أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين يصبح الشارع أرحم من العالم














المزيد.....

حين يصبح الشارع أرحم من العالم


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 13:59
المحور: الادب والفن
    


في المدن التي اعتادت رؤية الألم، تمرّ المآسي الصغيرة بلا ضجيج.
وجوهٌ منهكة عند الأرصفة، عيونٌ شاردة تحت أضواء الليل، وأرواحٌ تتآكل ببطء فيما يواصل العالم سيره كأن شيئًا لم يحدث.
لكن بعض الحكايات تترك خلفها رجفةً لا تزول، لأنها لا تتحدث عن الضياع فقط… بل عن إنسانٍ فقد الطريق إلى الواقع نفسه.
في إحدى ليالي اللد، كانت شابة في الثانية والعشرين من عمرها تسير وحدها بلا وجهة واضحة.
لم تكن تمشي كمن يعرف إلى أين يذهب، بل كمن يحاول الهروب من شيءٍ يطارده من الداخل.
خطواتها المرتبكة، نظراتها القلقة، ارتباكها أمام الوجوه والأماكن… كلها كانت تقول إن معركةً قاسية تدور داخلها بصمت.
كانت تبدو خائفة من العالم،
ومن نفسها أيضًا.
خلف ذلك المشهد المختصر، كان هناك تاريخ طويل من الصراع مع المرض النفسي، وسنوات من التصدع الداخلي الذي لا يراه أحد.
أما المخدرات، فلم تكن سوى محاولة يائسة لإسكات الضجيج داخل رأسها؛
هدنة قصيرة من الخوف، من الأصوات، من الفوضى التي كانت تبتلعها ببطء.
فبعض البشر لا يهربون نحو الإدمان حبًا في السقوط،
بل لأنهم تعبوا من محاولة النجاة.
المرض النفسي لا يترك جروحًا ظاهرة دائمًا.
لا يثير الدم على الأرصفة، ولا يسمع الناس صوته بسهولة،
لكنه يلتهم الإنسان من الداخل بهدوءٍ مرعب، حتى يصبح غريبًا عن العالم وعن نفسه معًا.
وكان واضحًا أن تلك الشابة وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة فيها على الإمساك الكامل بخيط الواقع.
كانت تائهة بين الشارع وبين عالمٍ مضطرب يسكن داخلها،
وحيدة في مواجهة خوفٍ أكبر من قدرتها على الاحتمال.
وعندما حاول بعض المارة الحديث معها، لم تطلب مالًا، ولم تصرخ، ولم تبدُ عدائية.
قالت فقط بصوتٍ مرتجف، كأن الكلمات خرجت من عمق انهيارها:
“أريد أمي…”
وفي لحظات الانكسار الكبرى، تختصر جملة واحدة حياةً كاملة.
فجأة، لم تعد تلك الشابة امرأة في الثانية والعشرين،
بل طفلة ضائعة تبحث عن آخر مكان شعرت فيه بالأمان.
كانت تريد أمها لأن الإنسان، حين ينهار نفسيًا، يعود غريزيًا إلى أول معنى للحماية عرفه في حياته.
إلى الحضن الذي لا يسأل كثيرًا، ولا يطلب تفسيرًا للألم، بل يحتويه فقط.
الأم، في تلك اللحظات، لا تكون شخصًا…
بل وطنًا أخيرًا.
المشهد لم يكن مجرد فتاة شاردة في الطريق،
بل صورة موجعة عن هشاشة الإنسان حين يُترك وحيدًا أمام مرضه،
وصورة أشد قسوة عن مجتمعٍ لا يزال ينظر إلى المرض النفسي بوصفه وصمة، لا وجعًا يحتاج إلى رعاية واحتواء.
كم من الأرواح تُدفع نحو الشوارع لا لأنها اختارت الضياع،
بل لأنها لم تجد يدًا تمتد إليها قبل السقوط؟
وكم من الأشخاص الذين نختصرهم سريعًا بكلمات مثل “مدمن” أو “مختل”،
كانوا في الأصل بشرًا خائفين، أنهكتهم الحياة بصمت؟
تلك الليلة، لم تكن الشابة بحاجة إلى أحكام أخلاقية،
ولا إلى نظرات شفقة عابرة.
كانت تحتاج إلى نجاة حقيقية؛
إلى من يراها كإنسانة قبل أن يراها كعبء أو مشكلة.
لأن أكثر ما يقتل الأرواح المتعبة ليس المرض وحده،
بل شعورها أن العالم كله توقف عن الإصغاء إليها.
وربما كانت المأساة الأعمق،
أن بعض البشر لا يموتون دفعةً واحدة…
بل يختفون تدريجيًا، بينما يمرّ الجميع بجانبهم دون أن ينتبه.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نبيل طنوس… حين تتعلّم اللغة أن تُنقذ الإنسان من وحدته
- ميخائيل فانوس و”مسرح الحياة”… هناك تعلّمت أن الإنسان يمكن أن ...
- الصوت العربي في الكنيست: أقلية تعرف كل شيء… إلا حجم قوتها
- الحافلة التي لا تصل قصيدة ساخرة
- بين البيت والعمل والمقبرة… أتعلم كيف أمشي خفيفة
- المجلس الثوري بين التمثيل والإقصاء: قراءة في نتائج مؤتمر فتح
- سناء لهّب… حين يتحوّل المسرح إلى ضميرٍ يمشي بين الناس
- الزهور لا تُكتب على القبور
- الطريق الثامنة
- ديانا… المرأة التي هزمت الغياب
- عندما يسقط القناع من أفواههم
- الأذان ليس تهمة
- معركة الكراسي… حيث لا أحد يغادر فعليًا
- ا لنافذة التي تعلّمت الصمت
- حين يصبح الانقسام طريقة حياة…
- 📝قراءة في نص: -لم تخبر أحدًا... لكنها أنقذت الجميع- ...
- لم تخبر أحدًا… لكنها أنقذت الجميع
- حين يُطفأ البيت من الداخل
- من الرملة إلى رام الله… لقاءٌ مع المعنى في زمن الخسارات
- حين يمرّ الغياب بهدوء


المزيد.....




- فنانون يشكّلون حيوانات بحرية عملاقة من الرمل
- مسرحية -خيال مريض- تؤخر عرضها الأول لما بعد مباراة مصر والأر ...
- شاهد..شخصية الخامنئي بين الفكر والثقافة والقيادة وصناعة التأ ...
- دعوات رسمية في إثيوبيا لدمج اللغة العربية في المنظومة التعلي ...
- من القهر إلى الثورة.. كيف أعادت السينما المصرية صياغة صورة ا ...
- فخاخ اللغة في مفاوضات الأعداء: كيف تصنع الفاصلة مصائر الشعوب ...
- محمد القصبجي.. عبقري العود الذي أرسى دعائم الموسيقى العربية ...
- رحيل الفنان عبدالعزيز مخيون.. وداعاً مثقف الشاشة المصرية ومن ...
- السينما الغنائية العربية: من وهج البدايات إلى انحسار التيار ...
- حكاية لعبة 5: صرخة سينمائية في وجه الاغتراب الرقمي للأطفال


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين يصبح الشارع أرحم من العالم