرة…
لكنهم يتركون لنا أنفسنا، كي لا نضيع."



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرايا الإسقاط
- رجاءٌ يتجاوز الموت
- مراثي القدس الأخيرة
- ا حتراق السكر
- الذين يمرّون ناقصين
- عودةُ الروح إلى الله
- نحنُ الذينَ لم نتعلّمِ العواء
- خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- ⸻ خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- تمالكوا ظلالَكم: قراءة في تفكك الوطن داخل قصيدة ريما حمزة
- المرأة الأرثوذكسية… بين أصالة الموروث وتحديات الحداثة
- ليان… حين يصبح العيش مع الاختلاف معركة من أجل الكرامة
- هذه قراءة نقدية وانطباعية في النص الإنساني المؤثر للكاتبة را ...
- حين يصبح الشارع أرحم من العالم
- نبيل طنوس… حين تتعلّم اللغة أن تُنقذ الإنسان من وحدته
- ميخائيل فانوس و”مسرح الحياة”… هناك تعلّمت أن الإنسان يمكن أن ...
- الصوت العربي في الكنيست: أقلية تعرف كل شيء… إلا حجم قوتها
- الحافلة التي لا تصل قصيدة ساخرة
- بين البيت والعمل والمقبرة… أتعلم كيف أمشي خفيفة
- المجلس الثوري بين التمثيل والإقصاء: قراءة في نتائج مؤتمر فتح


المزيد.....




- ربيع للقلب المنهك.. حين يلون الأرجوان إسطنبول
- النقابات الفنية في مصر ترد على أزمة فيلم -برشامة- برفض -التك ...
- من القاعدة إلى داعش.. قصة الجذور الفكرية المثيرة للجدل
- الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس ...
- مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن ...
- الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ ...
- منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت ...
- بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية ...
- مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ ...
- من -موسكو الصغرى- إلى شاشة السينما..-باغي عينكاوة-.. مقهى يح ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين ينسى الإنسان اسمه