أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - هل سبقت الإنسانية الأديان؟ إعادة التفكير في أصل الضمير














المزيد.....

هل سبقت الإنسانية الأديان؟ إعادة التفكير في أصل الضمير


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 02:15
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يكن الإنسان بحاجة إلى منظومةٍ معقّدة ليُدرك أن الألم سيّئ.
كانت التجربة وحدها كافية.

هذه الفكرة، على بساطتها، تُعيد طرح سؤالٍ قديم بصيغة مختلفة: هل الأخلاق نتاج تعاليم منظّمة، أم أنها سابقة عليها، كامنة في بنية الإنسان نفسه؟ قبل ظهور الأديان بوصفها أنظمةً تفسيرية وأخلاقية، كان الإنسان يعيش خبراته الأولى مع الألم، والخوف، والتعاطف—وهي خبرات لا تحتاج إلى تعريف كي تُفهم، ولا إلى نص كي تُمارس.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الإنسانية لا كقيمة مكتسبة، بل كاستجابة أولية: قدرة الكائن على التفاعل مع معاناة غيره، حتى دون إطارٍ نظري يفسّر ذلك. هذه القدرة، التي تظهر بوضوح في التجارب الإنسانية المبكرة، تشير إلى أن التعاطف ليس بالضرورة نتيجة تعليم، بل قد يكون جزءًا من التكوين النفسي نفسه.

مع ظهور الأديان، لم تبدأ الأخلاق من الصفر، بل دخلت مرحلة جديدة من التنظيم والتأويل. فقدّمت الأديان لغةً مشتركة لتوصيف الخير والشر، وحدّدت مسارات واضحة للسلوك، وربطت الفعل الأخلاقي بمعنى يتجاوز التجربة الفردية. بهذا المعنى، يمكن اعتبارها محاولة لتثبيت ما هو متقلّب، وتأطير ما هو حدسي.

غير أن هذا التحوّل من الإحساس إلى التنظيم لم يكن بلا أثر.

حين يُعاد تعريف الأخلاق ضمن منظومةٍ محددة، يتغيّر موقعها داخل الإنسان. لم يعد السؤال الأخلاقي ينبع دائمًا من التجربة المباشرة—“هل هذا يؤلم الآخر؟”—بل أصبح، في كثير من الأحيان، مرتبطًا بإطارٍ معياري—“هل هذا جائز؟”.

أخطر ما يمكن أن يحدث للأخلاق، ليس أن تُرفض…
بل أن تُمارس دون أن تُشعر.

هذا الانتقال لا يلغي البعد الإنساني، لكنه قد يضعف حضوره، أو يؤجله لصالح الامتثال. وهنا تظهر مفارقة لافتة: يمكن للإنسان أن يلتزم بقواعد أخلاقية دون أن يعيشها شعوريًا، كما يمكنه أن يتجاهل إحساسًا داخليًا لصالح تفسيرٍ خارجي. في هذه الحالة، لا تختفي الإنسانية، لكنها تتراجع إلى مستوى أقل ظهورًا—تظل حاضرة في شكل إحساسٍ غامض بعدم الارتياح، أو في لحظة تردّد يصعب تفسيرها ضمن القواعد وحدها.

من منظور نفسي، يشير هذا إلى أن الضمير ليس مجرد انعكاسٍ للتعليم، بل هو أيضًا تجربة داخلية معقّدة، تتشكّل من التفاعل بين الإحساس، والتنشئة، والمعنى. أما فلسفيًا، فيمكن القول إن العلاقة بين الإنسانية والدين ليست علاقة تعارض، بل توتر مستمر بين الأصل والتأويل، بين ما يُشعر به وما يُعرَّف.

القول بأن الإنسانية سبقت الأديان لا يعني التقليل من دورها، بل يفتح المجال لإعادة التفكير في الأساس الذي تقوم عليه الأخلاق. هل هي مفروضة من الخارج، أم منبثقة من الداخل؟ وهل يمكن لأي منظومة، مهما بلغت من الدقة، أن تحلّ محل ذلك الصوت الفردي الذي يتشكّل في مواجهة التجربة المباشرة؟

ربما لا تكمن الإجابة في اختيار أحد الطرفين، بل في إدراك العلاقة بينهما. فحين ينفصل النظام عن الإحساس، يفقد جزءًا من معناه. وحين يبقى الإحساس بلا إطار، يظل عرضةً للتذبذب. التحدي، إذًا، ليس في إثبات أسبقية أحدهما، بل في الحفاظ على توازنهما.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل ما زال الإنسان قادرًا على الإصغاء إلى ذلك الشعور الأول—البسيط والعميق—قبل أن تُعيده التفسيرات إلى مساراتٍ جاهزة؟

لأن مستقبل الأخلاق لا يتحدد فقط بما نؤمن به،
بل بمدى قدرتنا على أن نشعر… قبل أن نجد مبررًا لعدم الشعور.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحد الشعانين: حين يهتف القلب بما لا يثبت عليه
- ترامب… حين تتحول السياسة إلى ضجيجٍ كوني، والشرق الأوسط إلى م ...
- حين يُعاد تعريف الإنسان: في العمل مع طيف التوحد والإعاقات ال ...
- “الحساسية المفرطة: مأزق الوعي حين يرى الإنسان أكثر مما ينبغي ...
- 30 آذار: الأرض بوصفها ما لا يُقال إلا بالعيش
- 30 آذار: الأرض حين ترفض أن تتحول إلى ذكرى
- عاش المسرح … حيث يولد الإنسان من رماده كل يوم وكل دقيقة وأنت ...
- أحمد قعبور — مرثيّة على حافة الصوت
- على حافة الطمأنينة… تبدأ الثورة
- لا شرف في الدم: لماذا تُقتل النساء؟
- ما بين الطيبة والسذاجة: هندسة الوعي وحدود القلب
- في حضرة الخوف: كيف تتعلم الروح أن ترجُو
- توجيه المجموعات بين الإنصات، المسؤولية، الوعي، والإنصاف
- جوع لا يُشبعه الخبز حين تتضور الأرواح عطشًا للحب والتقدير
- الموت الفجائي: الرسالة التي لم تُقرأ
- صافرة الإنذار… حين تعرّي الإنسان قراءة وجدانية في قصة «ملاجئ ...
- حين تقاوم الطفولة الحرب
- حين يبقى الإنسان تلميذاً للحياة
- الدقيقة التي لم تُعَش
- ليست الحدود في العلاقات قسوة… بل شكلٌ ناضج من أشكال المحبة.


المزيد.....




- القيادة المركزية الأمريكية تفند 3 مزاعم إيرانية بشأن مضيق هر ...
- إسرائيل تحظر تحليق أطقم جوية من نحو 30 دولة في أجوائها بعد ح ...
- -تجارب إيرانية على الباليستي والمسيرات- والجيش الإسرائيلي ير ...
- الجيش الإسرائيلي ينشر رسالة لنجل السنوار في بداية الحرب
- ترامب يتعهد بهزيمة نهائية لإيران في وقت قياسي وانهيار يشبه - ...
- حالة طبية نادرة.. ناب ينمو في تجويف عين مراهق هندي
- لندن تعيد النظر في صفقة أقمار صناعية مع واشنطن بعد قيود -ستا ...
- هل يشعل الحوثيون الجزيرة العربية؟
- ترامب: سنكثف الهجمات الأمريكية على كارتلات المخدرات في أمريك ...
- السعودية والحوثيون.. تصعيد ينذر بحرب شاملة


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - هل سبقت الإنسانية الأديان؟ إعادة التفكير في أصل الضمير