أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - تمالكوا ظلالَكم: قراءة في تفكك الوطن داخل قصيدة ريما حمزة














المزيد.....

تمالكوا ظلالَكم: قراءة في تفكك الوطن داخل قصيدة ريما حمزة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 12:12
المحور: الادب والفن
    


في هذه القصيدة للشاعرة السورية ريما حمزة لا يظهر الوطن بوصفه معنى جاهزًا أو فكرة مستقرة، بل بوصفه كيانًا لغويًا ونفسيًا في حالة تفكك دائم، يعيد إنتاج انهياره داخل اللغة ذاتها. لذلك لا يشتغل النص على سؤال “ما الوطن؟” بقدر ما يشتغل على تفكيك إمكانية هذا السؤال من الأساس: كيف يمكن لفكرة الوطن أن تستمر حين تتآكل شروطها الداخلية في اللغة والوعي والذاكرة؟



منذ الافتتاح «بضعٌ… ووطنٌ» ندخل في بنية لغوية تقوم على الكسر لا الاكتمال. الجملة لا تُبنى بقدر ما تتعثر، وكأن المعنى نفسه فقد ثقته في انتظامه. هذا التشظي الأول ليس تقنية أسلوبية، بل علامة على أزمة أعمق: اللغة لم تعد وسيطًا آمنًا للمعنى، بل صارت فضاءً هشًا يكشف حدود القدرة على التسمية. الفانوس القاحل في يمين المشهد لا يحيل إلى العتمة فقط، بل إلى نور فقد وظيفته الجوهرية: الهداية. يصبح الضوء هنا مجرد أثر، حضور بلا اتجاه، وإشارة لا تقود إلى شيء.



يتحوّل الوطن تدريجيًا إلى بنية شعورية مشروخة: «جملة هروب مرتبكة»، «وجهة نظر»، «كرة خارج شباك الراحة». هذه ليست استعارات زخرفية، بل علامات على انتقال الوطن من كونه كيانًا جمعيًا متماسكًا إلى كونه اضطرابًا في الوعي الفردي والجمعي معًا. لم يعد مكانًا يمكن العودة إليه، بل فكرة تتنازعها حالات النجاة والخوف والإنكار في آن واحد.



السؤال «هل هذا وطن؟» لا يطلب إجابة، بل يكشف استحالة الإجابة. إنه لحظة انهيار في معيار الحقيقة، حين يفقد السؤال وظيفته الاستفهامية ويصبح علامة على عجز اللغة عن تثبيت أي يقين. ومن هنا تأتي الصيغة الأكثر قسوة: «ألبوم فتاوى ورصاص». هنا لا يتجاور المقدس مع العنف بوصفه تناقضًا، بل بوصفه بنية واحدة لإنتاج الحقيقة القاتلة، حيث تتحول اللغة إلى جهاز سلطة يعيد تشكيل الواقع بين التبرير والإقصاء.



في العمق النفسي للنص، يتحول الجسد إلى مساحة كتابة مؤلمة: «لوّنتُ دمي بالأسئلة المُحرِجة». السؤال هنا لم يعد أداة تفكير، بل تجربة وجود تُنقش على الجسد نفسه. المعرفة تفقد حيادها وتتحول إلى عبء داخلي، والوعي لم يعد نافذة على العالم، بل ثقلًا يضغط على صاحبه من الداخل، حتى يصبح التفكير شكلًا من أشكال الاستنزاف.



وتبلغ القصيدة ذروتها في المفارقة التالية: «الوطن خاسر… جملة خاطئة… لكنها صائبة جدًا». هنا يتفكك مفهوم الصواب ذاته. لم يعد معيارًا منطقيًا أو أخلاقيًا ثابتًا، بل انقسامًا داخليًا بين ما يدينه العقل وما يعجز القلب عن التخلي عنه. يمكن للوطن أن يكون خطأً سياسيًا وأخلاقيًا، لكنه يظل صحيحًا بوصفه قدرًا عاطفيًا لا يمكن تجاوزه. هذه الازدواجية ليست تناقضًا بل بنية وجودية: أن تعي فساد ما تنتمي إليه، ومع ذلك لا تستطيع نفيه.



أما عبارة «المستقر في جنوب الله» فهي انزياح ميتافيزيقي ينقل الوطن من الجغرافيا إلى أقصى الهامش الكوني، إلى منطقة غياب رمزي دائم. الجنوب هنا ليس اتجاهًا، بل حالة سقوط خارج خرائط العدالة والمعنى، حيث يصبح الوجود نفسه معلقًا في فراغ لا يَعِد بالخلاص ولا يفسّر الألم.



وفي الخاتمة، تتعرّى اللغة من كل أشكال التلطيف. لا ضحك قادر على تجاوز السؤال، ولا خطاب قادر على احتوائه. ينتهي النص إلى عُري وجودي صارم: «لا فطرة لك… غير هجير في أقصى الروح». إنها صورة الإنسان حين يُترك بلا سند رمزي، بلا ماء داخلي يخفف احتراقه، في مواجهة ذاته بوصفها صحراء ممتدة لا نهاية لها.



بهذا لا تكتب القصيدة عن وطن مفقود، بل عن انكسار فكرة الانتماء حين تتحول إلى عبء وجودي وأخلاقي في آن، وحين يصبح السؤال نفسه الشكل الأخير الممكن للبقاء دون عالم لم يعد يثبت سوى ارتباكه


تمالكوا ظلالَكم
ريما حمزة
بضعٌ .... و وطنٌ
في يمينهِ فانوسٌ قاحلٌ
وفي يسارهِ جملةُ هروبٍ مرتبكةٌ
هو يومٌ كسابقهِ
ومَنْ تساوى نَدَماهُ
هوتْ ملامحُهُ في خرَسِ الأسئلةِ
هو وجهةُ نظرٍ
أو قُلْ ، بدلاً من ذلك
كرةٌ خارجَ شباكِ الراحةِ
هل هذا وطنٌ ؟! ....
أم ألبومُ فتاوى ورصاصٍ
لوّنتُ دمي بالأسئلةِ المُحرِجةِ
للعمرِ رصاصةٌ واحدةٌ
موجّهةٌ صوبَ رأسي
إنّها بكلِ صعوبةِ هذا الوطنِ
المستقِرِّ في جنوبِ اللهِ
الوطنُ خاسرٌ
جملةٌ خاطئةٌ
كوجهي المشظّى بأسانيدَ مُعتبرةٍ
لكنها جملةٌ صائبةٌ جداً
كقلبي المذبوحِ
في علنِ الفتحِ الظاهرِ في تنوينِ الخسارةِ
هو ريشةٌ في مهبِّ الشعراءِ
وفي مهبِّ الشهداءِ
سؤالٌ صعبٌ
لن تعبرَ شعابَ السؤالِ
بالضحكِ المُزوّرِ
أو بالقصائدِ المُترهلة بالوجع
لن تتسعَ الفطرةُ لفعلينِ في جرأةٍ واحدةٍ
لا فطرةَ لك ....
غيرُ هجيرٍ في أقصى الروحِ ..



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة الأرثوذكسية… بين أصالة الموروث وتحديات الحداثة
- ليان… حين يصبح العيش مع الاختلاف معركة من أجل الكرامة
- هذه قراءة نقدية وانطباعية في النص الإنساني المؤثر للكاتبة را ...
- حين يصبح الشارع أرحم من العالم
- نبيل طنوس… حين تتعلّم اللغة أن تُنقذ الإنسان من وحدته
- ميخائيل فانوس و”مسرح الحياة”… هناك تعلّمت أن الإنسان يمكن أن ...
- الصوت العربي في الكنيست: أقلية تعرف كل شيء… إلا حجم قوتها
- الحافلة التي لا تصل قصيدة ساخرة
- بين البيت والعمل والمقبرة… أتعلم كيف أمشي خفيفة
- المجلس الثوري بين التمثيل والإقصاء: قراءة في نتائج مؤتمر فتح
- سناء لهّب… حين يتحوّل المسرح إلى ضميرٍ يمشي بين الناس
- الزهور لا تُكتب على القبور
- الطريق الثامنة
- ديانا… المرأة التي هزمت الغياب
- عندما يسقط القناع من أفواههم
- الأذان ليس تهمة
- معركة الكراسي… حيث لا أحد يغادر فعليًا
- ا لنافذة التي تعلّمت الصمت
- حين يصبح الانقسام طريقة حياة…
- 📝قراءة في نص: -لم تخبر أحدًا... لكنها أنقذت الجميع- ...


المزيد.....




- الممثل البريطاني ريز أحمد: أجهزة الأمن حاولت تجنيدي 3 مرات
- الأدب المقارن بين التأصيل النظري وتعدد القراءات الثقافية في ...
- أكاديميون ينتقدون -إلسيفير-ستانفورد-.. مؤشرات علمية أم أدوات ...
- المغنية والممثلة مايلي سايروس تحصل على نجمة المشاهير في ممشى ...
- هل تخشى أن تصبح مثلهم؟.. 5 أفلام تكشف الوجه الآخر للأبوة في ...
- مهرجان كان : السعفة الذهبية لفيلم -فيورد- للمخرج الروماني كر ...
- الفنان المصري إدوارد يحتفل بزفاف نجله ماركو
- محمد سعيد أحجيوج: لهذا تسقط الرواية العربية في فخ الأيديولوج ...
- لماذا تتضارب الروايات الإيرانية والأمريكية حول الاتفاق الوشي ...
- فيلم -FJORD- يفوز بالسعفة الذهبية.. إليكم جوائز مهرجان كان ا ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - تمالكوا ظلالَكم: قراءة في تفكك الوطن داخل قصيدة ريما حمزة