أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - حين يصير الدم ذاكرةً يومية: تأمّلات في القتل المنظّم داخل فلسطينييّ ال48














المزيد.....

حين يصير الدم ذاكرةً يومية: تأمّلات في القتل المنظّم داخل فلسطينييّ ال48


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 13:43
المحور: المجتمع المدني
    


في مدننا، لا يوقظنا صوت الرصاص بقدر ما يوقظنا الصمت الذي يليه. صمتٌ لا يشبه الحزن، بل يشبه التكيّف؛ كأنّنا لم نعد نفاجأ بالموت، بل نُعيد ترتيب حياتنا حوله. هنا، لا يحدث القتل كحادثة، بل كزمنٍ يتكرّر حتى يرسّخ نفسه كجزءٍ من المشهد.

ما يجري ليس “عنفًا عابرًا” ولا “موجة مؤقتة”، بل نظامٌ كامل لإنتاج العنف—نظامٌ يتغذّى من غياب، ويتمدّد في فراغ، ويعيد تشكيل المجتمع من الداخل. الرصاصة فيه ليست البداية، بل النتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة: مالٌ بلا رقابة، خوفٌ بلا حماية، وصمتٌ يتحوّل إلى بيئة.

الأمان حين يفقد معناه
الأمان، في تعريفه البديهي، حق. لا يُشترى ولا يُساوَم عليه.
لكن في واقعنا، انقلبت القاعدة: صار الأمان امتيازًا مشروطًا. تدفع لتنجو، تصمت لتستمر، وتتعلم كيف تتجنّب بدل أن تعيش.

لم يعد السؤال: “هل نحن آمنون؟”
بل: “كيف نؤجّل الخطر؟”

وهنا، لا يكون الدم جريمةً فحسب، بل لغةً تُستخدم لإدارة الحياة—وسيلة لفرض النفوذ، وترتيب العلاقات، وتحديد من يبقى ومن يُقصى.

أمّ تختصر العالم في غرفة
في بيتٍ ما، تُطفئ أمّ الأنوار قبل أن يحلّ الليل. لا لأن الظلام جاء، بل لأن الخوف سبقه. تجمع أبناءها في غرفةٍ واحدة، كأنها تختصر العالم إلى مساحة يمكن السيطرة عليها.
لا تشرح لهم ما يحدث، لكنها تغيّر لغتها:
لا تسألهم ماذا يريدون أن يصبحوا، بل أين يذهبون ومتى يعودون.

هكذا، لا يقتل العنف أجسادًا فقط… بل يُعيد صياغة الحياة نفسها.

حين تغيب الدولة كمعنى
الدولة، في معناها الأول، وعدٌ بالحماية. لكن ماذا يحدث حين يصبح هذا الوعد انتقائيًا؟

نحن أمام مفارقة واضحة:
حضورٌ قوي حين يتعلّق الأمر بالضبط والسيطرة، وغيابٌ مقلق حين يتعلّق بالحماية اليومية.

في هذا الفراغ، لا تبقى الساحة خالية. تظهر بنية بديلة: الجريمة المنظّمة.
لا كاستثناء، بل كمنظومة تُقرض، تُحصّل، تُعاقب، وتفرض قواعدها الخاصة.

ومع كل جريمة لا تُحلّ، لا يتراجع الأمن فقط… بل تتآكل الثقة، ويتحوّل القانون من مرجعية إلى احتمال.

الخطاب حين ينفصل عن الواقع
في الخطاب الرسمي، يُرفع شعار “فرض النظام” كحلٍّ حاسم. لكن الواقع يكشف مفارقة قاسية: الصوت أعلى من نتائجه.

شخصية مثل إيتمار بن غفير تجسّد هذا التناقض:
خطابٌ مكثّف عن الأمن، يقابله واقعٌ يتّسع فيه الشعور بانعدام الحماية في المجتمع العربي.

كلما ارتفع الخطاب، ازداد السؤال بساطةً وحدّة:
أين التغيير الفعلي في حياة الناس؟

حين لا يلمس الناس أثر السياسة في تفاصيل يومهم، يصبح الأمن سرديةً لا تجربة.

الجريمة كنظام
ما نراه ليس فوضى، بل تنظيمًا من نوع آخر:

“الخاوة” تتحوّل إلى نظام جباية مستقر
القروض السوداء تُنشئ علاقات تبعية طويلة
العنف يُستخدم كوسيلة ضبط وتنفيذ
هنا، لا تعمل الجريمة ضد النظام… بل داخل فراغه.

السؤال الأخطر
حين تفشل الدولة في فرض تعريفها للأمان، وتنجح العصابات في فرض تعريفها، يظهر سؤال لا يمكن تجاهله:

من يملك تعريف الحياة؟

هل الحياة قيمة ثابتة؟
أم امتياز يتغيّر حسب القدرة على الدفع والحماية؟

في هذه اللحظة، تتحوّل الأزمة من أمنية إلى أزمة معنى.
لأن المجتمع الذي لا يملك تعريفًا واضحًا للحياة، لا يستطيع الدفاع عنها.

الأخلاق في زمن الخوف
الخوف لا يفرض الصمت فقط، بل يعيد تشكيله كخيار عقلاني.
الابتعاد يصبح حكمة، والتجنّب يصبح نجاة.

لكن هذه “النجاة” الفردية تُنتج هشاشة جماعية:
كل صمتٍ يفتح مساحة أوسع للعنف، وكل انسحابٍ يترك فراغًا أكبر.

ما الذي يجب أن يتغيّر؟
المشكلة ليست في غياب الحلول، بل في التعامل مع النتائج بدل الأسباب.
أي معالجة جدية يجب أن تبدأ من الجذور:

تفكيك البنية الاقتصادية للجريمة
استعادة الثقة عبر عدالة فعّالة
الحدّ من انتشار السلاح
خلق بدائل حقيقية للشباب
مساءلة سياسية تقيس النتائج لا الخطابات
استعادة الحياة
المعركة ليست فقط ضد القتل… بل ضدّ تحوّله إلى أمر عادي.
ضدّ أن يصبح الخوف جزءًا من الهوية، والرصاص جزءًا من الصوت اليومي.

استعادة الأمان تعني استعادة المعنى:
أن تعود الحياة حقًا، لا امتيازًا.
وأن يعود الإنسان إنسانًا، لا احتمالًا.

خاتمة
المجتمعات لا تنهار حين تُصاب بالعنف…
بل حين تعتاد عليه.

وربما أخطر ما نواجهه اليوم ليس عدد الضحايا،
بل قدرتنا المتزايدة على التكيّف مع غيابهم.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما لا نشعر به… يُديرنا
- أمل مرقس: هنا… حيث يغنّي الفقدُ بصوتٍ لها
- قراءة في قصيدة للشاعرة رانية مرجية -الحذف بدل الانتظار- بقلم ...
- حين تُضرب الراهبة… تُفضَح المدينة
- الحذف بدل الانتظار
- “الموت سرّ العبور: حين ينحلّ الزمن في الأبدية ويستيقظ المؤمن ...
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما-
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما
- قراءة نقدية في قصيدة “دفترُ الوجع: أقاربٌ، رفاقٌ، وقلبي” للش ...
- على وجهي ظلّ غيمة” للشاعرة ريما حمزة
- إلى الدكتور عادل جوده… حين يصبح النقد رؤية
- على حافة اليقظة
- حيث يختبئ الله… بين رجفة الجسد وسكون الروح
- لم يَسَعْهُ الصمتُ… فانكَشَفَ كونًا
- ما لا نراه يحكمنا: اللاوعي كجذرٍ خفيّ للنزاعات وأفقٌ آخر للس ...
- نصفٌ لا ينجو
- مرثيّة إلى الإعلاميّة أمال خليل
- جوني منصور: من يلاحق الذاكرة… كي لا تضيع
- الدكتور بشارة مرجية: حين تصير الكتابة للطفل امتحانًا للمعنى ...
- في الذكرى الثانية لرحيل بثينة ضبيط: هذا الغياب الذي لا ينجح


المزيد.....




- خروقات مستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار: قصف إسرائيلي يستهدف خي ...
- لقاء عسكري نادر في غوانتانامو وسط تصاعد التوتر بين واشنطن وه ...
- بالقرب من -غوانتانامو-.. تفاصيل اجتماع -نادر- بين جنرال أمري ...
- 3 شهداء في غارة استهدفت نقطة شرطية بخانيونس وتصعيد يطال خيام ...
- اجتماع نادر بين عسكريين أمريكيين وكوبيين قرب غوانتانامو
- بوركينا فاسو تغلق مسجدا بعد اعتقال مناصري إمام موقوف
- مع تصاعد الضربات الإسرائيلية.. اليونيسف تكشف حصيلة الضحايا ا ...
- برنامج الأغذية العالمي: 7.2 ملايين شخص في جنوب السودان بحاجة ...
- الأمم المتحدة تحذر: سيطرة إسرائيل على 70% من غزة تُفاقم معان ...
- الأمم المتحدة: غزة يجب أن تكون بالكامل للفلسطينيين


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - حين يصير الدم ذاكرةً يومية: تأمّلات في القتل المنظّم داخل فلسطينييّ ال48