أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - معجزاتٌ مؤجَّلة: في مديح الزمن الذي يُربّي أرواحنا














المزيد.....

معجزاتٌ مؤجَّلة: في مديح الزمن الذي يُربّي أرواحنا


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 13:21
المحور: الادب والفن
    


في الخامسة فجراً، تجلسُ امرأةٌ على حافة سريرها.
لا تبكي. لم يعد في البكاء ما يُقال.
أمامها علبةُ دواء، هاتفٌ صامت، ونافذةٌ تُدخِل ضوءًا خافتًا يشبه التردّد.
تقول—بهدوءٍ لا يسمعه أحد:
“ربما لن يحدث شيء.”

هذه الجملة، حين تُقال بلا انفعال، ليست يأسًا كما تبدو.
إنها لحظةُ عبور.

ليست المعجزة ومضةً تُنهي العتمة، كما نحبّ أن نُصدّق.
ولا يدًا تهبط من السماء لتُعيد ترتيب الفوضى في لحظة.
المعجزة، في أكثر صورها صدقًا، تأتي متأخّرة.
تأتي بعد أن نُستنزف، بعد أن نكفّ عن المطالبة، بعد أن نتعلّم—مكرهين—أن نعيش دون ضمان.

التأجيل ليس نفيًا.
إنه طريقة أخرى للحضور.

حين لا يُستجاب الدعاء في توقيته الذي أردناه، لا يعني ذلك أنه لم يُسمَع.
بل يعني—غالبًا—أن الإجابة لم تكتمل بعد في الداخل.
هناك، في طبقاتٍ لا نراها، يحدث العمل الحقيقي:
تتصدّع الصور الساذجة عن أنفسنا، تتهاوى يقينيّاتنا السريعة، ونُدعى إلى نضجٍ لم نطلبه، لكنه الوحيد القادر على حمل ما سنُعطى.

لهذا، تُؤجَّل المعجزات.
ليس لأنها بعيدة، بل لأننا كنّا قريبين من طلبها بطريقةٍ خاطئة.

في التجربة الإنسانية ما يضيء هذا المعنى بوضوح.
لم تكن سبعةٌ وعشرون عامًا في سجن نيلسون مانديلا تأخيرًا لحرّيته فقط، بل إعادةَ صياغةٍ لإنسانٍ سيخرج لاحقًا أقلّ رغبةً في الانتقام، وأكثر قدرةً على بناء معنى للعدالة.
ولو خرج باكرًا، لربما انتصر سياسيًا… وخسر إنسانيًا.

ولم تكن عتمة هيلين كيلر نهاية، بل بداية بطيئة لمعجزةٍ من نوعٍ آخر: أن تُخلق اللغة داخل الصمت.
لم تستعد الحواس، لكنها صنعت معنىً يفوقها.

أما توماس إديسون، فلم ينتظر الضوء بقدر ما تعلّم كيف لا يخاف من الظلام.
آلاف المحاولات التي بدت فشلًا لم تكن سوى تأجيلٍ مُثمرٍ للحظةٍ واحدة تستحق أن تُولد.

لكن المعجزات المؤجَّلة لا تسكن كتب التاريخ فقط.
إنها تحدث هنا، بصمت، في حياتنا اليومية:

في أمٍّ تؤجّل انهيارها لتُطعم أبناءها.
في شابٍّ ينهض كل صباحٍ إلى عملٍ لا يحبّه، فقط لأنه لا يملك رفاهية السقوط.
في مريضٍ يبتسم، لا لأنه شُفي، بل لأنه قرّر أن لا يُختزل في مرضه.

هذه ليست تفاصيل عابرة.
هذه معجزاتٌ صغيرة، لا تُرى، لكنها تُعيد تعريف القوة.

المشكلة ليست في أنّ المعجزة تتأخّر،
بل في أننا لا نعترف بما يحدث أثناء التأجيل.

نظنّ أنّ الحياة توقّفت، بينما هي—في أعمق طبقاتها—تعمل علينا.
نحسب أننا عالقون، بينما نحن نُعاد صياغتنا.
نخاف من الفراغ، دون أن نرى أنه الورشة الوحيدة التي يُمكن أن يُبنى فيها إنسانٌ جديد.

الإيمان، هنا، لا يعود انتظار نتيجة.
بل يصبح قدرة على البقاء.

أن تقول: “سأكمل، حتى إن لم أفهم.”
أن تثق، لا لأنك ترى، بل لأنك لم تعد بحاجة لأن ترى كل شيء.
أن تُدرك—بهدوءٍ قاسٍ—أن بعض الأبواب التي أُغلقت لم تكن عقابًا، بل حماية من نسخةٍ أقلّ منك.

وحين تصل المعجزة—إن وصلت—لن تكون كما طلبتها.
ستكون أكثر هدوءًا، أقلّ استعراضًا، وأشدّ التصاقًا بك.

قد لا تغيّر العالم،
لكنها ستكون قد غيّرتك بما يكفي لتراه بشكلٍ مختلف.

في النهاية، لا يُقاس عمق الإنسان بما حصل عليه،
بل بما تحمّله وهو ينتظر.

فإذا وجدت نفسك يومًا، عند الفجر،
أمام نافذةٍ لا تُعطيك جوابًا،
وقلت بهدوء: “ربما لن يحدث شيء”—

تذكّر:
ربما… كلّ شيء يحدث الآن.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بسام زعمط… الضحك بوصفه مقاومةً للنسيان
- بين الإنجيل والقرآن… حين يخون الإنسان نصّه
- بين أن تملك… وأن تكون
- على درجِ القدس-
- قيامة القلب — نشيد النور في جرح الإنسان
- ✍️ لن يعود أحد
- ما لا يعود
- نشيد ما بعد الاسم
- هل سبقت الإنسانية الأديان؟ إعادة التفكير في أصل الضمير
- أحد الشعانين: حين يهتف القلب بما لا يثبت عليه
- ترامب… حين تتحول السياسة إلى ضجيجٍ كوني، والشرق الأوسط إلى م ...
- حين يُعاد تعريف الإنسان: في العمل مع طيف التوحد والإعاقات ال ...
- “الحساسية المفرطة: مأزق الوعي حين يرى الإنسان أكثر مما ينبغي ...
- 30 آذار: الأرض بوصفها ما لا يُقال إلا بالعيش
- 30 آذار: الأرض حين ترفض أن تتحول إلى ذكرى
- عاش المسرح … حيث يولد الإنسان من رماده كل يوم وكل دقيقة وأنت ...
- أحمد قعبور — مرثيّة على حافة الصوت
- على حافة الطمأنينة… تبدأ الثورة
- لا شرف في الدم: لماذا تُقتل النساء؟
- ما بين الطيبة والسذاجة: هندسة الوعي وحدود القلب


المزيد.....




- -كأنه خارج من فيلم خيال علمي-.. طيار أمريكي يكشف ما رآه قبل ...
- -ليس فقط لراكبي الدراجات-... بطرسبورغ تستضيف مهرجان -بيتر مو ...
- كوابيسها تلاحقك بعد العرض؟.. هذه أبرز أفلام الرعب في النصف ا ...
- طهران تعلن اختتام المحادثات الفنية مع واشنطن دون حسم ملف الأ ...
- إيران: المباحثات الفنية مع واشنطن تفضي لاتفاق على تشكيل مجمو ...
- سرقة تهز منزل المخرج محمد عبد العزيز.. وكاميرات المراقبة ترص ...
- وزارة الثقافة الروسية تقرر البدء الفوري في ترميم متحف -الدفا ...
- بدء عملية اختيار الأفلام المرشحة للفوز بجائزة -الفراشة الماس ...
- في ذكرى ميلادها.. آنا أخماتوفا بين مجد الشعر ومآسي القرن الر ...
- معهد موسكو للفنون المسرحية يعرض -كيف يولد الأبطال- لأول مرة ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - معجزاتٌ مؤجَّلة: في مديح الزمن الذي يُربّي أرواحنا