أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين يمرّ الغياب بهدوء














المزيد.....

حين يمرّ الغياب بهدوء


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 10:53
المحور: الادب والفن
    


في الرملة…
لا أحد يعود كما خرج.

مريم كانت تعرف ذلك، لكنها كانت تمارس الحياة كأن المعرفة لا تغيّر شيئًا في المصير.

في النهار تعمل في مركز للأطفال. تبتسم حين يُطلب منها ذلك، وتقول كلمات مطمئنة لأمهات متعبات، ثم تعود مساءً إلى بيتٍ صامت، لا يسأل ولا يجيب.

على الطاولة قهوة تُحضَّر كل ليلة ولا تُشرب. لم تعد عادة، بل محاولة خافتة لإقناع الوقت بأن شيئًا ما ما زال يحدث.

في الخارج، تمطر الرملة بهدوء يشبه الاعتذار، كأن المدينة لا تريد أن توقظ ما فيها من وجع.

في تلك الليلة، سُمع طرق على الباب.

فتحت.

كان يوسف، جارها المسن. في يده صحن طعام مغطّى، وفي ملامحه تعب طويل لا يحتاج شرحًا.

قال ببساطة:
“طبخت كثيرًا… والوحدة لا تُجيد الأكل وحدها.”

دخل دون أن يطلب إذنًا كاملًا، كأن الحضور في هذا الحي لا يحتاج إلى دعوة صريحة.

جلسا.

الصمت بينهما لم يكن غريبًا، بل مألوفًا كأنه جزء من الأثاث.

بعد لحظات قال يوسف:
“كان البيت ممتلئًا… ثم بدأ يفرغ ببطء، حتى لم أعد أعرف متى صار هذا الفراغ طبيعيًا.”

سكت قليلًا ثم أضاف:
“الأبناء لا يغادرون دفعة واحدة… ينسحبون من التفاصيل أولًا.”

مريم لم تجب فورًا. كانت تعرف هذا النوع من الغياب؛ الغياب الذي لا يُعلن نفسه، بل يتسلل حتى يصبح واقعًا.

قالت أخيرًا:
“أمي ماتت وهي تظن أنني بخير.”

جملة قصيرة، لكنها كانت كل ما تبقّى من حكاية طويلة.

ساد صمت لا يحتاج تفسيرًا، ولا يطلب عزاءً.

نهض يوسف ليغادر. عند الباب قال دون أن يلتفت كثيرًا:
“إذا اشتعل الضوء عندي… لا تترددي. ادخلي.”

أغلق الباب.

وبقيت مريم وحدها.

القهوة ما زالت على الطاولة.
المطر ما زال في الخارج.
والصورة على الجدار ما زالت تنظر دون أن تغيّر نظرتها.

لكن شيئًا دقيقًا انزاح داخلها، لا يُرى، لكنه يُشعر به.

اقتربت من النافذة.

الرملة في الليل مدينة تتعلّم كيف تتذكّر نفسها ببطء.

ثم قالت، كأنها لا تخاطب أحدًا بعينه:

“لسنا بحاجة إلى كثير من الناس…
نحتاج فقط ألا نُترك وحدنا في اللحظة التي لا نحتمل فيها الغياب.”

ثم تركت القهوة كما هي…
هذه المرة دون انتظار أن تبرد وحدها.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «أجنحة النور والأمل»… حين يتحوّل المرض إلى معنى قابل للحياة ...
- من بار إيلان إلى غزة ولبنان: كيف أصبحت الحرب عقيدة الليكود؟
- حين يُغلق القلب نفسه
- سامية حكيم… المرأة التي كانت تُشبه البيت
- أنا من فلسطين – وديع مرجية: قصيدة تتحوّل إلى وطنٍ لا يُغادَر
- ليس الخطر أن نخسر الانتخابات… بل أن يعتاد الناس خسارتنا -
- لم يمتْن في حادث… بل في طريقٍ يُهملهن
- العذرية كجرحٍ أول�قراءة في “يوميات عذراء” للكاتبة دين ...
- حين كُسرت الكاميرا… من الذي كُسر حقًا؟
- الدكتورة أميمة ذياب… سنشتاق لكِ ولن ننساكِ
- متأخرة بنصف خطوة
- حين يصير الدم ذاكرةً يومية: تأمّلات في القتل المنظّم داخل فل ...
- ما لا نشعر به… يُديرنا
- أمل مرقس: هنا… حيث يغنّي الفقدُ بصوتٍ لها
- قراءة في قصيدة للشاعرة رانية مرجية -الحذف بدل الانتظار- بقلم ...
- حين تُضرب الراهبة… تُفضَح المدينة
- الحذف بدل الانتظار
- “الموت سرّ العبور: حين ينحلّ الزمن في الأبدية ويستيقظ المؤمن ...
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما-
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما


المزيد.....




- ابنة حماة في مجلس الشعب.. من هي الفنانة روزينا لاذقاني التي ...
- كيف ولد -آخر المعجزات- من قصة نجيب محفوظ؟.. مخرج الفيلم يكشف ...
- سوريا: -الشرع- يختار الفنانة روزينا لاذقاني ضمن تشكيلته في م ...
- افتتاح معرض -الصين الإمبراطورية: سلالة تشينغ-، في قاعة الشعا ...
- فنانة في قائمة الشرع لمجلس الشعب.. من هي روزينا لاذقاني؟
- -الظلال في الجانب الآخر-.. كيف قارب المخرج الفلسطيني غالب شع ...
- تسمية الفنانة روزينا لاذقاني ضمن قائمة أعضاء مجلس الشعب في س ...
- اختيار الفنانة روزينا اللاذقاني لعضوية مجلس الشعب السوري
- حرفة -عظم اليمال المنحوت- تدخل سجل العلامات التجارية الإقليم ...
- فنانة ليبية تتهم مخرجا بتهمة خطيرة في مصر


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين يمرّ الغياب بهدوء