أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - من الرملة إلى رام الله… لقاءٌ مع المعنى في زمن الخسارات














المزيد.....

من الرملة إلى رام الله… لقاءٌ مع المعنى في زمن الخسارات


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 00:47
المحور: قضايا ثقافية
    


ثمة طرقٌ لا تُقاس بالمسافة، بل بما توقظه في الداخل من ذاكرة.
ومن الرملة إلى رام الله، بدا الطريق مساءَ ذلك اليوم كأنه عبورٌ داخل الذات أكثر منه انتقالًا بين مدينتين؛ عبورٌ بين ما تبقى من البلاد في الروح، وما تبقى من الروح في البلاد.



كنتُ أحمل معي ذلك الشعور الفلسطيني القديم: أن الأمكنة، مهما اقتربت، تظل بعيدة بما يكفي لتوقظ الحنين، وبما يكفي أيضًا لتذكّرنا بأن الوطن لم يعد جغرافيا خالصة، بل حالة شعورية معقدة من التعلق والفقدان معًا.



في فندق الكرمل، كان لقائي بالدكتور عبد الرحيم جاموس أشبه بلقاءٍ مؤجل مع جزءٍ من الوعي الفلسطيني الذي أنهكته المنافي دون أن يفقد قدرته على التأمل. لم يكن الحديث بيننا مجرد تبادلٍ للأفكار حول الأدب والسياسة، بل بدا كأننا نحاول، عبر الكلمات، أن نفهم هذا الخراب الكبير الذي مرّ على أرواحنا جميعًا، وأن ننقذ شيئًا من المعنى قبل أن تبتلعه الضوضاء.



كان يتحدث بهدوء الذين عبروا مسافات طويلة مع الحياة، لا باندفاع الخطباء. وفي صوته شيءٌ من تعب الفلسطيني الذي تعلّم أن يحمل وطنه داخله، بعدما صار حمله على الأرض أكثر تعقيدًا من الحلم نفسه.



تحدثنا عن الأدب، لا بوصفه ترفًا ثقافيًا، بل باعتباره المحاولة الأخيرة لإنقاذ الإنسان من قسوته الداخلية. وعن الكتابة التي كثيرًا ما تبدأ من الجرح، لكنها لا تكتمل إلا حين تتحول إلى معرفةٍ أعمق بالإنسان وهشاشته ووحدته. وتحدثنا عن السياسة، تلك الآلة الثقيلة التي لا تكتفي بتغيير مصائر الناس، بل تغيّر لغتهم أيضًا، وتجعل الكلمات أحيانًا عاجزة عن حمل ما يحدث حقًا.



وفي لحظةٍ بدت شديدة الصفاء، قمنا بالاتصال بصديقنا الكاتب والناقد العراقي الدكتور عادل جودة. كان حضوره عبر الصوت فقط، لكن صوته حمل دفءَ المسافات العربية القديمة؛ ذلك الإحساس النادر بأن الثقافة ما تزال قادرة، رغم الحدود والتشظي، على أن تجمع الأرواح حول معنى واحد. بدا الحديث معه امتدادًا طبيعيًا لذلك المساء؛ حديثًا عن الأدب بوصفه بيتًا أخيرًا لمن أرهقتهم الأزمنة، وعن الكلمة التي تبقى، حتى حين يتداعى كل شيء حولها.



وفي لحظة هادئة، أهديتُ الدكتور عبد الرحيم جاموس نسخًا من كتبي. بدا المشهد بسيطًا من الخارج، لكنه في داخلي كان أكثر من ذلك بكثير. شعرتُ أن الكتب ليست أوراقًا مطبوعة، بل أعمار صغيرة نضعها بين أيدي الآخرين، بكل ما فيها من قلقٍ وأملٍ ومحاولات لفهم العالم. وربما لهذا يصبح إهداء كتاب فعلًا إنسانيًا عميقًا؛ كأن الكاتب يسلّم جزءًا خفيًا من روحه لمن يثق بأنه سيقرأه بما يليق بالمعنى لا بالمجاملة.



وحين انتهى اللقاء، لم أشعر أنني أغادر مكانًا، بل كأنني أخرج من مساحة نادرة من الصفاء الإنساني. بعض اللقاءات لا تترك ضجيجًا في الذاكرة، بل تترك أثرًا صامتًا يبقى طويلًا، كجملةٍ جميلة قرأناها ذات يوم ولم تغادرنا.



عدتُ إلى الرملة وأنا أشعر أن ما ينقذ الإنسان في النهاية ليس اليقين الكامل، بل هذه اللحظات القليلة التي يجد فيها روحًا تشبهه، وحديثًا لا يحتاج إلى أقنعة، وكلماتٍ تستطيع أن تجعل هذا العالم أقل قسوة.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يمرّ الغياب بهدوء
- «أجنحة النور والأمل»… حين يتحوّل المرض إلى معنى قابل للحياة ...
- من بار إيلان إلى غزة ولبنان: كيف أصبحت الحرب عقيدة الليكود؟
- حين يُغلق القلب نفسه
- سامية حكيم… المرأة التي كانت تُشبه البيت
- أنا من فلسطين – وديع مرجية: قصيدة تتحوّل إلى وطنٍ لا يُغادَر
- ليس الخطر أن نخسر الانتخابات… بل أن يعتاد الناس خسارتنا -
- لم يمتْن في حادث… بل في طريقٍ يُهملهن
- العذرية كجرحٍ أول�قراءة في “يوميات عذراء” للكاتبة دين ...
- حين كُسرت الكاميرا… من الذي كُسر حقًا؟
- الدكتورة أميمة ذياب… سنشتاق لكِ ولن ننساكِ
- متأخرة بنصف خطوة
- حين يصير الدم ذاكرةً يومية: تأمّلات في القتل المنظّم داخل فل ...
- ما لا نشعر به… يُديرنا
- أمل مرقس: هنا… حيث يغنّي الفقدُ بصوتٍ لها
- قراءة في قصيدة للشاعرة رانية مرجية -الحذف بدل الانتظار- بقلم ...
- حين تُضرب الراهبة… تُفضَح المدينة
- الحذف بدل الانتظار
- “الموت سرّ العبور: حين ينحلّ الزمن في الأبدية ويستيقظ المؤمن ...
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما-


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - من الرملة إلى رام الله… لقاءٌ مع المعنى في زمن الخسارات