أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - حيث يختبئ الله… بين رجفة الجسد وسكون الروح














المزيد.....

حيث يختبئ الله… بين رجفة الجسد وسكون الروح


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 19:02
المحور: قضايا ثقافية
    


في البدء، لم يكن هذا الطريق قرارًا بقدر ما كان استجابة لنداءٍ خافت، نداءٍ لا يُسمع إلا حين يصمت الداخل بما يكفي. كأن الروح سبقتني إليه، وحين لحقتُ بها، لم أجد مهنة… بل وجدت نفسي على عتبة سرّ.

لم أدخل هذا العالم لأُصلح خللًا، بل لأتعلّم كيف أرى. أن أرى الإنسان خارج المقاييس، خارج التصنيفات، خارج ذلك الوهم الذي يجعلنا نعتقد أن الفهم شرطٌ للمحبة. هناك، في هذه المساحة التي تبدو هشّة، بدأت أرى صلابة أخرى—صلابة الروح حين تُترك على حقيقتها.

أذكرها…

شابة من ذوي التوحّد، يسكن جسدها أيضًا الصرع، كأن الحياة اختارت أن تكتب قصتها على إيقاعين: صمتٌ عميق، ورجفةٌ لا تستأذن.

كانت تميل إلى العزلة، لا لأنها ترفض العالم، بل لأن العالم أعلى من أن يُحتمل. عيناها لا تستقران طويلًا، وكلماتها قليلة، لكنها حين تبتسم… يحدث شيء في الداخل، كأن الضجيج ينطفئ دون تفسير.

في أحد الأيام، ونحن معًا، جاءت النوبة.

سقط الجسد فجأة، واهتزّ بعنفٍ لا يشبهه. للحظة، انكمش كل ما أعرفه. لم يبقَ من المعرفة إلا ما يصلح للبقاء: أن أكون هنا. ركعتُ قربها، لا كمتخصّصة، بل كإنسانة تمسك اللحظة بيديها كي لا تسقط.

كان الجسد يرتجف… لكن شيئًا أعمق منه كان ثابتًا بطريقة لا تُرى.
وكان هناك صمتٌ كثيف، لا يشبه الفراغ… بل يشبه الحضور.

ثم هدأت.

عاد الجسد تدريجيًا إلى سكونه، كأن العاصفة انسحبت إلى داخلها. فتحت عينيها. لم تقل شيئًا. لم تحاول أن تشرح، ولم أطلب. فقط نظرت.

نظرة قصيرة… لكنها لم تمر.

لم تكن نظرة مَن ينتظر المساعدة،
بل نظرة تقول دون كلمات: أنا هنا.
رغم كل شيء… أنا هنا.

في تلك اللحظة، لم أصل إليها… بل سقطت من وهمي إليها.
وسقطت اللغة معها.

منذ ذلك اليوم، لم تعد النوبات مجرد أحداث تُدار، بل لحظات تكشف ما لا يظهر في العافية. لحظات يُجرَّد فيها الإنسان من السيطرة… فيظهر، بلا حماية، كما هو.

هؤلاء ليسوا حالات…
إنهم حضور خام، بلا أقنعة.
وفي هذا الحضور، ينكشف شيء ننساه كثيرًا: أن الإنسان لا يُقاس بقدرته على التماسك، بل بقدرته على أن يبقى.

هناك، بين النوبة والسكون،
في تلك المسافة التي لا تُفسَّر…
كان الصمت ممتلئًا بما يكفي.
ممتلئًا… بالله.

ومنذ ذلك الحين، تغيّر كل شيء دون إعلان.

لم أعد أبحث عن الفهم كما كنت،
ولا عن النتائج،
ولا حتى عن الكلمات الصحيحة.

صار يكفيني أن أبقى.

أن أكون أقل تفسيرًا… وأكثر إصغاء.
أقل حكمًا… وأكثر رحمة.
أقل خوفًا من الهشاشة… وأكثر قربًا منها.

هذا الطريق لم يعد عملًا يُمارس،
بل مكانًا أعود إليه كل يوم… لأتذكّر كيف أكون إنسانة.

وسأبقى.

لا كمن يُصلح،
بل كمن يتعلّم أن يرى.
لا كمن يملك النور،
بل كمن يتدرّب على احتماله.

لأنني هناك،
حيث يهرب العالم من الضعف،
وجدت حضورًا لا يهرب… بل ينتظر.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لم يَسَعْهُ الصمتُ… فانكَشَفَ كونًا
- ما لا نراه يحكمنا: اللاوعي كجذرٍ خفيّ للنزاعات وأفقٌ آخر للس ...
- نصفٌ لا ينجو
- مرثيّة إلى الإعلاميّة أمال خليل
- جوني منصور: من يلاحق الذاكرة… كي لا تضيع
- الدكتور بشارة مرجية: حين تصير الكتابة للطفل امتحانًا للمعنى ...
- في الذكرى الثانية لرحيل بثينة ضبيط: هذا الغياب الذي لا ينجح
- كأننا نحنُ الذين تأخّرنا عن الرحيل
- “بين اللدّ والرملة: صيغةٌ للبقاء”
- بيانُ الشَّرخِ الأوّل
- مذكّرات شاعرية لبراءة غسان: حين تصبح القصيدة مرآةً للإنسان
- شيرين أبو عاقلة… حين تعجز الرصاصة عن إيقاف الصوت
- حين يُعاد اختراع الظل… المثقف كضميرٍ يُنقذ المعنى من العدم
- معجزاتٌ مؤجَّلة: في مديح الزمن الذي يُربّي أرواحنا
- بسام زعمط… الضحك بوصفه مقاومةً للنسيان
- بين الإنجيل والقرآن… حين يخون الإنسان نصّه
- بين أن تملك… وأن تكون
- على درجِ القدس-
- قيامة القلب — نشيد النور في جرح الإنسان
- ✍️ لن يعود أحد


المزيد.....




- نظريات مؤامرة بعد هجوم حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض.. ما هي؟ ...
- -نظرًا لما تقتضيه المصلحة الوطنية-.. الإمارات تعلن خروجها من ...
- صحيفة إسرائيلية تتهم مصر باتباع سياسة -مزدوجة ومقلقة- تجاه ت ...
- -اليونسيف-: قيود طالبان تهدد بخسارة أفغانستان 25 ألف معلمة و ...
- تحقيق في -حادثة حساسة- ببنت جبيل.. كيف دخل أربعة إسرائيليين ...
- قطر تحذر من -صراع مجمّد- في الخليج وترفض إغلاق مضيق هرمز
- دول الخليج تعقد قمة في جدة لبحث الرد على ضربات إيران
- إيران وكابلات مضيق هرمز: من يحمي العمود الفقري الرقمي للعالم ...
- ديوان -ضد الأمل- لمبين خشاني: قصيدة تحكي وجع جيل من العراقيي ...
- ما هي زوارق -غارك- غير المأهولة التي نشرها البنتاغون في مضيق ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - حيث يختبئ الله… بين رجفة الجسد وسكون الروح