أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - نبيل طنوس… حين تتعلّم اللغة أن تُنقذ الإنسان من وحدته














المزيد.....

نبيل طنوس… حين تتعلّم اللغة أن تُنقذ الإنسان من وحدته


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 23:02
المحور: الادب والفن
    


لا تُقاس بعض التجارب بما تُنتجه من نصوص، بل بما تكشفه من طريقة خفية لفهم اللغة والعالم معًا.

فاللغة ليست أداة نقل محايدة كما نتصورها، بل بنية حيّة تعيد تشكيل المعنى أثناء نقله، وتكشف حدود الفهم بقدر ما تفتحه. ومن هنا تبرز تجربة الدكتور نبيل طنوس بوصفها محاولة لإعادة التفكير في الترجمة: لا كحرفة تقنية، بل كمنطقة إنسانية دقيقة يتداخل فيها اللغوي بالوجودي.

في تعريفها التقليدي، تبدو الترجمة عملية واضحة: نقل معنى من لغة إلى أخرى.
لكن هذا التعريف يخفي سؤالًا أبسط في صياغته، أعمق في أثره: ماذا نفقد حين نُعيد إنتاج المعنى في لغة أخرى؟ وماذا يبقى منه فعلًا؟

هنا يبدأ اشتغال طنوس.

فهو لا يتعامل مع النص بوصفه مادة لغوية جاهزة، بل بوصفه كيانًا حيًا داخل سياقه، مشدودًا إلى ذاكرة من الإيقاع والتجربة والصمت.
الكلمة عنده ليست وحدة معجمية منفصلة، بل جزء من شبكة إنسانية معقدة.

ومن هذا المنظور، لا تكون الترجمة نقلًا، بل إعادة بناء للمعنى داخل نظام لغوي آخر، مع إدراك واعٍ بأن شيئًا ما سيفلت دائمًا.

وهنا يتحول الفعل من مهارة لغوية إلى مسؤولية أخلاقية.

فاللغة، في جوهرها، ليست شفافة.
إنها محمّلة بما لا يُقال بقدر ما تُصرّح به.
وكل جملة هي نتيجة توتر دائم بين المقصود والممكن.

لذلك لا يلاحق المترجم الحقيقي الكلمات فقط، بل يلاحق حدودها أيضًا: ما تستطيع قوله، وما تعجز عن حمله.

وحين اقترب نبيل طنوس من الشعر، اقترب من أكثر مناطق اللغة حساسية.
فالشعر ليس نصًا قابلًا للشرح المباشر، بل كثافة من الإيحاء تقاوم الاختزال.

ولهذا بدت ترجمته للشعر أقرب إلى الإصغاء منها إلى التفسير؛ إصغاء لما يختبئ خلف الجملة، وما يبقى حاضرًا بعد أن يخفت صوتها.

وفي تعامله مع شعر محمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين، يتضح أن المسألة ليست لغوية فقط، بل ثقافية ووجودية أيضًا.
فنحن أمام نصوص تحمل ذاكرة جماعية وتجربة إنسانية مشبعة بالهوية والمنفى والجرح.

لكن ما يميز تجربة طنوس ليس ما ترجم، بل كيف اقترب من النص.
فهو لم يسع إلى امتلاكه، ولا إلى إخضاعه، بل إلى فهمه وإعادة إتاحته بلغة أخرى بأقل خسارة ممكنة من روحه.

وهذا توازن شديد الدقة، لأن الترجمة غالبًا ما تتأرجح بين طرفين:
دقة تُفرغ النص من روحه، وانسياب يُفقده حدوده الأصلية.

أما في تجربته، فالمسألة ليست اختيارًا بينهما، بل محاولة الحفاظ على “حياة النص” داخل انتقاله.

وهنا تصبح الترجمة شكلًا من العدالة الثقافية:
أن يُمنح النص فرصة أن يُفهم دون أن يُشوَّه، وأن يُمنح القارئ فرصة الاقتراب من تجربة مختلفة دون أن تُختزل.

بهذا المعنى، لا تعمل الترجمة كجسر سهل بين لغتين، بل كمساحة اختبار صعبة للمعنى نفسه.

يمكن قراءة تجربة نبيل طنوس بوصفها محاولة لفتح شقّ دقيق في جدار اللغة؛ شقّ لا يعد بحلول نهائية، لكنه يخفف عزلة البشر عبر إمكان الفهم.

وفي زمن تتسارع فيه اللغة وتزداد سطحية، تبدو هذه المقاربة أكثر عمقًا مما توحي به بساطتها.

في النهاية، لا تبدو الترجمة عند نبيل طنوس مجرد مهنة،
بل ممارسة فكرية وإنسانية تعيد التذكير بأن المعنى لا ينتقل كما هو، بل يُعاد خلقه في كل مرة، وأن الفهم الحقيقي يبدأ حين نعترف بأن شيئًا ما سيفلت دائمًا من أيدينا
21-5-26



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميخائيل فانوس و”مسرح الحياة”… هناك تعلّمت أن الإنسان يمكن أن ...
- الصوت العربي في الكنيست: أقلية تعرف كل شيء… إلا حجم قوتها
- الحافلة التي لا تصل قصيدة ساخرة
- بين البيت والعمل والمقبرة… أتعلم كيف أمشي خفيفة
- المجلس الثوري بين التمثيل والإقصاء: قراءة في نتائج مؤتمر فتح
- سناء لهّب… حين يتحوّل المسرح إلى ضميرٍ يمشي بين الناس
- الزهور لا تُكتب على القبور
- الطريق الثامنة
- ديانا… المرأة التي هزمت الغياب
- عندما يسقط القناع من أفواههم
- الأذان ليس تهمة
- معركة الكراسي… حيث لا أحد يغادر فعليًا
- ا لنافذة التي تعلّمت الصمت
- حين يصبح الانقسام طريقة حياة…
- 📝قراءة في نص: -لم تخبر أحدًا... لكنها أنقذت الجميع- ...
- لم تخبر أحدًا… لكنها أنقذت الجميع
- حين يُطفأ البيت من الداخل
- من الرملة إلى رام الله… لقاءٌ مع المعنى في زمن الخسارات
- حين يمرّ الغياب بهدوء
- «أجنحة النور والأمل»… حين يتحوّل المرض إلى معنى قابل للحياة ...


المزيد.....




- كشف تفاصيل علاقته برمضان.. محمد دياب: هذه حكاية فيلم -أسد-
- العين العربية مؤجلة.. ندوة في معرض الدوحة تحفر في علاقتنا با ...
- كتارا تعلن فائزي جائزة كتارا للشعر العربي -أمهات المؤمنين رض ...
- مهرجان كان السينمائي-المسابقة الرسمية تستعيد ظلال الحرب العا ...
- كتاب -سورية الثورة والدولة- يفكك تحولات دمشق بعد سقوط النظام ...
- مهرجان كان: فيلم -توت الأرض-.. عن معاناة العاملات الموسميات ...
- من مخطوطة في العشق
- باريس تستضيف فعالية موسيقية فرنسية لبنانية لدعم الأزمة الإنس ...
- معرض الدوحة للكتاب.. الكَمْلي يستحضر قرطبة وسمرقند ليُجيب عن ...
- الممثلة التونسية درّة زروق تنشر صوراً لها -بين الماضي والحاض ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - نبيل طنوس… حين تتعلّم اللغة أن تُنقذ الإنسان من وحدته