أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكماء» (أمثال 15: 31)














المزيد.....

الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكماء» (أمثال 15: 31)


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 10:05
المحور: قضايا ثقافية
    


ثمة آيات لا نفهمها حين نقرأها للمرة الأولى.

لا لأن معناها غامض، بل لأن الحياة لم تفتح لنا بعد الباب الذي يقود إليها.

وهذه الآية كانت واحدة منها.

لفترة طويلة كنت أظن أن الحكمة تُكتسب من العمر، أو من كثرة القراءة، أو من تراكم الخبرات. لكن السنوات علمتني أن كثيرين يعبرون الحياة دون أن يصبحوا حكماء، وكثيرين يتألمون دون أن يتعلموا شيئًا من آلامهم.

فالحكمة لا تولد من التجربة وحدها.

بل من الإصغاء إليها.

لهذا لم تتحدث الآية عن العقل الذي يفكر، ولا عن العين التي ترى، بل عن الأذن التي تسمع.

كأن الحكمة تبدأ من هناك.

من القدرة النادرة على الإصغاء.

مع مرور الوقت، أدركت أن الحياة تتحدث إلينا باستمرار.

لكنها لا ترفع صوتها منذ البداية.

إنها تهمس أولًا.

في قلقٍ عابر نتجاهله.

وفي شعور خافت بأننا نسير في الاتجاه الخطأ.

وفي انقباض داخلي نحاول إسكاته بالانشغال.

وحين لا نصغي، تعود الرسالة بصورة أوضح.

وأقسى أحيانًا.

ليس لأن الحياة تريد أن تعاقبنا، بل لأنها ما زالت تحاول أن تعلمنا.

كم من حقيقة مرت بنا كنسمة خفيفة فلم نلتفت إليها، ثم عادت بعد سنوات على هيئة عاصفة.

وكم من باب أصررنا على فتحه، بينما كانت الحكمة كلها تكمن في بقائه مغلقًا.

وكم من مرة ظننا أن المشكلة في العالم من حولنا، ثم اكتشفنا متأخرين أنها كانت تسكن في أعماقنا منذ البداية.

أعتقد أن أكثر ما يخشاه الإنسان ليس الألم.

بل الحقيقة.

الحقيقة حين تقترب من الصورة التي رسمناها لأنفسنا.

الحقيقة حين تكشف أن بعض قناعاتنا لم تكن يقينًا بل خوفًا.

وأن بعض اختياراتنا لم تكن شجاعة بل هروبًا.

وأن بعض ما دافعنا عنه طويلًا لم يكن إلا وهمًا أحببناه.

لهذا يبدو التغيير مؤلمًا.

ليس لأنه يضيف إلينا شيئًا جديدًا.

بل لأنه ينتزع منا شيئًا قديمًا اعتدنا العيش معه.

وربما لهذا السبب أيضًا لا ينمو الإنسان كلما مرّ بتجربة، بل كلما امتلك الشجاعة ليرى نفسه على حقيقتها.

تعلمت من الناس أكثر مما تعلمت من الكتب.

تعلمت من أمٍّ فقدت ابنها، لكنها لم تسمح للحزن أن يسلبها قدرتها على الحنان.

ومن مريض كان يبتسم للآخرين بينما يخوض معركته الخاصة بصمت.

ومن أشخاص خذلتهم الحياة مرارًا، لكنهم ظلوا أوفياء لطيبتهم.

هؤلاء لم يكونوا أقل ألمًا من غيرهم.

لكنهم امتلكوا أذنًا أخرى.

أذنًا تسمع ما وراء الألم.

تسمع ما يريد الوجع أن يكشفه، لا ما يريد أن يدمره.

لقد فهموا أن الخسارة ليست دائمًا نهاية.

وأن الانكسار ليس دائمًا هزيمة.

وأن بعض الجراح تفتح في الروح نوافذ لم تكن لتُفتح بغيرها.

ومع السنوات، بدأت أفهم أن توبيخ الحياة ليس إدانة.

إنه دعوة.

دعوة إلى مراجعة الذات.

إلى العودة.

إلى رؤية ما لم نكن نريد أن نراه.

فالتوبيخ الذي يأتي من المحبة لا يهدف إلى كسر الإنسان، بل إلى إنقاذه من العيش بعيدًا عن حقيقته.

وكثيرًا ما يأتي هذا التوبيخ في صور لا نتوقعها.

في خسارة.

في خيبة.

في تأخر حلم.

في صمت طويل.

في باب يغلقه الله بينما نظل نحاول فتحه بكل قوتنا.

ثم نكتشف بعد زمن أن الرحمة كانت في الإغلاق لا في الفتح.

كلما تأملت هذه الآية، شعرت أن الكلمة الأعمق فيها ليست “التوبيخ”، ولا حتى “الحكماء”.

إنها “الأذن”.

الأذن التي لم يغلقها الكبرياء.

الأذن التي ما زالت قادرة على التعلم.

الأذن التي لا تبحث فقط عما يريحها، بل عما يحررها.

فالحكيم ليس من يمتلك جميع الإجابات.

الحكيم هو من لا يزال قادرًا على السؤال.

ولا يزال قادرًا على الإصغاء.

ولا يزال يملك التواضع الكافي ليغيّر رأيه حين يكتشف الحقيقة.

ربما لهذا لا تستقر الأذن السامعة بين الحكماء لأنها سمعت التوبيخ مرة واحدة.

بل لأنها لم تتوقف عن الإصغاء.

لأنها أدركت أن الحياة ليست سلسلة من الأحداث نعبرها فحسب.

بل رسالة تُقال لنا كل يوم بصور مختلفة.

وأن النضج ليس أن نصل إلى نهاية الطريق.

بل أن نبقى، حتى آخر العمر، تلاميذ للحقيقة.

وحين يحدث ذلك، لا يصبح توبيخ الحياة عبئًا نخشاه.

بل نعمة خفية تقودنا، خطوة بعد أخرى

إلى ذواتنا الأصدق…

وإلى الله.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما الذي يبقى من الإنسان؟
- «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ
- سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخ ...
- قراءة تأويلية في قصة “الخوف رداءً” لدينا سليم حنحن
- حين ينسى الإنسان اسمه
- مرايا الإسقاط
- رجاءٌ يتجاوز الموت
- مراثي القدس الأخيرة
- ا حتراق السكر
- الذين يمرّون ناقصين
- عودةُ الروح إلى الله
- نحنُ الذينَ لم نتعلّمِ العواء
- خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- ⸻ خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- تمالكوا ظلالَكم: قراءة في تفكك الوطن داخل قصيدة ريما حمزة
- المرأة الأرثوذكسية… بين أصالة الموروث وتحديات الحداثة
- ليان… حين يصبح العيش مع الاختلاف معركة من أجل الكرامة
- هذه قراءة نقدية وانطباعية في النص الإنساني المؤثر للكاتبة را ...
- حين يصبح الشارع أرحم من العالم


المزيد.....




- من أغرب مقابلاته.. ترامب يشتاط غضبًا وينهي لقاء له مع مراسلة ...
- بعد تصريحات ترامب.. إيران تعلن تعليق هجماتها على إسرائيل
- صواريخ ما بعد ضاحية بيروت.. هل تتمكن إيران من فرض معادلة ردع ...
- البحر الأحمر على خط التصعيد.. الحوثيون يعلنون -حظراً كاملاً- ...
- لماذا لم يكن بوسع إسرائيل ترك الهجوم الصاروخي الإيراني من دو ...
- الحرس الثوري يهدد منشآت الطاقة في المنطقة مع تبادل الغارات ب ...
- خبير إسرائيلي: ترامب يخشى القنبلة النووية الإيرانية.. لكن طه ...
- البيرو على حافة التوتر: سباق انتخابي محتدم ونتائج غير محسومة ...
- موت لا ينتهي في غزة ودموع لا تجف.. مقتل 10 فلسطينيين بنيران ...
- انقلاب رئيس غانا.. من حماية الحريات إلى تبرير تقييدها


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكماء» (أمثال 15: 31)