أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - “الموت سرّ العبور: حين ينحلّ الزمن في الأبدية ويستيقظ المؤمن في الله”














المزيد.....

“الموت سرّ العبور: حين ينحلّ الزمن في الأبدية ويستيقظ المؤمن في الله”


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 01:20
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس الموت، في أفق الإيمان، حادثةً تُغلق سيرة الإنسان، بل لحظة انكشافٍ أخير، حيث تتعرّى الحقيقة من كل رموزها، ويُستعاد الكيان البشري في نوره الأول. إنّه ليس انطفاءً للوجود، بل انتقاله من نمطٍ زمنيّ هشّ إلى نمطٍ أبديّ ثابت؛ من حياةٍ تُقاس بالتعاقب، إلى حياةٍ تُقاس بالحضور. وفي هذا الانتقال، لا يُفقد الإنسان ذاته، بل يجدها في ملئها، لأن ما كان ناقصًا فيه يكتمل، وما كان مكسورًا ينجبر، وما كان مشتّتًا يتوحّد في الله.

في عمق الرؤية التي يقدّمها الكتاب المقدس، لا يُفهم الموت خارج سرّ المسيح، لأن المسيح لم يأتِ ليشرح الموت، بل ليحوّله من الداخل: دخله، وحمل ثقله، وعبَر به إلى القيامة، فصار الموت، منذ ذلك الحين، طريقًا إلى الحياة لا نهاية لها. لذلك يعلن الرب: “أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا” (يوحنا 11:25)، وهذا الإعلان لا يُقدَّم كتعزية عاطفية، بل كحقيقة وجودية تغيّر فهم الإنسان لمصيره، إذ يكشف أن الحياة التي تنبع من الله لا يمكن أن تُقهر بالموت، لأن مصدرها أبدي، وجوهرها شركة لا تنفصم.

وإذا كان الموت، في ظاهره، تفككًا وانحلالًا، فإنه في عمقه لحظة تجرّدٍ قصوى، تنكشف فيها حقيقة الإنسان بعيدًا عن كل ما راكمه من صورٍ وأقنعة. هناك، لا يقف الإنسان بما يملك، بل بما صار عليه؛ لا بما جمع، بل بما أحبّ؛ لا بما قال، بل بما عاش في العمق. وهنا تتجلّى رهبة الموت، لا لأنه فناء، بل لأنه كشف. غير أن هذا الكشف، في ضوء الإيمان، لا يقود إلى العدم، بل إلى العودة، إلى الله الذي منه خرج الإنسان وإليه يعود، حيث يتحوّل الخوف إلى رجاء، والرهبة إلى لقاء.

وفي هذا المعنى، يكتب الرسول: “لأننا إن عشنا فللرب نعيش، وإن متنا فللرب نموت” (رومية 14:8)، فيتلاشى الحدّ الفاصل بين الحياة والموت، لأن كليهما يصيران امتدادًا للعلاقة مع الله. فالحياة ليست مجرد زمن يُعاش، والموت ليس انقطاعًا لهذا الزمن، بل كلاهما يدخلان في سرّ الانتماء لله. ما كان يُعاش بالإيمان في زمن الغياب، يُعاش الآن بالمعاينة في ملء الحضور، وما كان يُدرك من خلال علامات ورموز، يُعطى في حقيقته الصافية.

ومع ذلك، لا يُنكر الإيمان وجع الموت، لأن الجسد الذي كان بيت الروح يذبل، والعلاقات التي شكّلت نسيج الحياة تنفصل في ظاهرها، والزمن الذي احتضن الذكريات يتوقّف، فيبدو الموت كأنه خسارة. لكن في عمقه، هو تحوّل. وكما يقول الرب: “الحق الحق أقول لكم: إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت، تبقى وحدها؛ ولكن إن ماتت، تأتي بثمر كثير” (يوحنا 12:24)، فيصبح الموت شرطًا للخصب، لا نهاية للعطاء، ومعبرًا إلى حياة أوسع، لا انطفاءً لما كان.

إن الوعد الذي يحمله الكتاب المقدس يتجاوز فكرة البقاء، ليصل إلى تحوّل الكينونة نفسها. “نحن الآن أولاد الله، ولم يُظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو” (1 يوحنا 3:2). هذه الرؤية ليست مجازًا، بل دعوة إلى الاشتراك في الحياة الإلهية، حيث لا حجاب يفصل، ولا ضعف يقيّد، ولا زمن يحدّ. هناك، لا يعود الإنسان يبحث عن الله، لأنه يصير في حضوره الدائم، في علاقة مكتملة لا يشوبها نقص.

وفي هذا الأفق، يغدو الموت ولادة، لا إلى عالمٍ آخر فحسب، بل إلى الحقيقة الكاملة للإنسان. فالإنسان، في حياته الأرضية، يظل في طور التشكّل، بين النعمة والضعف، بين النور والظل، أما في العبور، فيبلغ اكتماله في الله، حيث تتحقق الدعوة الأولى التي خُلق لأجلها. وهنا يتجلّى الوعد الأخير: “وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون فيما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد” (رؤيا 21:4)، فلا يعود الألم جزءًا من الوجود، بل ذكرى تجاوزه النور.

ومع ذلك، تبقى الدموع حاضرة في الزمن، لأن الفراق يوجع، ولأن الإنسان كائن علاقات، لكن دموع الإيمان تختلف في معناها، فهي لا تنبع من اليأس، بل من الرجاء. لقد بكى المسيح أمام قبر لعازر، فصار البكاء نفسه مكرّسًا بالحب، لكن هذا البكاء لا يُغلق الأفق، بل يفتحه على وعد اللقاء. لذلك يُقال: “لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم” (1 تسالونيكي 4:13)، لأن الحزن في الإيمان لا يُلغى، بل يُستضاء بالرجاء.

وفي النهاية، يبقى الموت سرًّا لا يُختزل بكلمات، لأنه الحدّ الذي تنتهي عنده اللغة ويبدأ فيه الصمت المملوء حضورًا. غير أن هذا الصمت ليس فراغًا، بل امتلاء لا يُقال، حيث يدخل الإنسان في عمق الحقيقة التي كان يلمسها من بعيد. هناك، لا يعود الإيمان انتظارًا، بل يصير رؤية، ولا يعود الرجاء توقّعًا، بل يصير تحققًا.

حين يموت المؤمن، لا ينحدر إلى العدم، بل يستيقظ في الله؛ لا يُمحى، بل يُستعاد؛ لا يُغلق تاريخه، بل يُفتح على أبدية تعطي لكل لحظة عاشها معناها الأخير. وهكذا، يصبح الموت، في عمقه، أعمق فعل حياة: أن يسلّم الإنسان ذاته بالكامل لذاك الذي تعلّم أن يثق به، وأن يدخل، أخيرًا، في حضن الذي لا يزول، حيث يبدأ الإنسان أن يكون، كما أراده الله منذ البدء: حيًا فيه، وله، وإلى الأبد.
:::



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما-
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما
- قراءة نقدية في قصيدة “دفترُ الوجع: أقاربٌ، رفاقٌ، وقلبي” للش ...
- على وجهي ظلّ غيمة” للشاعرة ريما حمزة
- إلى الدكتور عادل جوده… حين يصبح النقد رؤية
- على حافة اليقظة
- حيث يختبئ الله… بين رجفة الجسد وسكون الروح
- لم يَسَعْهُ الصمتُ… فانكَشَفَ كونًا
- ما لا نراه يحكمنا: اللاوعي كجذرٍ خفيّ للنزاعات وأفقٌ آخر للس ...
- نصفٌ لا ينجو
- مرثيّة إلى الإعلاميّة أمال خليل
- جوني منصور: من يلاحق الذاكرة… كي لا تضيع
- الدكتور بشارة مرجية: حين تصير الكتابة للطفل امتحانًا للمعنى ...
- في الذكرى الثانية لرحيل بثينة ضبيط: هذا الغياب الذي لا ينجح
- كأننا نحنُ الذين تأخّرنا عن الرحيل
- “بين اللدّ والرملة: صيغةٌ للبقاء”
- بيانُ الشَّرخِ الأوّل
- مذكّرات شاعرية لبراءة غسان: حين تصبح القصيدة مرآةً للإنسان
- شيرين أبو عاقلة… حين تعجز الرصاصة عن إيقاف الصوت
- حين يُعاد اختراع الظل… المثقف كضميرٍ يُنقذ المعنى من العدم


المزيد.....




- كرة لهب هائلة وانبعاثات سامة.. شاهد آثار هجوم أوكراني على مص ...
- دعابة تلو الأخرى.. شاهد لقطات طريفة من خطاب الملك تشارلز أما ...
- أوبك وكيف أثر إعلان انسحاب الإمارات على أسعار النفط؟
- -أزالوا منزلنا ودمّروه بالرغم من أن زوجي يقاتل في جبهات القت ...
- الحوادث الأمنية.. هل تمنح ترامب مكاسب سياسية؟
- الكاكاو بديلًا عن القهوة… كيف تبدأ يومك بنشاط؟
- مصر: القاهرة تسترجع سهراتها الليلية بعد رفع إجراءات ترشيد اس ...
- تفاصيل صعود مشاة البحرية الأمريكية إلى سفينة تجارية قبالة با ...
- أطفال رُضّع مقيّدون داخل حضانة بإندونيسيا.. فما القصة وراء ه ...
- ترمب: الملك تشارلز يرفض امتلاك إيران سلاحا نوويا


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - “الموت سرّ العبور: حين ينحلّ الزمن في الأبدية ويستيقظ المؤمن في الله”