أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - لم يمتْن في حادث… بل في طريقٍ يُهملهن














المزيد.....

لم يمتْن في حادث… بل في طريقٍ يُهملهن


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 15:54
المحور: المجتمع المدني
    


في الصباح الذي يشبه كل صباحات العاملات، خرجت سناء صالح طه، وعُلا قدح زعبي، ورنين محمد معروف طه من بيوتهنّ في كفر مندا. لا شيء كان استثنائيًا: باب يُغلق بهدوء، كلمات سريعة، ووعدٌ بالعودة مساءً. لكن الطريق لم يكن طريقًا. كان حدًّا خفيًا بين حياةٍ تُطلب بكرامة، وموتٍ يأتي بلا استئذان.



على شارع 77 قرب الزرازير، لم يقع “حادث طرق” بالمعنى البارد للكلمة. ما حدث كان انهيارًا كاملًا لفكرة الأمان. شاحنة ثقيلة، ميني باص يقلّ عاملات، مركبات أخرى، واصطدام عنيف يكفي ليحوّل رحلة العمل اليومية إلى فاجعة جماعية. ثلاث نساء غابن دفعة واحدة، وامرأة رابعة تُركت معلّقة بين الحياة والموت. اختلطت الأرقام، لكن الحقيقة بقيت صافية: هناك بيوت لن تعود كما كانت.



في مثل هذه اللحظات، تُستدعى لغة التحقيق: سرعة، خطأ بشري، ظروف طريق. لغة دقيقة… لكنها ناقصة. لأنها تكتفي بوصف اللحظة، ولا تجرؤ على مساءلة ما قبلها. ليست الطرق من تقتل، بل السياسات التي تقرر من يستحق الحماية، ومن يُترك للصدفة.



العاملات اللواتي يستيقظن قبل الفجر، ويركبن مركبات عمل لساعات طويلة، لا يخترن الخطر. هنّ يُدفعن إليه. بين عملٍ هشّ، ونقلٍ غير منظم بما يكفي، ورقابةٍ متراخية، تتحول الطريق إلى امتداد لقسوة الحياة نفسها. ليست رحلة إلى العمل، بل عبور يومي فوق احتمال الموت.



هنا، لا يعود السؤال: ماذا حدث في تلك اللحظة؟
بل: لماذا كان يمكن أن يحدث أصلًا؟



لماذا ما زالت شوارع تخدم بلدات عربية تُدار بعقلية الحد الأدنى؟ لماذا لا تُفرض رقابة صارمة على الشاحنات ومركبات نقل العمال؟ لماذا يُترك آلاف الناس يسافرون يوميًا في ظروف لا تليق بكرامة إنسانية أساسية؟ ولماذا لا تتحول هذه الأسئلة إلى قرارات؟



في هذه البلاد، الأمان ليس حقًا متساويًا… بل امتياز يُوزَّع.



الأرقام معروفة، لكنها لم تعد تصدم أحدًا. نسبة الضحايا من المجتمع العربي أعلى من نسبتهم السكانية، والسنوات تمضي دون تغيير جذري. الأخطر من الرقم هو الاعتياد عليه. أن يصبح الموت خبرًا متكررًا، وأن يتحول الحزن إلى طقس سريع يُنجز، ثم يُنسى.



غير أن الفقد لا يُنجز… ولا يُنسى.



في بيت سناء، هناك فنجان قهوة لم يُشرب. في حياة عُلا، هناك من كان ينتظرها لتعود. وفي غياب رنين، هناك زمن كامل انكسر ولن يُعاد كما كان. هذه ليست أسماء في خبر، بل عوالم كاملة توقفت فجأة.



السياسة هنا ليست شعارًا. هي الفرق بين طريقٍ آمن وطريقٍ قاتل. بين رقابة تُنقذ حياة، وإهمال يفتح الباب لفاجعة. بين دولة ترى مواطنيها جميعًا، ودولة ترى بعضهم أكثر من غيرهم.



ما جرى ليس قدرًا. القدر لا يُهمل، ولا يؤجل، ولا يقرر أن بعض الطرق يمكن أن تبقى خطرة لسنوات. ما جرى هو نتيجة. نتيجة تراكم طويل من قرارات ناقصة، ومن صمتٍ أطول.



الرحمة لهنّ، نعم.
لكن الرحمة وحدها لا تغيّر شيئًا.



ما يغيّر هو الغضب حين يتحول إلى مطلب، والمطلب حين يتحول إلى سياسة، والسياسة حين تعيد للطرق معناها: أن تكون طريقًا للحياة، لا ممرًا للموت.



سناء، عُلا، رنين… لم يمتْن في حادث.
بل في طريقٍ قيل لنا طويلًا إنه “عادي”… حتى أثبت، مرة أخرى، أنه قاتل



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العذرية كجرحٍ أول�قراءة في “يوميات عذراء” للكاتبة دين ...
- حين كُسرت الكاميرا… من الذي كُسر حقًا؟
- الدكتورة أميمة ذياب… سنشتاق لكِ ولن ننساكِ
- متأخرة بنصف خطوة
- حين يصير الدم ذاكرةً يومية: تأمّلات في القتل المنظّم داخل فل ...
- ما لا نشعر به… يُديرنا
- أمل مرقس: هنا… حيث يغنّي الفقدُ بصوتٍ لها
- قراءة في قصيدة للشاعرة رانية مرجية -الحذف بدل الانتظار- بقلم ...
- حين تُضرب الراهبة… تُفضَح المدينة
- الحذف بدل الانتظار
- “الموت سرّ العبور: حين ينحلّ الزمن في الأبدية ويستيقظ المؤمن ...
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما-
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما
- قراءة نقدية في قصيدة “دفترُ الوجع: أقاربٌ، رفاقٌ، وقلبي” للش ...
- على وجهي ظلّ غيمة” للشاعرة ريما حمزة
- إلى الدكتور عادل جوده… حين يصبح النقد رؤية
- على حافة اليقظة
- حيث يختبئ الله… بين رجفة الجسد وسكون الروح
- لم يَسَعْهُ الصمتُ… فانكَشَفَ كونًا
- ما لا نراه يحكمنا: اللاوعي كجذرٍ خفيّ للنزاعات وأفقٌ آخر للس ...


المزيد.....




- الأمم المتحدة: -إسرائيل- تقتل طفلاً فلسطينياً كل أسبوع في ال ...
- برعاية الأمم المتحدة.. لجنة 4+4 الليبية تعقد اجتماعها الثاني ...
- العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تحذران من تضييق غير مسبوق عل ...
- القمة الفرنسية الأفريقية المشتركة -أفريقيا إلى الأمام-... آف ...
- 78 عامًا على النكبة.. الفلسطينيون يستحضرون ذاكرة التهجير بمس ...
- الكويت: اعتقال 4 من الحرس الثوري الإيراني -حاولوا التسلل- إل ...
- يونيسف: هجمات المستوطنين الإسرائيليين تهدد سلامة الأطفال الف ...
- العفو الدولية تتهم اتحاد البث الأوروبي بالجبن تجاه جرائم إسر ...
- الأمم المتحدة: 880 قتيلا مدنيا على الأقل بالمسيّرات منذ بداي ...
- مناقشات خليجية بريطانية لتذليل المعوقات المتعلقة باتفاقية ال ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - لم يمتْن في حادث… بل في طريقٍ يُهملهن