أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - سامية حكيم… المرأة التي كانت تُشبه البيت














المزيد.....

سامية حكيم… المرأة التي كانت تُشبه البيت


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 14:01
المحور: المجتمع المدني
    


بعض الناس لا يحتاجون إلى عمر كامل كي يتركوا أثرهم فينا.
يكفي أن نعبرهم مرتين، مصادفةً، ثم يظلون في الداخل كأنهم أقاموا هناك منذ الأزل.



التقيتُ سامية حكيم، أم المنذر، مرتين فقط، قبل نحو عشرين عامًا، في نشاط حزبي في الناصرة. كان المكان مزدحمًا بالوجوه والكلمات والسجائر الباردة وأكواب القهوة السريعة، وكانت البلاد يومها تشبه قلبًا متعبًا يبحث عن معنى إضافي للصمود. لا أتذكر كل الذين كانوا هناك، ولا ما قيل على المنصة، ولا حتى تفاصيل ذلك المساء البعيد، لكنني أتذكرها هي بوضوح مؤلم، كأن الذاكرة اختارتها وحدها لتنجو من النسيان.



دخلت المكان ببساطتها التي لا تشبه أحدًا. لم تكن تمشي كسياسية تعرف أن العيون عليها، بل كامرأة تعرف الناس ويعرفونها، امرأة جاءت من تعب الحياة الحقيقي، لا من شعاراتها. كانت تبتسم للجميع، تلك الابتسامة التي لا تؤدي واجبًا اجتماعيًا، بل تفتح بابًا داخليًا للطمأنينة. وحين صافحتني، شعرتُ للحظة أن يدها ليست يد امرأة واحدة، بل يد أمّ كاملة، يد تعرف كيف تربّت على التعب دون أن تُهينه.



كان في وجه سامية حكيم شيء نادر: قوة لا تُخيف، وحنان لا يُضعف. وهذا أجمل ما يمكن أن تملكه امرأة عبرت النضال والحياة والناس. كثيرون يصيرون قساة حين يكبر وجعهم، أما هي فبقيت دافئة، كأنها كانت تقاوم الخراب باللطف، وتقاوم القسوة بالاحتواء.



لم تكن أم المنذر مجرد ناشطة سياسية أو أول امرأة تدخل بلدية الناصرة. هذه تفاصيل يمكن أن تكتبها الصحف في سطور قليلة. أما الحقيقة الأعمق، فهي أنها كانت امرأة نجحت في أن تجعل السياسة أكثر إنسانية. لم تكن تفصل بين الوطن والناس، بين القضية والخبز اليومي، بين الموقف والحياة. كانت تعرف أن النضال الحقيقي ليس فقط أن تهتف عاليًا، بل أن تبقى قريبة من البشر رغم كل الخيبات.



أتخيلها الآن، بعد كل هذه السنوات، تمشي في شوارع الناصرة القديمة، تعرف أسماء الناس واحدًا واحدًا، تسأل عن أمهاتهم وأولادهم، تحمل همّ المدينة كما تحمل الأم رضيعها المتعب. بعض النساء لا يصنعن حضورًا عابرًا؛ بعضهن يتحولن إلى ذاكرة جماعية، إلى ظلّ آمن في مدينة مزدحمة بالخوف.



وربما لهذا كان رحيلها مؤلمًا حتى لمن لم يعرفوها طويلًا.



لأن الأرواح الصادقة تُشعرنا، ولو للحظات قليلة، أن هذا العالم يمكن احتماله.



منذ سمعتُ خبر رحيلكِ يا أم المنذر، وأنا أفتش في ذاكرتي عمّا قلتهِ لي يومها.
لا أتذكر الكلمات.
أتذكر فقط نبرة صوتكِ، ودفء يدكِ، وطريقتكِ في النظر إلى الناس كأنكِ تخافين عليهم جميعًا.



أتذكر أنني خرجتُ من ذلك اللقاء وأنا أشعر، دون سبب واضح، أن الدنيا أقل قسوة.



وهذا ما يفعله الطيبون دائمًا.
يمنحوننا، من حيث لا يدرون، قدرة إضافية على الاحتمال.



سلامٌ عليكِ في غيابكِ الثقيل.
سلامٌ على قلبكِ الذي اتّسع للناس وللوطن وللتعب الطويل.
سلامٌ على تلك البشاشة التي قاومت العمر والخذلان ولم تنطفئ.



أما الناصرة، فأظنها تعرف الآن أنها فقدت امرأة
لم تكن تشبه المناصب،
بل كانت تشبه البيت



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا من فلسطين – وديع مرجية: قصيدة تتحوّل إلى وطنٍ لا يُغادَر
- ليس الخطر أن نخسر الانتخابات… بل أن يعتاد الناس خسارتنا -
- لم يمتْن في حادث… بل في طريقٍ يُهملهن
- العذرية كجرحٍ أول�قراءة في “يوميات عذراء” للكاتبة دين ...
- حين كُسرت الكاميرا… من الذي كُسر حقًا؟
- الدكتورة أميمة ذياب… سنشتاق لكِ ولن ننساكِ
- متأخرة بنصف خطوة
- حين يصير الدم ذاكرةً يومية: تأمّلات في القتل المنظّم داخل فل ...
- ما لا نشعر به… يُديرنا
- أمل مرقس: هنا… حيث يغنّي الفقدُ بصوتٍ لها
- قراءة في قصيدة للشاعرة رانية مرجية -الحذف بدل الانتظار- بقلم ...
- حين تُضرب الراهبة… تُفضَح المدينة
- الحذف بدل الانتظار
- “الموت سرّ العبور: حين ينحلّ الزمن في الأبدية ويستيقظ المؤمن ...
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما-
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما
- قراءة نقدية في قصيدة “دفترُ الوجع: أقاربٌ، رفاقٌ، وقلبي” للش ...
- على وجهي ظلّ غيمة” للشاعرة ريما حمزة
- إلى الدكتور عادل جوده… حين يصبح النقد رؤية
- على حافة اليقظة


المزيد.....




- استمرار تدفق أفواج شاحنات المساعدات من معبر رفح البري لإغاثة ...
- الأردن.. مسارات جديدة لدعم العودة الطوعية للاجئين السوريين و ...
- مؤسسات الأسرى الفلسطينية: قانون الكنيست لإنشاء محكمة خاصة لم ...
- اعتقال سوري وتفتيش منازل إثر توغل إسرائيلي بالقنيطرة ودرعا
- الاحتلال يحتجز وكيل الأمين العام للأمم المتحدة في مطار بن غو ...
- حملة اعتقالات واسعة واقتحامات تطال مدرسة ومقاماً دينياً في ا ...
- مندوب سوريا في الأمم المتحدة: إعادة الإعمار شرط أساسي لعودة ...
- تنفيذ حكم الإعدام بحق جاسوس عمل لصالح الموساد الصهيوني
- إيمانويل ماكرون: فرنسا ستقدم إلى الأمم المتحدة إطارًا لمهمة ...
- الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: فرنسا ستقدم إلى الأمم المتحد ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - سامية حكيم… المرأة التي كانت تُشبه البيت