أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - حين يُعاد اختراع الظل… المثقف كضميرٍ يُنقذ المعنى من العدم














المزيد.....

حين يُعاد اختراع الظل… المثقف كضميرٍ يُنقذ المعنى من العدم


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 15:02
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس التزييف، في جوهره، كذبةً صريحة بقدر ما هو براعة في إعادة ترتيب الحقيقة حتى تفقد ملامحها الأولى. إننا لا نعيش زمنًا تُخفى فيه الوقائع، بل زمنًا تُغرق فيه في وفرةٍ مُربكة من السرديات، بحيث يصبح الوصول إلى المعنى فعلًا شاقًا، يتطلب بصيرة لا مجرد بصر. وهنا تتجلى مأساة اللحظة: فالتاريخ لم يعد يُكتب بعد انقضاء الأحداث، بل يُصاغ في لحظته، تحت ضغط السرعة، وسط ضجيج التأويل، وداخل بنية إعلامية لا تنقل الحدث فحسب، بل تعيد تشكيله.

في هذا المشهد، يغدو المثقف كائنًا يقظًا، لا لأنه يمتلك الحقيقة، بل لأنه يشعر بخطر ضياعها. إن مسؤوليته لا تكمن في ادّعاء امتلاك الرواية الصحيحة، بل في مقاومة الرواية السهلة. فالتزييف لا ينتصر بقوته، بل بكسل من يملكون القدرة على مساءلته. ومن هنا، فإن الكتابة ليست ترفًا فكريًا، بل فعل أخلاقي، وموقف وجودي، ومحاولة دائمة لإنقاذ المعنى من أن يتحول إلى مادة استهلاكية عابرة.

إن المثقف لا يكتب بوصفه مؤرخًا، بل بوصفه شاهدًا واعيًا بانحيازات الذاكرة. فالشهادة ليست نقلًا محايدًا، بل إعادة بناء للحدث من زاوية إنسانية، تُنصف ما يتم إقصاؤه، وتُضيء ما يُراد له أن يبقى في العتمة. وهنا، تتقاطع الكتابة مع الوعي، ليشكّلا معًا ما يمكن تسميته “ضمير النص”، ذلك الصوت الداخلي الذي يرفض التبسيط، ويُصرّ على التعقيد بوصفه شكلًا من أشكال العدالة.

ولعل أخطر ما نواجهه اليوم ليس في تزوير الوقائع الكبرى فحسب، بل في تطبيع الزيف اليومي، ذلك الذي يتسلل عبر اللغة، عبر العناوين، وعبر الصور المنتقاة بعناية لتصنع انطباعًا لا علاقة له بالحقيقة. وهنا، تصبح اللغة نفسها ساحة مواجهة: فإما أن تكون أداة تزييف ناعم، أو أداة كشف حاد. وعلى المثقف أن يختار موقعه بوعي.

في هذا السياق، لا يكفي الوعي النظري وحده، بل يتطلب الأمر ممارسة يومية لفعل التوثيق. في مقاله، في ملاحظاته، في شهادته الصغيرة التي قد تبدو هامشية اليوم، لكنها غدًا قد تكون خيطًا يُنقذ الحقيقة من الضياع. إن التفاصيل التي لا تلتفت إليها السرديات الكبرى، هي ذاتها التي تُشكّل لاحقًا جوهر الذاكرة الحقيقية.

ولعل استحضار نماذج مضيئة من تاريخ الفكر والكتابة، يُعيد التذكير بأن مقاومة التزييف ممكنة. حين كتب عبد الرحمن الكواكبي عن الاستبداد، لم يكن يوثّق واقعًا فحسب، بل كان يفضح آلية تحويل القمع إلى نظام مقبول. وحين قدّم إدوارد سعيد قراءته النقدية للسرديات الغربية، كشف كيف يمكن للمعرفة أن تتحول إلى أداة هيمنة. أما حنة آرندت، فقد نبّهت إلى أن الخطر لا يكمن دائمًا في الشر الصريح، بل في ذلك الذي يُمارس ببرود، دون تفكير.

وفي الأدب، تتجلى هذه المسؤولية بوضوح آخر. فقد جعل غسان كنفاني من السرد مساحةً لحفظ الذاكرة من التلاشي، بينما حوّل محمود درويش الكلمة إلى شكل من أشكال البقاء، حيث يصبح الشعر توثيقًا موازياً للتاريخ، لا يقل صدقًا عنه، وإن اختلفت أدواته. وحتى في كتابات ألبير كامو، نلمس كيف يمكن للإنسان أن يتمسك بالمعنى في عالمٍ يهدده العبث.

هذه النماذج لا تُقدَّم بوصفها قوالب جاهزة، بل بوصفها إشارات إلى أن المثقف الحقيقي لا يكتفي بوصف العالم، بل يسعى إلى تفكيك آلياته، وإعادة طرحه على نحوٍ يُعيد للإنسان مكانته داخل السرد. فالمسؤولية هنا ليست في “حماية الحقيقة” ككيانٍ ثابت، بل في حمايتها من الاختزال، من الاستهلاك، ومن أن تتحول إلى شعارٍ يُردَّد بدل أن تُفهم.

إن إعادة قراءة التاريخ، في هذا الإطار، ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة أخلاقية. فالتاريخ ليس ما حدث فقط، بل ما كُتب عن ما حدث. وبين الحدث وكتابته، مسافةٌ تتسلل فيها الانحيازات، تُضيف وتحذف، تُبرز وتُهمّش. والمثقف، إن لم يكن واعيًا بهذه المسافة، سقط – دون أن يدري – في إعادة إنتاج الزيف الذي يسعى إلى مقاومته.

في النهاية، قد لا يستطيع المثقف أن يوقف سيل التزييف، لكنه قادر على أن يترك أثرًا يُقاومه. أن يكتب نصًا يُقلق السكون، ويُعيد الاعتبار للأسئلة التي تُحرج اليقين. فالتاريخ الذي سيقرأه الأبناء، لن يكون فقط ما كُتب في الوثائق الرسمية، بل ما نجا من الضياع في نصوصٍ كُتبت بوعيٍ حيّ، وبإصرارٍ على أن الحقيقة، مهما كانت هشّة، تستحق أن تُروى.

ذلك هو رهان المثقف: انه ضميرا لا يهدأ، وصوتًا لا يُطمئن، وكتابةً تُبقي المعنى حيًّا، حتى في أكثر الأزمنة ظلم



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معجزاتٌ مؤجَّلة: في مديح الزمن الذي يُربّي أرواحنا
- بسام زعمط… الضحك بوصفه مقاومةً للنسيان
- بين الإنجيل والقرآن… حين يخون الإنسان نصّه
- بين أن تملك… وأن تكون
- على درجِ القدس-
- قيامة القلب — نشيد النور في جرح الإنسان
- ✍️ لن يعود أحد
- ما لا يعود
- نشيد ما بعد الاسم
- هل سبقت الإنسانية الأديان؟ إعادة التفكير في أصل الضمير
- أحد الشعانين: حين يهتف القلب بما لا يثبت عليه
- ترامب… حين تتحول السياسة إلى ضجيجٍ كوني، والشرق الأوسط إلى م ...
- حين يُعاد تعريف الإنسان: في العمل مع طيف التوحد والإعاقات ال ...
- “الحساسية المفرطة: مأزق الوعي حين يرى الإنسان أكثر مما ينبغي ...
- 30 آذار: الأرض بوصفها ما لا يُقال إلا بالعيش
- 30 آذار: الأرض حين ترفض أن تتحول إلى ذكرى
- عاش المسرح … حيث يولد الإنسان من رماده كل يوم وكل دقيقة وأنت ...
- أحمد قعبور — مرثيّة على حافة الصوت
- على حافة الطمأنينة… تبدأ الثورة
- لا شرف في الدم: لماذا تُقتل النساء؟


المزيد.....




- زيندايا تحدث -عاصفة رملية- على السجادة الحمراء في لاس فيغاس ...
- -على أمل تمديد الهدنة-.. باكستان تحافظ على -قنوات مفتوحة- بي ...
- روبوت شبيه بالبشر يطارد خنازير برية في العاصمة البولندية وار ...
- أوكرانيا: ضربات روسية تستهدف حي بوديلسكي في كييف
- تركيا تشيّع ضحايا -مجزرة المدرسة-.. تفاصيل صادمة تكشف ما خطّ ...
- بعد الجدل السابق.. ترامب ينشر صورة جديدة له مع يسوع مولّدة ب ...
- الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة بالمغرب : بي ...
- -مكتومو القيد- .. بدء تسجيل أكراد للحصول على الجنسية السورية ...
- هل يتجه الشرق الأوسط لاتفاق شامل؟
- هل تقترب الحرب من نهايتها؟ تفاؤل أمريكي بإبرام صفقة مع إيران ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - حين يُعاد اختراع الظل… المثقف كضميرٍ يُنقذ المعنى من العدم