أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - قراءة في قصيدة للشاعرة رانية مرجية -الحذف بدل الانتظار- بقلم : د. عادل جوده. من العراق.














المزيد.....

قراءة في قصيدة للشاعرة رانية مرجية -الحذف بدل الانتظار- بقلم : د. عادل جوده. من العراق.


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 12:11
المحور: الادب والفن
    


في زمنٍ صار فيه الغيابُ طقسًا يوميًّا، تأتي قصيدة رانية مرجية لتُعيد تعريف الألم، لا بوصفه انكسارًا عابرًا، بل بوصفه إدراكًا متأخرًا لحقيقةٍ مُرّة: أنك لم تكن سوى محطةٍ في رحلةِ أحدهم.
منذ الاستهلال، تخلق الشاعرة صدمةً شعريةً عكسية: "لا يؤلمني أنكِ تغيبين، بل أن تعودي خفيفة". هنا يكمن الابتكار؛ فالألم لا يكمن في الفقد، بل في العودة التي تجرّده من معناه.
حين تعود الصديقةُ "كأنها لم تمشِ فوق قلب"، تتحول الذاكرة إلى عبءٍ من طرفٍ واحد، ويغدو القلبُ صفحةً قابلةً للمحو "بمجرد الغياب".
ثم يأتي التشريح الأعمق: "كنتُ لكِ مكانًا لا وجهة".
في هذه الجملة المقتضبة تتكثف مأساةٌ كاملة؛ فالوجهة تُقصد، والمكان يُستخدم. تفضح الشاعرةُ منطقَ "الاستخلاف العاطفي" حيث تُستبدل المشاعرُ بنسخٍ مؤقتة تنتهي صلاحيتها بانتهاء الحاجة.
لكن القصيدة لا تقف عند حد الرثاء، بل تنتقل إلى منطقة الوعي الحاد: "لم أنكسر عندما رحلتِ، بل حين أدركتُ أن حضوري كان مؤقتًا في جدول قلبكِ". يا له من جدول! كأن القلوبَ صارت تُدار بلوائح مواعيد، والحبُّ يُجزَّأ إلى حصص.
ثم يأتي التحول الجوهري في القصيدة، حيث تعلن الذاتُ الشاعرةُ تمرّدها الناعم: "أستعيدني. أنزعكِ من صوتي". إنه فعلُ تطهيرٍ شعري، لا انتقامي. الحذف هنا ليس قسوة، بل "دقة"، كما تقول، إنه جراحةٌ إنقاذية للروح. إنها تعيد ترتيب القلب "بلا مساحة"، فتلك المساحة الفارغة التي كان يحتلها الآخر لم تعد شغورًا يُنتظر ملؤه، بل صارت فراغًا مقدسًا، علامةَ تعافٍ.
الختام يرتقي بالقصيدة إلى مصاف النصوص التأسيسية في أدب الوعي بالذات: "لن تجدي ذلك الذي كنتُه، بل أثرًا تعافى منكِ، وصار نورًا لا يُستخدم، ولا ينتظر". النور هنا استعارةٌ كبرى: فالنور يُرى ولا يُمسك، يُضيء ولا يُستهلك، يمنح حضوره دون أن يفقد ذاته. من يصل إلى هذا النور يكون قد تجاوز منطق الحذف والانتظار معًا.
إنها قصيدةٌ تُكتب من ضلع الوجع لا من فائض اللغة. اقتصادٌ لغويٌ مذهل، وصورٌ تنهض من الرماد الشعري لتقول: بعض العلاقات لا تُرمَّم بالترقيع، بل تُحذف كما تُحذف الملفات التالفة لا قسوةً، بل لأن الروح تستحق نظامًا أنقى.
الحذف بدل الانتظار بقلم رانية مرجية
يا صديقتي—
لا يُؤلمني
أنكِ تغيبين،
بل أن تعودي
خفيفةً
كأنّكِ لم تمشي فوق قلبي.
تجلسينَ باسمي،
وتنطقينَهُ
بصوتٍ لا يعرفني،
كأنّ الذاكرةَ
ترفٌ،
وكأنّ القلبَ
يُمحى
بمجرّد الغياب.
كنتُ لكِ
مكانًا—
لا وجهة.
تأتينَ
حين يضيقُ العالم،
وتتركينني
حين يتّسعُ بكِ أحدٌ سواي.
هذا ليس غيابًا—
هذا
استخلافٌ للعاطفة:
تضعينَ بدلها
نسخةً صالحةً للاستعمال،
اهتمامًا
ينتهي بانتهاء الحاجة،
ثم تمضين
دون أن يلتفتَ فيكِ شيء.
وأنا—
لم أنكسر
عندما رحلتِ،
بل حين أدركتُ
أنّ حضوري
كان مؤقّتًا
في جدولِ قلبكِ.
الآن—
أستعيدُني.
أنزعُكِ من صوتي،
ومن الطريقةِ التي كنتُ
أقولُ بها “نحن”.
أعيدُ ترتيبَ قلبي
بلا مساحةٍ لكِ،
لا قسوةً—
بل دقّة.
فبعضُ الغياب
لا يُعالَج بالانتظار،
بل بالحذف.
وإن عدتِ—
لن تجدي
ذلك الذي كنتُه،
بل أثرًا
تعافى منكِ،
وصار
نورًا
لا يُستَخدَم،
ولا ينتظر.--



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُضرب الراهبة… تُفضَح المدينة
- الحذف بدل الانتظار
- “الموت سرّ العبور: حين ينحلّ الزمن في الأبدية ويستيقظ المؤمن ...
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما-
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما
- قراءة نقدية في قصيدة “دفترُ الوجع: أقاربٌ، رفاقٌ، وقلبي” للش ...
- على وجهي ظلّ غيمة” للشاعرة ريما حمزة
- إلى الدكتور عادل جوده… حين يصبح النقد رؤية
- على حافة اليقظة
- حيث يختبئ الله… بين رجفة الجسد وسكون الروح
- لم يَسَعْهُ الصمتُ… فانكَشَفَ كونًا
- ما لا نراه يحكمنا: اللاوعي كجذرٍ خفيّ للنزاعات وأفقٌ آخر للس ...
- نصفٌ لا ينجو
- مرثيّة إلى الإعلاميّة أمال خليل
- جوني منصور: من يلاحق الذاكرة… كي لا تضيع
- الدكتور بشارة مرجية: حين تصير الكتابة للطفل امتحانًا للمعنى ...
- في الذكرى الثانية لرحيل بثينة ضبيط: هذا الغياب الذي لا ينجح
- كأننا نحنُ الذين تأخّرنا عن الرحيل
- “بين اللدّ والرملة: صيغةٌ للبقاء”
- بيانُ الشَّرخِ الأوّل


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - قراءة في قصيدة للشاعرة رانية مرجية -الحذف بدل الانتظار- بقلم : د. عادل جوده. من العراق.