أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخيَّلة قراءة تأويلية معمّقة في قصة “سقوطٌ مُدوٍّ” للكاتب عامر عودة















المزيد.....

سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخيَّلة قراءة تأويلية معمّقة في قصة “سقوطٌ مُدوٍّ” للكاتب عامر عودة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 23:56
المحور: الادب والفن
    


ثمة نصوص تبدأ من حدث صغير لتنتهي عند أسئلة كبرى، وقصة “سقوطٌ مُدوٍّ” واحدة من تلك النصوص التي تتخفّى خلف بساطة الحكاية لتقود قارئها نحو منطقة شديدة الحساسية في النفس الإنسانية؛ المنطقة التي تتقاطع فيها الصورة بالحقيقة، والادعاء بالاختبار، والكلام بالفعل.

للوهلة الأولى يبدو النص سردًا واقعيًا لحادث سير عابر وما تبعه من خلاف بين صديقين، غير أن البنية العميقة للقصة تكشف أننا لسنا أمام حادث اصطدام بين مركبتين، بل أمام اصطدام بين صورتين: صورة متخيَّلة صنعها عمّار لصديقه راضي، وصورة حقيقية كانت كامنة تنتظر لحظة ظهورها.

من هنا تتبدّى براعة الكاتب في توظيف الحدث الخارجي بوصفه محفّزًا دراميًا لانكشاف داخلي. فالحادث لا يشكّل محور النص بقدر ما يشكّل الشرارة التي أطلقت سلسلة من الانهيارات النفسية والأخلاقية المتتالية.

العنوان بوصفه نبوءة سردية

ليس عنوان “سقوطٌ مُدوٍّ” مجرد تسمية للحدث، بل هو مفتاح القراءة كله.

فالسقوط في الثقافة الإنسانية يرتبط دائمًا بفقدان العلوّ؛ سقوط نجم، أو سلطة، أو قيمة، أو صورة مثالية. أما “الدوّي” فلا يحيل إلى الضجيج الخارجي بقدر ما يحيل إلى حجم الصدمة التي يحدثها الانهيار في الوعي.

إن ما يسقط في النص ليس راضي وحده، بل يسقط معه تاريخ طويل من التصورات والأحكام والثقة العمياء. ولذلك يبدو العنوان وكأنه يسبق الأحداث ويخبرنا منذ البداية أن النهاية لن تكون انتصارًا لأحد، بل انهيارًا لصنم.

وهنا تكمن المفارقة الجمالية الأولى: فكلما بدا راضي مرتفعًا في أعين الآخرين ازداد اقترابه من لحظة السقوط.

راضي: صناعة الذات عبر الخطاب

يقدّم الكاتب شخصية راضي باعتبارها نموذجًا نفسيًا بالغ الدقة.

إنه لا يكتفي بأن يكون رجلًا يتحدث كثيرًا، بل يجعل الكلام وسيلته الأساسية لبناء هويته. فالرجل يعيش داخل سردية ذاتية متضخمة، ويعيد إنتاج نفسه باستمرار من خلال الحكايات التي يرويها عن بطولاته ومواقفه ووطنيته وشهامته.

في علم النفس يُعرف هذا السلوك أحيانًا بالتعويض الرمزي؛ حيث يحاول الفرد ترسيخ صورة مثالية عن ذاته عبر تكرارها لفظيًا حتى تصبح حقيقة متخيَّلة في وعيه ووعي المحيطين به.

ولعل العبارة المتكررة:

“الرجال مواقف”

تشكل مركز الشخصية كلها.

إنها ليست جملة عابرة، بل شعار وجودي يبني راضي حوله صورته العامة. لكن الكاتب يستخدمها بذكاء ساخر، إذ يجعل الشعار نفسه يتحول إلى أداة إدانة لصاحبه. فما إن تحين لحظة الموقف الحقيقي حتى ينهار الشعار تحت وطأة الاختبار.

هنا يتحول النص إلى مفارقة أخلاقية بديعة؛ فالرجل الذي جعل من المواقف معيار الرجولة يسقط في أول موقف يتطلب منه ثمنًا شخصيًا.

عمّار: ضحية الخذلان أم ضحية الوهم؟

قد يبدو عمّار للوهلة الأولى ضحية مباشرة لسلوك راضي، لكن القراءة المتأنية تكشف أن خسارته الأعمق لم تكن في موقف راضي، بل في استثماره العاطفي الطويل في صورة غير حقيقية.

لقد أحبّ راضي كما تخيله، لا كما كان.

ولهذا فإن لحظة الانكشاف ليست مجرد خيبة صداقة، بل أزمة إدراك.

إنها تلك اللحظة المؤلمة التي يكتشف فيها الإنسان أن جزءًا من الواقع الذي عاش داخله كان من صنع خياله.

ومن أجمل ما في النص أن الكاتب لا يصوّر عمّار بطلاً كاملًا، بل إنسانًا ساهم بصمته وتبريراته المتكررة في استمرار الوهم. فهو يعترف ضمنيًا بأنه اعتاد التغاضي عن الأخطاء، وابتلاع الإساءات، وإلباس نفسه ثوب المذنب حفاظًا على العلاقة.

وبذلك يتحول النص من إدانة لراضي إلى نقد خفيّ لآلية التقديس التي يمارسها البشر تجاه بعضهم بعضًا.

المحكمة الغائبة والحضور الطاغي للضمير

لا تظهر المحكمة فعليًا في القصة، لكنها تحضر بوصفها رمزًا مركزيًا.

فما إن تُذكر حتى يتغير وجه راضي.

وهنا يحدث التحول الحقيقي.

إن خوفه ليس من القانون بقدر ما هو من لحظة تثبيت الحقيقة.

فالمحكمة في النص ليست مؤسسة قانونية، بل فضاء رمزي يسقط فيه التلاعب بالسرديات الشخصية.

لهذا يلجأ راضي إلى أكثر الجمل دلالة:

“كنت نائمًا.”

الجملة تبدو دفاعًا بسيطًا، لكنها تحمل كثافة رمزية هائلة.

إنها ليست إعلانًا عن نوم الجسد، بل عن نوم الضمير.

ففي الأدب غالبًا ما يصبح النوم استعارة للغياب الأخلاقي، وللرغبة في عدم رؤية ما يجب رؤيته.

وحين يدّعي راضي أنه لم ير شيئًا، فإنه في الحقيقة يختار ألّا يرى.

وهنا تكمن مسؤوليته الأخلاقية.

السجائر بوصفها رمزًا سرديًا

قد تبدو السيجارة تفصيلًا هامشيًا، لكنها تتكرر بصورة لافتة في النص.

راضي يتحدث وينفث دخان سيجارته.

يتباهى وينفث دخان سيجارته.

يعلن بطولاته وينفث دخان سيجارته.

وكأن الكاتب يجعل الدخان امتدادًا رمزيًا للشخصية نفسها.

فكل ما يقوله الرجل يشبه الدخان: كثيف الحضور، لكنه بلا جوهر ثابت.

يتشكل لحظة ثم يتلاشى.

إنه بناء من هواء.

ولهذا لا يحتاج الكاتب إلى وصف مباشر لزيف الشخصية؛ إذ يترك الدخان يقوم بهذه المهمة الجمالية نيابة عنه.

السقوط الأخير: موت الصورة

أعظم ما في القصة أن انهيار راضي لا يحدث عند رفض الشهادة.

ولا عند الكذب.

ولا عند التباهي.

بل في المشهد الأخير الصامت.

يمر أمام عمّار دون أن يلقي تحية الصباح.

هنا يبلغ السرد ذروته الفنية.

فالتحية ليست كلمة فحسب، بل اعتراف متبادل بالإنسان الآخر.

وعندما يمتنع عنها، يصبح المشهد إعلانًا رمزيًا عن موت العلاقة.

بل أكثر من ذلك: موت الصورة التي كانت تربط الرجلين.

ولهذا جاءت النهاية خالية من الصراخ والمواجهة.

فالحقائق الكبرى لا تحتاج إلى ضجيج.

إنها تكتفي بأن تنكشف.

البعد الفلسفي للنص

في جوهرها، لا تسأل القصة من كان المخطئ في حادث السير.

السؤال الحقيقي هو:

متى يصبح الإنسان ما يدّعيه؟

هل تكفي الكلمات؟

هل تكفي الشعارات؟

هل تكفي السيرة التي يرويها المرء عن نفسه؟

يجيب النص ضمنيًا بأن الأخلاق لا تُقاس بما نقوله عندما نكون آمنين، بل بما نفعله عندما تصبح الحقيقة مكلفة.

فالفضائل التي لا تختبر تبقى احتمالات.

أما المواقف فهي التي تمنحها وجودها الفعلي.

خلاصة

نجح عامر عودة في كتابة قصة تبدو واقعية في ظاهرها، لكنها تحمل في أعماقها بنية رمزية ونفسية وفلسفية ثرية. إنها قصة عن الخذلان، لكنها في مستوى أعمق قصة عن انهيار الأصنام البشرية التي نصنعها من الكلمات. وهي أيضًا قصة عن لحظة الاستيقاظ المؤلمة حين يكتشف الإنسان أن بعض الأشخاص لم يسقطوا فجأة، بل كانوا يسقطون منذ زمن طويل، غير أن وهج الصورة كان يحجب صوت ارتطامهم بالأرض.

إن “سقوطٌ مُدوٍّ” لا تنتهي عند آخر سطر، بل تبدأ منه؛ لأنها تدفع القارئ إلى مراجعة وجوه كثيرة مرت في حياته، وربما إلى مراجعة الصورة التي يرسمها هو لنفسه قبل أن يرسمها للآخرين.

::



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة تأويلية في قصة “الخوف رداءً” لدينا سليم حنحن
- حين ينسى الإنسان اسمه
- مرايا الإسقاط
- رجاءٌ يتجاوز الموت
- مراثي القدس الأخيرة
- ا حتراق السكر
- الذين يمرّون ناقصين
- عودةُ الروح إلى الله
- نحنُ الذينَ لم نتعلّمِ العواء
- خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- ⸻ خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور
- تمالكوا ظلالَكم: قراءة في تفكك الوطن داخل قصيدة ريما حمزة
- المرأة الأرثوذكسية… بين أصالة الموروث وتحديات الحداثة
- ليان… حين يصبح العيش مع الاختلاف معركة من أجل الكرامة
- هذه قراءة نقدية وانطباعية في النص الإنساني المؤثر للكاتبة را ...
- حين يصبح الشارع أرحم من العالم
- نبيل طنوس… حين تتعلّم اللغة أن تُنقذ الإنسان من وحدته
- ميخائيل فانوس و”مسرح الحياة”… هناك تعلّمت أن الإنسان يمكن أن ...
- الصوت العربي في الكنيست: أقلية تعرف كل شيء… إلا حجم قوتها
- الحافلة التي لا تصل قصيدة ساخرة


المزيد.....




- الروائي محمد تركي الدعفيس: المنفى يخلّف ندوبا والحنين محرض د ...
- بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس ...
- لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ ...
- زخاروفا: الاستهداف المتعمّد للمواقع الثقافية أو تدميرها بشكل ...
- الرسوم الدراسية العالقة تحاصر أحلام الخريجين في غزة
- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخيَّلة قراءة تأويلية معمّقة في قصة “سقوطٌ مُدوٍّ” للكاتب عامر عودة