أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ميخائيل فانوس و”مسرح الحياة”… هناك تعلّمت أن الإنسان يمكن أن يُعاد خلقه














المزيد.....

ميخائيل فانوس و”مسرح الحياة”… هناك تعلّمت أن الإنسان يمكن أن يُعاد خلقه


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 12:28
المحور: الادب والفن
    


سألوني يومًا، وربما أكثر من مرة:
من أين يأتي هذا الحب العميق للمسرح؟
كيف يصبح المسرحيون بهذا القرب من الروح، لا مجرد أسماء على خشبة بعيدة؟
وكيف تتحول الخشبة إلى أكثر من مكان للعرض… إلى معنى، إلى انتماء، إلى حياة كاملة؟

فكنت أجيب دائمًا دون تردد:
من الرملة.
من المركز الجماهيري العربي.
ومن تجربة اسمها: ميخائيل فانوس.

هناك بدأت الحكاية التي لم تنتهِ في داخلي حتى اليوم.

لم تكن مرحلة عمل عابرة، ولا وظيفة تُضاف إلى سيرة مهنية. كانت سنوات من التكوين الإنساني العميق، تعلّمت فيها أن الثقافة ليست نشاطًا يُدار بالموازنات والبرامج، بل قدرة حقيقية على إنقاذ شيء هشّ داخل الإنسان قبل أن ينكسر تمامًا. وهناك فهمت للمرة الأولى أن الفن ليس ترفًا، بل أحد أشكال النجاة.

عملت هناك مركّزة للمسرح، إضافةً إلى كوني مديرة لمشروع تعليم النساء وإنهاء الصف الثاني عشر. لكن هذا المشروع لم يكن بالنسبة لي، ولا بالنسبة إلى مئات النساء اللواتي دخلنه، مجرد مسار تعليمي عادي. كان محاولة صامتة لاستعادة الحياة من جديد.

كنا نرى نساءً يعدن إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات طويلة من الانقطاع، يحملن صمتًا ثقيلًا، وتجارب حياة معقدة، وأحلامًا مؤجلة، وكرامة تبحث عن نافذة صغيرة تعود منها إلى الضوء.

لكن ما كان يحدث داخل الصفوف لم يكن تعليمًا بالمعنى التقليدي فقط، بل تحوّلًا داخليًا عميقًا.
امرأة تخاف أن تكتب اسمها، تصبح قادرة على القراءة والتعبير.
وأخرى كانت تظن أن العمر انتهى، تكتشف أن البداية ممكنة في أي لحظة.

لم يكن التعليم شهادة تُعلّق على جدار، بل محاولة متأخرة كي يقول الإنسان لنفسه:
ما زلت أستحق فرصة أخرى.

هناك تغيّرت علاقتي بالناس أيضًا.
صرت أرى الإنسان كحكاية غير مكتملة، لا كصورة جاهزة.
وربما لهذا أحببت المسرح لاحقًا؛ لأنه الفن الوحيد الذي يعامل البشر ككائنات قابلة للتحوّل دائمًا.

لكن المسرح…
كان شيئًا آخر تمامًا.

كان القلب.

ومع ميخائيل فانوس، وُلد “مسرح الحياة”.

لم يكن مشروعًا إداريًا داخل مركز جماهيري، بل رؤية ثقافية وإنسانية حاولت أن تقول ببساطة:
إن للناس حقًا في الجمال، وفي التعبير، وفي أن يروا أنفسهم على الخشبة لا كظلّ عابر، بل كحضور كامل.

كان يؤمن أن الرملة، بكل ما تحمله من تعب وتنوع وصعوبات، تستحق مسرحًا مهنيًا حقيقيًا، وأن الثقافة ليست امتيازًا للنخب، بل حاجة يومية للناس الذين يعيشون الحياة بكل ثقلها وصدقها.

ذلك الإيمان لم يكن شعارًا، بل ممارسة يومية.

لم يكن ميخائيل فانوس مديرًا تقليديًا، بل صاحب رؤية يعرف أن المؤسسة الثقافية ليست جدرانًا وبرامج، بل قدرة على خلق معنى جماعي للناس.

كان يرى في المسرح أداة لبناء الإنسان، لا فقط لإنتاج العرض.
وكان يدرك أن طفلًا يدخل المسرح للمرة الأولى قد تتغيّر داخله أسئلة العمر كله، وأن شابًا يقف على الخشبة قد يكتشف صوته الحقيقي للمرة الأولى، وأن مدينة كاملة يمكن أن تستعيد شيئًا من روحها عبر الفن.

لهذا لم يكن “مسرح الحياة” مساحة عروض فقط، بل مساحة وجود.

هناك رأيت الإنسان يُعاد خلقه أمامي.
يدخل الخشبة مثقلًا بحياته، ويخرج منها أخفّ قليلًا، أو أوضح، أو أقل خوفًا من نفسه.

كنا نعمل بشغف يشبه الإيمان.
نركض بين البروفات والنصوص والأحلام، نناقش، نجرّب، نخطئ ونبدأ من جديد. لكننا كنّا نعرف، في مكان عميق داخلنا، أننا لا نصنع عرضًا مسرحيًا فقط، بل نصنع ذاكرة ثقافية لمدينة كاملة، ونمنح الناس حقهم في أن يكون لهم فن يشبههم ويحكيهم.

ومع الوقت، لم يعد “مسرح الحياة” مجرد اسم.
صار حالة.
صار بيتًا.
وصار مساحة يقول فيها الإنسان:
أنا موجود.
أرى نفسي.
وأُرى.

أما ميخائيل فانوس، فكان من أولئك القلائل الذين لا يرفعون أصواتهم كثيرًا، لكنهم يتركون أثرًا عميقًا في كل مكان يمرّون به.

كان يؤمن بالناس قبل أن ينجحوا، وبالأفكار قبل أن تُثبت نفسها، وبالشباب والنساء والفنانين قبل أن يمنحهم المجتمع فرصته الكاملة.

تعلمت منه أن الثقافة ليست ترفًا، بل مسؤولية أخلاقية.
وأن المسرح ليس زينة للحياة، بل طريقة لفهمها.
وأن المؤسسة يمكن أن تتحول إلى بيت حين يقودها إنسان يرى الإنسان قبل النظام.

واليوم، حين أعود إلى تلك السنوات، لا أراها كذكرى عمل، بل كمرحلة ولادة داخلية كاملة.

أرى نساءً عدن إلى التعليم ليقلن للحياة إنهن ما زلن قادرات على البدء.
وأرى مسرحًا وُلد من الإيمان لا من الإمكانيات.
وأرى رجلًا منح الثقافة عمره، ومنح الناس ثقة لا تُنسى، وآمن أن الفن قادر على أن يجعل الإنسان أكثر إنسانية.

ولهذا، حين يسألني أحدهم عن سرّ حبي للمسرح والمسرحيين، لا أبحث عن إجابة معقدة.

أقول ببساطة:

لأن “مسرح الحياة” لم يكن مجرد مشروع…
بل كان لحظة وعي كاملة في حياتي.

ولأن ميخائيل فانوس لم يكن مجرد مدير…
بل من أولئك النادرين الذين يمرّون في حياة
الناس بهدوء، ثم يكتشفون بعد سنوات أنهم غيّروا شكل أرواح كاملة دون ضجيج.
:::



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصوت العربي في الكنيست: أقلية تعرف كل شيء… إلا حجم قوتها
- الحافلة التي لا تصل قصيدة ساخرة
- بين البيت والعمل والمقبرة… أتعلم كيف أمشي خفيفة
- المجلس الثوري بين التمثيل والإقصاء: قراءة في نتائج مؤتمر فتح
- سناء لهّب… حين يتحوّل المسرح إلى ضميرٍ يمشي بين الناس
- الزهور لا تُكتب على القبور
- الطريق الثامنة
- ديانا… المرأة التي هزمت الغياب
- عندما يسقط القناع من أفواههم
- الأذان ليس تهمة
- معركة الكراسي… حيث لا أحد يغادر فعليًا
- ا لنافذة التي تعلّمت الصمت
- حين يصبح الانقسام طريقة حياة…
- 📝قراءة في نص: -لم تخبر أحدًا... لكنها أنقذت الجميع- ...
- لم تخبر أحدًا… لكنها أنقذت الجميع
- حين يُطفأ البيت من الداخل
- من الرملة إلى رام الله… لقاءٌ مع المعنى في زمن الخسارات
- حين يمرّ الغياب بهدوء
- «أجنحة النور والأمل»… حين يتحوّل المرض إلى معنى قابل للحياة ...
- من بار إيلان إلى غزة ولبنان: كيف أصبحت الحرب عقيدة الليكود؟


المزيد.....




- الفنون والثقافة تنافسان الرياضة في إبطاء الشيخوخة
- الصدر الرجالي المكشوف.. هل يصبح أكثر إثارة من الفساتين الجري ...
- -2026 عامي الأخير-.. حسام السيلاوي يعلن اعتزال الغناء
- الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي.. لماذا لا تحصل على أفضل النتا ...
- -فجأة- فيلم ياباني عن المسنين ينافس على السعفة الذهبية
- تجارب رقمية وإصدارات تربوية.. كتب الأطفال تخطف الأضواء في مع ...
- مهرجان كان السينمائي-رامي مالك على السجادة الحمراء مع فيلم - ...
- مقاومة بالضوء.. محاولات لبعث السينما اليمنية من تحت الركام و ...
- لم يكن تعاونه الأول مع المخرج محمد دياب.. ماجد الكدواني ضيف ...
- نصوص سيريالية مصرية مترجمة للفرنسية(مخبزُ الوجود) الشاعر محم ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ميخائيل فانوس و”مسرح الحياة”… هناك تعلّمت أن الإنسان يمكن أن يُعاد خلقه