أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ما الذي يبقى من الإنسان؟














المزيد.....

ما الذي يبقى من الإنسان؟


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 22:11
المحور: الادب والفن
    


في إحدى المقابر، لفت انتباهي شيء لم أكن قد انتبهت إليه من قبل.

لم يكن اسمًا معروفًا، ولا شاهد قبر مميزًا، ولا عبارة مؤثرة من تلك التي تُكتب لتستدر الدموع.

كان حجرًا عاديًا.

لكن بين تاريخ الميلاد وتاريخ الوفاة، كانت هناك شرطة صغيرة.

خط قصير بالكاد يُرى.

وقفت أحدق فيه طويلًا.

وفكرت أن حياة كاملة كانت مختبئة هناك.

كل الأفراح التي عاشها صاحب هذا القبر.

كل الخيبات التي كسرت قلبه.

الأشخاص الذين أحبهم، والذين فقدهم، والذين رحلوا دون وداع.

الأحلام التي طاردها.

والمعارك التي خاضها.

والأيام التي ظن أنها لن تنتهي.

كل ذلك اختُصر في خط صغير بين تاريخين.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يشغلني تاريخ الميلاد ولا تاريخ الوفاة بقدر ما شغلني ذلك الخط.

ذلك الحيز الضيق الذي نُمنح إياه ثم نرحل.

في بدايات العمر، نعيش كما لو أن الوقت لا ينفد.

نؤجل الكلمات الجميلة.

ونؤجل الاعتذارات.

ونؤجل اللقاءات.

ونؤجل الأحلام.

وأحيانًا نؤجل الحياة نفسها.

نتصرف كما لو أن الغد حق مكتسب، لا هبة مؤقتة.

لكن السنوات تعلمنا، ببطء موجع، أن أكثر الأشياء هشاشة في هذا العالم ليست الزجاج.

إنها الأيام.

فالأعمار لا تغادرنا دفعة واحدة.

بل ترحل على هيئة صباحات عادية لم ننتبه إلى أنها لن تتكرر.

وعلى هيئة وجوه أحببناها ثم اختفت.

وعلى هيئة أبواب أُغلقت للمرة الأخيرة دون أن نعرف أنها الأخيرة.

عندها فقط نفهم أن النضج ليس ما تصنعه السنوات، بل ما يصنعه الوعي بفناء الأشياء.

حتى نحن.

أتذكر شجرة زيتون هرمة رأيتها في قرية جبلية.

كانت أقرب إلى ذاكرة منها إلى شجرة.

جذعها متشقق.

وأغصانها تحمل آثار مواسم قاسية.

بعض فروعها مات منذ زمن.

ومع ذلك، كانت تثمر.

وقفت أمامها طويلًا.

وفكرت أن الأشجار ربما تفهم الحياة أكثر منا.

هي لا تقضي عمرها في سؤال الريح لماذا جاءت.

ولا تدخل في خصومة مع الجفاف.

ولا تنشغل بعدّ ندوبها.

إنها تفعل شيئًا واحدًا فقط:

تستمر.

وتمنح.

أما نحن، فكثيرًا ما نحول جراحنا إلى هوية.

نقول:

أنا الذي خُذلت.

أنا الذي مرض.

أنا الذي فشل.

أنا الذي فقد.

حتى ننسى أن الإنسان أكبر من أكثر أيامه ألمًا.

وأوسع من أكثر جراحه عمقًا.

ومع مرور العمر، أدركت حقيقة لم أتعلمها من الكتب.

تعلمتها من الناس.

من أم دفنت ابنها، ثم واصلت توزيع الحنان على من حولها.

ومن مريض كان يبتسم بينما يخفي الآخرون قلقهم عليه.

ومن رجل خذلته الحياة مرارًا، لكنه لم يسمح لها أن تنتزع منه لطفه.

هؤلاء لم يكونوا أقل ألمًا من غيرهم.

لكنهم فهموا شيئًا جوهريًا:

أن النجاة ليست أن تعبر الحياة دون جراح.

فالإنسان لا يُمنح هذا الامتياز.

النجاة الحقيقية أن يمر الألم بك، ولا يتحول إلى قسوة.

أن تخذلك الحياة، ولا تصبح نسخة من خذلانها.

أن تنكسر، دون أن تفقد قدرتك على الحب.

كلما تقدمت في العمر، تغيرت الأسئلة.

في البدايات كنا نسأل:

ماذا سنملك؟

وماذا سنحقق؟

وكيف سنصل؟

أما اليوم، فأرى أن السؤال الأهم أبسط وأعمق:

ماذا سيبقى منا؟

لن يبقى البيت.

ولا المنصب.

ولا التصفيق.

ولا ما جمعناه من أشياء.

كل ذلك يذوب مع الزمن كما يذوب الضباب تحت شمس الصباح.

الذي يبقى شيء آخر.

قلب طمأن قلبًا.

يد امتدت في وقت الحاجة.

كلمة أعادت الأمل إلى روح متعبة.

أثر خفيف تركناه في حياة إنسان آخر دون أن نشعر.

ذلك وحده يملك قدرة عجيبة على مقاومة النسيان.

ولهذا، كلما تذكرت ذلك القبر، لا أتذكر اسم صاحبه.

أتذكر تلك الشرطة الصغيرة.

ذلك الخط الذي بدا قصيرًا جدًا على الحجر، واسعًا جدًا في المعنى.

وأفكر أننا جميعًا نكتب الآن خطوطنا الخاصة.

يومًا بعد يوم.

وكلمة بعد كلمة.

واختيارًا بعد اختيار.

وفي النهاية، لن يكون السؤال كم سنة عشنا.

بل ماذا فعلنا بالسنوات التي مُنحت لنا.

لأن الإنسان لا يخلده ما امتلكه.

ولا ما جمعه.

ولا ما قاله عن نفسه.

الذي يخلده حقًا هو ما تركه من نور في حياة الآخرين.

وحين نصبح نحن أيضًا مجرد تاريخين على حجر،

سيبقى بينهما خط صغير.

لكن بعض الخطوط،

رغم قصرها،
تتسع لعمر كامل من المعنى.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ
- سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخ ...
- قراءة تأويلية في قصة “الخوف رداءً” لدينا سليم حنحن
- حين ينسى الإنسان اسمه
- مرايا الإسقاط
- رجاءٌ يتجاوز الموت
- مراثي القدس الأخيرة
- ا حتراق السكر
- الذين يمرّون ناقصين
- عودةُ الروح إلى الله
- نحنُ الذينَ لم نتعلّمِ العواء
- خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- ⸻ خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- تمالكوا ظلالَكم: قراءة في تفكك الوطن داخل قصيدة ريما حمزة
- المرأة الأرثوذكسية… بين أصالة الموروث وتحديات الحداثة
- ليان… حين يصبح العيش مع الاختلاف معركة من أجل الكرامة
- هذه قراءة نقدية وانطباعية في النص الإنساني المؤثر للكاتبة را ...
- حين يصبح الشارع أرحم من العالم
- نبيل طنوس… حين تتعلّم اللغة أن تُنقذ الإنسان من وحدته


المزيد.....




- أطلال نظام مائي مملوكي قرب قلعة القاهرة تكشف كيف تسلّق الماء ...
- الأجاويد.. فنانون سودانيون يتحدون اللجوء في تشاد بالكوميديا ...
- القضاء الإيراني يؤيد حكم السجن بحق المخرج السينمائي الشهير ج ...
- مسية ثقافية لمناقشة رواية -ثلاثية غرناطة- في أثينا
- بأدلة رقمية ووثائق عسكرية.. منصة تركية تفضح زيف الرواية الإس ...
- من الكونغ فو إلى الرقص.. روبوتات يونيتري تتحدى البشر على الم ...
- مصر.. ساويرس يرد على تدوينة -حرب أكتوبر انتصار لإسرائيل- مبر ...
- محاضرة عن الشعر العربي للدكتور إياس ناصر في العاصمة اليوناني ...
- قصر الثقافة والفنون في الديوانية يقدم قراءات نقدية وشهادات ب ...
- مشاهد جوية من أفاميا.. مدينة سورية عمرها 2300 عام على قوائم ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ما الذي يبقى من الإنسان؟