أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - نصفٌ لا ينجو














المزيد.....

نصفٌ لا ينجو


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 11:59
المحور: الادب والفن
    


في مدينةٍ لا تحتفظ بأسماء ساكنيها، كانت ليان تمرّ دون أن يثبتها شيء. لم تكن وحيدة، لكن حضورها كان خفيفًا، كأنها تعيش على الحافة دون أن تسقط. كانت تُنجز يومها بهدوءٍ متقن، وتترك ما بداخلها معلّقًا، كما لو أن الشعور يمكن تأجيله دون ثمن.

كانت تكتب، لا لتفهم، بل لتبقي شيئًا ما قريبًا منها. جمل قصيرة، بدايات بلا نهايات، وأسماء لا تعود إلى أحد. كأن حياتها تُكتب بنصف وعي.

لكن الليل لم يكن يمرّ مثل غيره. حين تغمض عينيها، لا تحلم، بل تعود إلى مكانٍ لا زمن فيه، ولا حاجة فيه لأن تبدأ الأشياء أو تنتهي. هناك، كانت تُدعى أورِيل.

لم يكن الصمت في ذلك العالم غيابًا، بل كثافة تملأ كل شيء. كانت الأرواح تأتي دون صراخ أو شكوى، تقترب فقط، وتترك ما لم تستطع حمله: ذكرى ناقصة، كلمة انقطعت، إحساسًا بلا اسم. وكانت أورِيل تستقبلها، لا بدافع الإنقاذ ولا الرحمة، بل لأن شيئًا فيها كان يعرفها؛ كأن الألم، إذا فقد صاحبه، يبحث عمّن يشبهه.

حتى تلك الليلة، لم تقترب الروح. وقفت بعيدًا بثباتٍ لا ينتظر شيئًا. اقتربت أورِيل وسألت: “من أنتِ؟” فأجابت: “أنا ليان.”

لم ينكسر العالم، لكن شيئًا أعمق انفتح. عادت غرفة صغيرة، باب مغلق، وصوت لا يُفهم لكنه يُؤلم. طفلة تجلس على الأرض، وفي يدها صورة ممزقة؛ نصفها معها، والنصف الآخر غائب. لم تبكِ، نظرت فقط إلى ما بقي، وإلى الفراغ. في تلك اللحظة، لم تختفِ مشاعرها، بل انقسمت. بقيت ليان خفيفة بما يكفي لتعيش، وذهبت أورِيل حاملة ما لا يُحتمل.

عادت إلى الحاضر، وقالت أورِيل: “تركتِني.” أجابت ليان بهدوء: “ظننت أنني أنجو.” فقالت أورِيل: “وأنا عشت ما تركتِه.” ساد صمت، لكنه لم يكن فراغًا هذه المرة، بل شيئًا يشبه الحقيقة. سألت: “هل تعبتِ؟” فأجابت: “منذ البداية.” قالت ليان: “وأنا لم أشعر منذ ذلك اليوم.” اقتربت أورِيل خطوة وقالت: “لا أحد منا نجا.”

في العالم الواقعي، كانت ليان جالسة أمام دفترها. القلم بين أصابعها، والصفحة تنتظر. أغمضت عينيها، فعاد الألم بلا مسافة. ضاق صدرها، وتسارعت أنفاسها، وكادت تتراجع. كان بإمكانها أن تعود كما كانت: هادئة، خفيفة، ناقصة. لكن صوتًا صغيرًا قال: “هذا أنا.”

لم يكن قويًا، لكنه لم يتردد. بكت، لا لتفهم ولا لتسيطر، بل لأن البكاء حدث. وحين هدأت، لم يختفِ الألم، لكنه لم يعد غريبًا.

فتحت عينيها، ولم تعد ليان فقط، ولا أورِيل فقط، بل الاثنتين معًا. نظرت إلى الصفحة، وكتبت:

“لم أنجُ حين انقسمت، كنت فقط أؤجل السقوط. واليوم، لا أبحث عن النجاة… أنا أبقى.”

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الكتابة محاولة للفهم، بل طريقةً للوجود. فبعض القصص لا تُكتب لتُقرأ، بل لتُعيد أصحابها إلى أنفسهم. وهذه كانت واحدة منها



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرثيّة إلى الإعلاميّة أمال خليل
- جوني منصور: من يلاحق الذاكرة… كي لا تضيع
- الدكتور بشارة مرجية: حين تصير الكتابة للطفل امتحانًا للمعنى ...
- في الذكرى الثانية لرحيل بثينة ضبيط: هذا الغياب الذي لا ينجح
- كأننا نحنُ الذين تأخّرنا عن الرحيل
- “بين اللدّ والرملة: صيغةٌ للبقاء”
- بيانُ الشَّرخِ الأوّل
- مذكّرات شاعرية لبراءة غسان: حين تصبح القصيدة مرآةً للإنسان
- شيرين أبو عاقلة… حين تعجز الرصاصة عن إيقاف الصوت
- حين يُعاد اختراع الظل… المثقف كضميرٍ يُنقذ المعنى من العدم
- معجزاتٌ مؤجَّلة: في مديح الزمن الذي يُربّي أرواحنا
- بسام زعمط… الضحك بوصفه مقاومةً للنسيان
- بين الإنجيل والقرآن… حين يخون الإنسان نصّه
- بين أن تملك… وأن تكون
- على درجِ القدس-
- قيامة القلب — نشيد النور في جرح الإنسان
- ✍️ لن يعود أحد
- ما لا يعود
- نشيد ما بعد الاسم
- هل سبقت الإنسانية الأديان؟ إعادة التفكير في أصل الضمير


المزيد.....




- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...
- مقابلة خاصة - الشاعرة التونسية -ريم الوريمي- ترسم بقصيدتها ل ...
- عراقجي: إرتقاء الدكتور -لاريجاني- شكّل غيابا لاحد الركائز ال ...
- وداعا عادل العتيبي.. رحيل مفاجئ لنجم -طاش ما طاش- يصدم الوسط ...
- الاعتدال العنيد: قراءة في العقل السياسي والتحولات الفكرية لح ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - نصفٌ لا ينجو