أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - لم تخبر أحدًا… لكنها أنقذت الجميع














المزيد.....

لم تخبر أحدًا… لكنها أنقذت الجميع


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 12:03
المحور: الادب والفن
    


كانت أُميمة من أولئك الذين لا يمرّون في الحياة كعابرين، بل كأثرٍ خفيّ يغيّر شكل الطريق دون أن ينتبه أحد.

لم تكن تدخل المكان بصوتٍ مرتفع أو حضورٍ لافت، بل بشيء يشبه الطمأنينة؛ كأن وجودها وحده يكفي ليهدأ القلق قليلاً، ويخفّ ثقل الأشياء على الناس من حولها. كانت دكتورة في علم الاجتماع، لكن علمها لم يبقَ في الكتب. خرج إلى الناس، إلى تعبهم اليومي، إلى الحكايات الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، فحوّلتها هي إلى معنى.

كانت موجهة مجموعات تعرف أن الإصغاء ليس مهارة، بل إنقاذ.
وكانت تكرر دائمًا جملة واحدة كأنها قاعدة حياة:
“الناس ما بدها حلول قد ما بدها حد يسمعها للآخر.”

وحين كانت تجلس أمام شخص يروي وجعه، لم تكن تقاطعه، ولم تكن تُسرع إلى الحلول، بل كانت تمنحه ما يحتاجه أكثر من أي شيء: أن يُسمَع حتى النهاية. وكانت تقول بصوتٍ هادئ يشبه العهد:
“احكِ… لأن الحكاية تُخفّف عنك ما لا يُقال.”

في أحد الأيام، دخلت عليها امرأة شابة في جلسة جماعية، صامتة تمامًا.
جلست بعيدًا، تنظر إلى الأرض، وكأنها جاءت جسدًا بلا روح.
مرّ الوقت ببطء، والصمت كان أثقل من أي كلمة.

لم تقترب أُميمة منها بسرعة، بل تركت لها المساحة كما هي، وكأنها تحترم حتى صمت الانكسار.
وبعد وقت، التفتت إليها بهدوء وقالت:
“مش لازم تحكي اليوم… بس وجودك هون كافي.”

بعد لحظات طويلة، رفعت المرأة رأسها وقالت بصوت مكسور:
“أنا مش قادرة أكمل.”

لم تُجبها أُميمة بكلمات كثيرة.
نظرت إليها طويلًا، ثم قالت بهدوء ثابت:
“خلّينا نكمّل سوا… مش لوحدك.”

في تلك اللحظة، لم يتغيّر العالم.
لكن شيئًا صغيرًا جدًا حدث… إنسان لم يسقط وحده.

كانت تحب التصوير أيضًا، لكن عدستها لم تكن تبحث عن الجمال بمعناه السهل.
كانت تبحث عن الحقيقة الصغيرة داخل اللحظة: يدٌ مترددة، عينٌ مرهقة، ابتسامة لا تكتمل، أو نظرة تقول أكثر مما يُقال.
كانت تلتقط الناس كما لو أنها تخاف أن يضيعوا من ذاكرة العالم، أو من ذاكرة بعضهم بعضًا.

وكانت هناك عادتها الصغيرة التي يعرفها كل من اقترب منها:
قبل أي جلسة أو محاضرة، كانت تصمت لحظة، تضع يدها على دفترها، وتتنفّس بعمق، كأنها تقول لنفسها بصوت لا يسمعه أحد: “يلا… خلّينا نخفّف عنهم اليوم.”

لكن ما لم يكن يعرفه أحد أن أُميمة نفسها كانت تخوض معركة صامتة.

كانت تعرف أن المرض العضال يسكن جسدها بهدوءٍ قاسٍ، وأن الوقت ليس واسعًا كما يبدو للآخرين.
عرفت ذلك منذ وقت، لكنها اختارت الصمت.
ليس ضعفًا، بل نوعًا آخر من القوة؛ أن تُبقي ألمك بعيدًا عن قلوب من تحب، كي لا يسبقهم الخوف إلى الفقد.

فواصلت حياتها كما لو أن شيئًا لم يتغيّر.
لكنها في الحقيقة كانت تعيش بطريقتين في آنٍ واحد:
امرأة تُنير حياة الآخرين، وامرأة تراقب انطفاءها الداخلي بصمتٍ لا يشهده أحد.

في عامها الأخير، صار حضورها أكثر صفاءً، وكأنها كانت تُكثّف نفسها قبل الغياب.
تُعطي أكثر، تُصغي أكثر، تقترب أكثر من الناس، وتبتسم كأنها تحفظ العالم من الانهيار.
كانت تحاضر، تساعد، تلتقط الصور، تحتضن التعب في وجوه الآخرين، ثم تعود وحدها إلى صمتها الخاص.

كم مرة قالت “أنا بخير” وهي ليست كذلك؟
كم مرة أخفت ألمها كي لا يُثقل أحدًا؟
وكم مرة كانت تحتاج أن تُسند، لكنها فضّلت أن تكون هي السند؟

هناك نوع من البشر يختار أن يُكمل الطريق حتى وهو ينكسر من الداخل، فقط لأنهم لا يريدون أن يروا العالم أقل دفئًا بسببهم.

ثم جاءت اللحظة التي لا تُمهل أحدًا.

رحلت فجأة، في الثانية والخمسين فقط.
كأن الحياة قررت أن تستعيدها بهدوءٍ يشبهها.

وحين انكشف بعد رحيلها أنها كانت تحمل مرضها طوال ذلك الوقت، لم يكن الحزن عاديًا.
كان مزيجًا من الذهول، والامتنان، والألم العميق أمام إنسانة اختارت أن تمنح الحياة للآخرين حتى وهي تفقدها بصمت.

لم يعد غيابها مجرد فقد، بل سؤالًا كبيرًا:
كيف استطاعت أن تكون بهذا القدر من النور وهي تمشي نحو النهاية وحدها؟

لكن الإجابة كانت في كل ما تركته خلفها.

في كل شخص ساعدته على النهوض حين ظن أنه انتهى.
في كل طالب تعلّم منها أن الإنسان قبل المعرفة.
في كل لحظة صادقة التقطتها فأنقذت شيئًا من النسيان.
وفي كل قلب عرفها، حتى لوقت قصير، ثم أصبح أكثر رحمة بعدها.

بعض البشر يرحلون فيصمت أثرهم.
وبعضهم يرحلون، فيبدأ أثرهم الحقيقي.
وأُميمة كانت من النوع الثاني…
الذي لا يُقاس بمدة حضوره، بل بعمق ما يتركه بعد الغياب



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يُطفأ البيت من الداخل
- من الرملة إلى رام الله… لقاءٌ مع المعنى في زمن الخسارات
- حين يمرّ الغياب بهدوء
- «أجنحة النور والأمل»… حين يتحوّل المرض إلى معنى قابل للحياة ...
- من بار إيلان إلى غزة ولبنان: كيف أصبحت الحرب عقيدة الليكود؟
- حين يُغلق القلب نفسه
- سامية حكيم… المرأة التي كانت تُشبه البيت
- أنا من فلسطين – وديع مرجية: قصيدة تتحوّل إلى وطنٍ لا يُغادَر
- ليس الخطر أن نخسر الانتخابات… بل أن يعتاد الناس خسارتنا -
- لم يمتْن في حادث… بل في طريقٍ يُهملهن
- العذرية كجرحٍ أول�قراءة في “يوميات عذراء” للكاتبة دين ...
- حين كُسرت الكاميرا… من الذي كُسر حقًا؟
- الدكتورة أميمة ذياب… سنشتاق لكِ ولن ننساكِ
- متأخرة بنصف خطوة
- حين يصير الدم ذاكرةً يومية: تأمّلات في القتل المنظّم داخل فل ...
- ما لا نشعر به… يُديرنا
- أمل مرقس: هنا… حيث يغنّي الفقدُ بصوتٍ لها
- قراءة في قصيدة للشاعرة رانية مرجية -الحذف بدل الانتظار- بقلم ...
- حين تُضرب الراهبة… تُفضَح المدينة
- الحذف بدل الانتظار


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - لم تخبر أحدًا… لكنها أنقذت الجميع