أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - بين البيت والعمل والمقبرة… أتعلم كيف أمشي خفيفة














المزيد.....

بين البيت والعمل والمقبرة… أتعلم كيف أمشي خفيفة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 09:50
المحور: الادب والفن
    


أخرجُ من البيت
كلَّ صباح،
كأنّي أتركُ جزءًا منّي
على عتبةِ الباب،
ولا أعودُ مساءً إلّا لأتأكد
أنّه ما زال هناك… ناقصًا.

الطريقُ إلى العمل
ليس طريقًا،
بل عبورٌ يوميّ بين طبقتين من التعب،
تتشابه فيهما الوجوه
حتى يصير الإنسانُ
مجرد احتمالٍ لاسم.

وجوهٌ تمرّ قرب وجهي
كأنّها تعرفني ولا تريد الاعتراف،
كلُّ واحدٍ يحملُ داخله
مدينةً صغيرة من الإرهاق،
ويخفيها بملامح عادية
كي لا يُسأل.

في الحافلة، في الضوء، في الازدحام
أفهمُ شيئًا لا يُقال:
أنّ الناس لا يعيشون حياتهم،
بل ينجون منها فقط.

ومن البيتِ إلى العمل
أتعلمُ كيف أمشي خفيفة،
ليس لأنّني خفيفة،
بل لأنّ الثقل الحقيقي
لا مكان له في الجسد.

وأحيانًا
لا أذهبُ إلى العمل،
بل إلى رام الله.

إلى أخوالي،
إلى أبناء خالي
الذين صاروا رجالًا
بعد أن صار الغيابُ
أكثر عدداً من الأسماء.

هناك
لا أحد يسأل سؤالًا كاملًا،
لأنّ كل سؤال
يخاف أن يكتشف إجابته.

نجلسُ كأننا نرتّب العالم من جديد،
لكننا في الحقيقة
نرتّب أماكن الفراغ حولنا.

نضحكُ قليلاً،
ثم نصمتُ كثيرًا،
كأنّ الصمتَ هو اللغة الوحيدة
التي لم تخنّا بعد.

في رام الله
أشعرُ أنّ العائلة
لم تنتهِ،
لكنها تقلّصت
حتى صارت ذاكرة تمشي بيننا.

كلُّ بيتٍ هناك
يحفظُ صوتًا كان يجب أن يبقى،
وكلُّ طاولة
تتذكّر يدًا غادرت قبل أن تكتمل الجملة.

ثم أعود.

وأحيانًا
لا أعود إلى العمل،
بل إلى المقبرة.

لا كزائرة،
بل كمن يعود إلى مكانه الأول
بعد أن تاه طويلًا في اتجاهات الحياة.

هناك
لا أحد يشرح نفسه،
ولا أحد يحاول أن يبدو قويًا.

أمّي…
غيابها ليس حدثًا،
بل طريقة ثابتة للعالم
كي يكون ناقصًا دائمًا، دون استئذان.

أبي…
كأنّ صمته لم يغادرني،
بل استقرّ في داخلي
وصار جزءًا من خطواتي حين أرتبك.

جدّي وجدّتي…
كانا يعيشان وكأن الزمن أطول مما هو،
وكأنّ الحب وحده
قادر على تأجيل الفقد.

وعمّاتي…
كنّ يملأن البيت حياةً بلا إعلان،
ثم غادرن بهدوء
كأنّهنّ كنّ يعرفن الطريق منذ البداية.

أقفُ بينهم
وأفهمُ شيئًا متأخرًا:
أنّ الموت لا يضع حدًّا للناس،
بل يضعهم في شكلٍ آخر من الحضور
أكثر صمتًا
وأكثر ثقلًا
وأصدق من الذاكرة.

في المقبرة
لا ضجيج،
لا أقنعة،
لا حاجة لتفسير ما لا يُفسَّر.

فقط الحقيقة
كما هي
حين تتخلّى عن كل ما يجمّلها.

وأحيانًا
أقف طويلًا
كأنّي أحاول أن أتذكّر
كيف كانت الحياة قبل هذا النقص.

ثم أكتشف أنني لا أتذكّر،
بل أواصل العيش
بذاكرة مثقوبة،
تُدخل الضوء
بقدر ما تُسقطه.

الحياةُ قاسية
ليس لأنها تأخذ من نحب،
بل لأنها تطلب منّا
أن نكمل بعدها
بقلوبٍ لم تُعد كما كانت،
ومع ذلك تُصرّ أن تخفق.

ومن البيتِ
إلى العمل،
إلى رام الله،
إلى المقبرة…

أمشي.

لا كمن يملك اتجاهًا،
بل كمن يتعلّم كل يوم
كيف لا ينهار في منتصف الطريق.

وفي النهاية
أفهمُ أن الحياة كلها
ليست إلا مسافة قصيرة
بين غيابٍ وغياب،
نحاول فيها
أن نبدو كاملين
رغم أننا
ننقص كل يوم



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المجلس الثوري بين التمثيل والإقصاء: قراءة في نتائج مؤتمر فتح
- سناء لهّب… حين يتحوّل المسرح إلى ضميرٍ يمشي بين الناس
- الزهور لا تُكتب على القبور
- الطريق الثامنة
- ديانا… المرأة التي هزمت الغياب
- عندما يسقط القناع من أفواههم
- الأذان ليس تهمة
- معركة الكراسي… حيث لا أحد يغادر فعليًا
- ا لنافذة التي تعلّمت الصمت
- حين يصبح الانقسام طريقة حياة…
- 📝قراءة في نص: -لم تخبر أحدًا... لكنها أنقذت الجميع- ...
- لم تخبر أحدًا… لكنها أنقذت الجميع
- حين يُطفأ البيت من الداخل
- من الرملة إلى رام الله… لقاءٌ مع المعنى في زمن الخسارات
- حين يمرّ الغياب بهدوء
- «أجنحة النور والأمل»… حين يتحوّل المرض إلى معنى قابل للحياة ...
- من بار إيلان إلى غزة ولبنان: كيف أصبحت الحرب عقيدة الليكود؟
- حين يُغلق القلب نفسه
- سامية حكيم… المرأة التي كانت تُشبه البيت
- أنا من فلسطين – وديع مرجية: قصيدة تتحوّل إلى وطنٍ لا يُغادَر


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - بين البيت والعمل والمقبرة… أتعلم كيف أمشي خفيفة