أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن














المزيد.....

«وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 20:29
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


ثمة شعراء يكتبون القصيدة، وثمة شعراء تتحول القصيدة عندهم إلى موقف إنساني ورؤية للحياة. وزهير دعيم ينتمي إلى الفئة الثانية؛ فهو لا يكتب من خارج التجربة، بل من قلبها. لذلك تبدو قصائده وكأنها امتداد لسيرته الفكرية والوجدانية، ولإيمانه العميق بالإنسان والجمال والذاكرة.



في ديوانه «وطني حقيبة سفر» الصادر عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر، لا نعثر على وطنٍ بالمعنى الجغرافي الضيق، بل على وطنٍ يتحول إلى سؤال وجودي. فالعنوان نفسه يختزن مفارقة مؤلمة: كيف يمكن للوطن، وهو رمز الثبات والاستقرار، أن يصبح حقيبة سفر؟ وكيف تتحول الأرض التي تمنح الإنسان جذوره إلى شيء يحمله معه خوفًا من الضياع؟



هذه المفارقة تشكل البنية العميقة للديوان كله. فزهير دعيم لا يكتب عن الرحيل بقدر ما يكتب عن مقاومته، ولا يكتب عن الغربة بوصفها مسافة مكانية، بل باعتبارها جرحًا روحيًا يصيب الإنسان حين يشعر أن العالم يبتعد عن قيمه الأولى.



في اثنتين وثلاثين قصيدة تتناثر على صفحات الديوان، يتجلى الشاعر شاهدًا على زمن تتراجع فيه البراءة لصالح القسوة، والدفء لصالح العزلة، واليقين لصالح القلق. غير أن ما يميز هذه التجربة أنها لا تستسلم للسواد. فالشاعر، رغم وعيه العميق بالخذلان الإنساني، يصر على الانحياز إلى الضوء.



ولهذا تبدو الطبيعة في الديوان أكثر من مجرد عنصر جمالي. فالسنابل والغيم والندى والبحر والزنابق ليست مفردات زخرفية، بل علامات وجودية. إنها اللغة التي يلجأ إليها الشاعر كلما ضاقت اللغة المباشرة عن حمل المعنى. الطبيعة هنا ليست خارج الإنسان، بل امتداد لروحه. وحين يصف زهرة أو غيمة أو شجرة، فإنه في الحقيقة يصف حالة إنسانية أو موقفًا أخلاقيًا أو حلمًا مؤجلًا.



أما المرأة، فتخرج عند زهير دعيم من إطار الحضور العاطفي التقليدي إلى فضاء أكثر اتساعًا. إنها ليست الحبيبة فقط، بل رمز الخصب والحياة والاستمرار. إنها الأم حين تتجسد الأرض حنانًا، والوطن حين يصبح دفئًا، والحبيبة حين تتحول المحبة إلى خلاص. لذلك فإن قصائد مثل «المرأة زنبقة آذار» و«تنقطين حنانًا» لا تقرأ بوصفها نصوصًا غزلية، بل بوصفها نصوصًا تحتفي بجوهر الإنسان.



ومن يقرأ تجربة دعيم في مجملها يكتشف أن هذا الوفاء للإنسان ليس أمرًا عارضًا. فهو الكاتب الذي كتب للأم والأب كما كتب للوطن، واحتفى بفيروز كما احتفى بالطفولة، لأن مشروعه الثقافي في جوهره مشروع دفاع عن الجمال في مواجهة التوحش، وعن الذاكرة في مواجهة النسيان، وعن الإنسان في مواجهة كل ما يحاول اختزاله أو تهميشه.



فنيًا، يختار الشاعر لغة تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تخفي قدرًا من الوعي الجمالي. إنها لغة لا تسعى إلى الإدهاش البلاغي بقدر ما تسعى إلى صدق التأثير. ولعل هذا ما يمنح قصائده خصوصيتها؛ فهي لا تصرخ لتُسمع، بل تهمس فتصل. وتلك واحدة من أصعب معادلات الكتابة الشعرية.



إن القيمة الحقيقية لهذا الديوان لا تكمن في موضوعاته وحدها، بل في قدرته على بناء عالم أخلاقي وجمالي متكامل. عالم يؤمن بأن الشعر ما زال قادرًا على ترميم ما تكسره الحياة، وأن الكلمة تستطيع أن تحفظ الذاكرة من التآكل، وأن تمنح الإنسان ملاذًا حين تضيق به الأمكنة.



لهذا لا أقرأ «وطني حقيبة سفر» بوصفه ديوانًا يضم اثنتين وثلاثين قصيدة فحسب، بل أقرأه بوصفه سيرة وجدانية لإنسان ظل وفيًا لأحلامه الأولى. وفي زمن تتشابه فيه الأصوات وتتراجع فيه القيم الجمالية، يأتي صوت زهير دعيم هادئًا، شفافًا، وإنسانيًا، ليذكرنا بأن الشعر الحقيقي لا يقيم في الضجيج، بل في الأثر الذي يبقى في القلب بعد أن تنتهي القراءة



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ
- سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخ ...
- قراءة تأويلية في قصة “الخوف رداءً” لدينا سليم حنحن
- حين ينسى الإنسان اسمه
- مرايا الإسقاط
- رجاءٌ يتجاوز الموت
- مراثي القدس الأخيرة
- ا حتراق السكر
- الذين يمرّون ناقصين
- عودةُ الروح إلى الله
- نحنُ الذينَ لم نتعلّمِ العواء
- خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- ⸻ خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- تمالكوا ظلالَكم: قراءة في تفكك الوطن داخل قصيدة ريما حمزة
- المرأة الأرثوذكسية… بين أصالة الموروث وتحديات الحداثة
- ليان… حين يصبح العيش مع الاختلاف معركة من أجل الكرامة
- هذه قراءة نقدية وانطباعية في النص الإنساني المؤثر للكاتبة را ...
- حين يصبح الشارع أرحم من العالم
- نبيل طنوس… حين تتعلّم اللغة أن تُنقذ الإنسان من وحدته
- ميخائيل فانوس و”مسرح الحياة”… هناك تعلّمت أن الإنسان يمكن أن ...


المزيد.....




- مصر.. فيديو فتاة تتعرض للركل والضرب من شاب في الشارع والداخل ...
- بلا ذكور منذ 100 ألف عام: السمكة التي أربكت نظرية التطوّر
- مئة يوم على حرب إيران وتحوّل مسار المستشار فريدريش ميرتس
- -قُتلوا بالخطأ-.. لماذا لا يمكن للاحتلال تبرير قتل 3 عسكريين ...
- قبل أن يرتدي بدلته بساعات.. مهند يزف إلى قبره بدل عروسه
- من سيضحك أخيرا؟ حرب باردة بين فرنسا وروسيا على ثروات مدغشقر ...
- شاهد.. قذائف إسرائيلية تباغت مراسلة الجزيرة على الهواء
- التجسس الإسرائيلي في أمريكا.. تاريخ طويل من الشكوك بين الحلي ...
- عاجل | نيويورك تايمز: إسرائيل كثفت محاولات التنصت على مسؤولي ...
- إيران تضع ترامب في مأزق وهدنة لبنان تتهاوى


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن