رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 11:20
المحور:
المجتمع المدني
سقط قناعك أخيرًا، ولم أندهش. فبعض الأقنعة لا تسقط فجأة، بل تتآكل بهدوء حتى يكشفها أول موقف حقيقي.
الذين يكثرون من الحديث عن الوطن لا يطمئنني صوتهم. كأن الوطن عندهم يحتاج إلى ضجيج كي يثبت، بينما الوطن الحقيقي لا يُقاس بعلوّ الشعارات، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس.
ليس الوطن خطبة تُلقى، ولا راية تُرفع عند الحاجة، ثم تُطوى عند أول اختبار. الوطن الحقيقي يُرى في التفاصيل الصغيرة: في كرامة إنسان لم تُمس، وفي فقير لم يُدفع ثمن ضعفه، وفي يدٍ لم تمتد إلى ما لا تملك.
كنتَ تتحدث عن الوطنية كأنها رتبة تُمنح لمن يجيد الوقوف في الصف الأول، أو ترديد ما يُقال دون سؤال. أما أنا فكنت أبحث عن تعريف أبسط وأكثر قسوة: أن لا يتحول الإنسان إلى تهديد لعدالة الآخرين.
أتذكر آخر جدالٍ بيننا، حين سألتك عن ذلك الرجل، فأجبت بثقةٍ لا تعرف التردد: «إنه وطني شريف». لم أجادلك طويلًا، لأن بعض العبارات لا تُناقش بقدر ما تُفهم في سياقها الحقيقي.
كيف يكون شريفًا من يمرّ طريقه عبر تعب الفقراء؟ وكيف يكون وطنيًا من تلتصق أفعاله بحقوق الضعفاء؟ في تلك اللحظة لم يكن الخلاف على شخص، بل على تعريف كامل لمعنى الشرف نفسه.
غضبتَ يومها، وغضب من حولك، لا لأن السؤال كان خطأ، بل لأن الإجابة الصادقة تُربك من اعتادوا على التصفيق أكثر من التفكير. وكأن الحقيقة في نظرهم ليست فكرة، بل إهانة.
أما أنا، فكنت أرى المشهد بوضوح مختلف: لم يكن أحدٌ يدافع عن وطن، بل عن صورةٍ يريد الاحتفاظ بها أمام الآخرين.
لهذا قلتها بهدوءٍ كامل، دون انفعال:
طزّ بكل وطنية لا تحمي كرامة الإنسان، ولا تردّ الظلم عن الضعفاء، ولا تمنع الفساد من أن يتحول إلى سلوكٍ مألوف.
ثم غادرت. ليس هروبًا، بل لأن بعض الأماكن تفقد معناها حين تصبح الحقيقة فيها عبئًا غير مرحب به.
في النهاية، لا تُقاس الأوطان بما يُقال عنها، بل بما يتحمّله الناس باسمها. وعندما تصبح الوطنية غطاءً بدل أن تكون مسؤولية، يبدأ الوطن في فقدان معناه قبل أن يفقد حدوده.
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟