أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ا لنافذة التي تعلّمت الصمت














المزيد.....

ا لنافذة التي تعلّمت الصمت


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 14:11
المحور: الادب والفن
    


كان الليل في ذلك المكان لا ينزل من السماء، بل يتكوّن داخل الجدران.
كأن المبنى يحتفظ بكل ما مرّ فيه من خوفٍ وصراخٍ وبكاءٍ مكتوم، ثم يعيده مع حلول المساء على هيئة صمتٍ ثقيل يهبط ببطء فوق الأرواح.

الممر طويل وبارد، مضاء بمصابيح شاحبة تُصدر أزيزًا خافتًا يشبه التعب.
رائحة المعقّمات تختلط برطوبة قديمة، وبشيءٍ آخر لا اسم له… شيء يشبه الحزن حين يبقى عالقًا في مكانٍ مغلق لسنوات.

وفي آخر الممر، كانت هناك نافذة معدنية صغيرة.

نافذة لا تُفتح.

لكنها ترى كل شيء.

زجاجها البارد كان يلتقط الوجوه كما هي؛ دون أقنعة، دون أعذار، ودون أن يمنح أحدًا فرصةً كاملة للاختباء.

جلست سلمى قبالتها.

لم تكن تنظر إلى الخارج، بل إلى انعكاسها فوق الزجاج، كأن مواجهة النفس تصبح أهون حين تحدث عبر مسافةٍ صغيرة من الإنكار.

بدت هادئة لمن يراها، لكن يديها كانتا متشابكتين بقوة فوق حجرها، وفي عينيها ذلك التعب الذي يصيب الأشخاص الذين يظلون متماسكين وقتًا أطول مما ينبغي.

كانت تعرف هذا النوع من الإرهاق جيدًا.

إرهاق أن تُصغي للجميع، بينما لا يلتفت أحد إلى الضجيج الذي يحدث داخلك.

في الجهة المقابلة، كان سامر يتحرك ذهابًا وإيابًا.

خطواته لم تكن خطوات حقيقية، بل محاولات متقطعة لإثبات أنه ما زال موجودًا، وأنه لم يتحول بعد إلى ظلٍّ آخر داخل هذا المكان.

كان داخله ضجيج لا يشبه التفكير، بل يشبه أبوابًا تُفتح وتُغلق بعنف، وذكرياتٍ تدخل دون استئذان، ووجوهًا تحدّق فيه كما لو أنها تنتظر منه الخطأ التالي.

في أماكن كهذه، لا يبدأ الانهيار فجأة.

بل يُمارَس ببطء.

قطرةً بعد أخرى.

حتى يصبح الاعتياد على الألم نوعًا من البقاء.

توقف سامر فجأة، ثم التفت نحوها.

قال بصوت متوتر:
— “ليش بتراقبيني؟”

لم تُجب فورًا.

بقيت تحدّق في النافذة، في انعكاسهما المرتبك فوق الزجاج.

ثم قالت بهدوء متعب:
— “أنا لا أراقبك… أنا فقط أحاول أفهم ليش كل شيء هون يبدو كأنه على وشك ينكسر.”

ظهرت على شفتيه ابتسامة قصيرة، باهتة، خالية من الفرح.

— “أنتو دائمًا بتحكوا هيك.”

اقترب خطوة.

ثم أخرى.

وفي انعكاس النافذة، بدا الاثنان كأنهما شخصٌ واحد يبحث عن نفسه داخل جسدين متعبين.

قال بصوت أخفض:
— “أنا مش خطأ.”

هذه المرة رفعت سلمى عينيها نحوه مباشرة.

وللمرة الأولى، لم تره كحالة يجب احتواؤها، بل كإنسان أنهكه الدفاع المستمر عن نفسه.

سكتت لحظة.

ثم قالت:
— “ولا أنا بخير مثل ما ببيّن.”

توقف الهواء بينهما.

شيءٌ هشّ انكشف فجأة، كأن الحقيقة حين تُقال بصوتٍ صادق تُربك الجميع.

لكن الكلمات، بعدما اقتربت من جرحها الحقيقي، بدأت تفقد قدرتها على التهدئة.

— “أنتِ ما بتفهميني!”
— “لأنك ما بتخلّي حدا يسمعك!”
— “أنتِ بتحكموا عليّ قبل ما أحكي!”
— “وأنت بتخاف من نفسك لدرجة بتهاجم أي حدا يقترب منك!”

ارتفعت الأصوات بسرعة، كأن اللغة نفسها بدأت تتكسر داخل الغرفة.

صار كل شيء حادًا:
الضوء،
الأنفاس،
صدى الخطوات،
وذلك الخوف القديم الذي يعرف كيف يملأ الأمكنة خلال ثوانٍ.

ثم حدث ما يحدث دائمًا حين تعجز الكلمات عن الاحتمال.

دفعةٌ مرتبكة.

تراجعٌ سريع.

وصوت جسدٍ اصطدم بالخوف أكثر مما اصطدم بالأرض.

دخل الطاقم مسرعًا.

أوامر قصيرة.

أيدٍ تحاول السيطرة على الفوضى.

وضجيج يتحرك في كل الاتجاهات.

لكن وسط ذلك كله، كان هناك شيء آخر يحدث بصمت.

سامر توقف.

ليس لأن أحدًا أمسكه.

بل لأنه رأى نفسه في النافذة.

وللمرة الأولى، لم يرَ وجهًا غاضبًا.

رأى شخصًا متعبًا من البقاء في حالة دفاع دائم.

شخصًا يتصرف بعنف لأنه لم يتعلم يومًا أين يضع كل هذا الألم.

ارتخت كتفاه ببطء.

ثم جلس على الأرض، كأن جسده سبق روحه إلى الاستسلام.

وقال بصوتٍ مكسور:
— “أنا لا أريد أؤذي أحد… بس ما حدا علّمني كيف أهدأ من جوّا.”

ساد الصمت.

حتى الطاقم توقف للحظة، كأن الجملة كشفت شيئًا أعمق من المشكلة نفسها.

نظرت سلمى إلى انعكاسه في الزجاج.

ثم إلى انعكاسها هي.

ورأت التعب ذاته، وإن اختلف شكله.

قالت بصوت خافت:
— “كلنا هون ما منعرف نؤذي… إحنا بس بنتعلّم كيف ننجو بطريقة غلط.”

ولأول مرة منذ بداية الليل، بدا المكان أقل قسوة.

كأن الاعتراف الصادق يخفف ثقل الجدران قليلًا.

ساد صمت طويل.

لكنّه لم يكن صمت غرفة مغلقة.

كان صمت فهمٍ متأخر.

صمت أشخاص أدركوا، ولو للحظة قصيرة، أن البشر لا يتحولون إلى قسوة فجأة… بل يتراكم داخلهم الألم بصمت، حتى يفقدوا الطريق إلى أنفسهم.

وقبل أن يُغلق الباب، بقيت النافذة وحدها في آخر الممر.

تراقب المكان ببرودها القديم.

لكنها، بعد كل ما رأته، لم تعد قادرة على الحكم على أحد.

لا بين مذنبٍ وبريء.

ولا بين قويٍّ وضعيف.

كانت تعرف الآن أن بعض الناس لا يفعلون الشر لأنهم يريدونه…

بل لأن أحدًا لم يعلّمهم يومًا كيف ينجون من عواصفهم الداخلية دون أن يؤذوا أنفسهم والآخرين.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الانقسام طريقة حياة…
- 📝قراءة في نص: -لم تخبر أحدًا... لكنها أنقذت الجميع- ...
- لم تخبر أحدًا… لكنها أنقذت الجميع
- حين يُطفأ البيت من الداخل
- من الرملة إلى رام الله… لقاءٌ مع المعنى في زمن الخسارات
- حين يمرّ الغياب بهدوء
- «أجنحة النور والأمل»… حين يتحوّل المرض إلى معنى قابل للحياة ...
- من بار إيلان إلى غزة ولبنان: كيف أصبحت الحرب عقيدة الليكود؟
- حين يُغلق القلب نفسه
- سامية حكيم… المرأة التي كانت تُشبه البيت
- أنا من فلسطين – وديع مرجية: قصيدة تتحوّل إلى وطنٍ لا يُغادَر
- ليس الخطر أن نخسر الانتخابات… بل أن يعتاد الناس خسارتنا -
- لم يمتْن في حادث… بل في طريقٍ يُهملهن
- العذرية كجرحٍ أول�قراءة في “يوميات عذراء” للكاتبة دين ...
- حين كُسرت الكاميرا… من الذي كُسر حقًا؟
- الدكتورة أميمة ذياب… سنشتاق لكِ ولن ننساكِ
- متأخرة بنصف خطوة
- حين يصير الدم ذاكرةً يومية: تأمّلات في القتل المنظّم داخل فل ...
- ما لا نشعر به… يُديرنا
- أمل مرقس: هنا… حيث يغنّي الفقدُ بصوتٍ لها


المزيد.....




- مدن الدوائر الموبوءة بالأدعية 
- الدوحة 35.. معرض كتاب يكبر في زمن ينكمش فيه القراء
- مهرجان كان: حضور محترم للأفلام العربية وتكريم للممثل المصري ...
- 7 دقائق كلفت 102 مليون دولار.. تقرير فرنسي يندد بالإهمال الأ ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: عشاق السينما يحجزون أماكنهم على ا ...
- المجلس الثقافي البريطاني يعلن عن 10 مشاريع إبداعية جديدة ضمن ...
- رجل متهم بسرقة موسيقى بيونسيه غير المنشورة يُقرّ بالذنب
- طلاب مصر يدخلون البورصة.. هل تنجح الثقافة المالية بالمدارس؟ ...
- افتتاح الدورة الـ 79 لمهرجان كان السينمائي بحضور نخبة من الن ...
- نجمة عربية تكشف جنس مولودها بفستان -زهري- في حفل افتتاح مهرج ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ا لنافذة التي تعلّمت الصمت