أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قراءة تأويلية في قصيدة «عن السقوط أتحدث» للشاعر طارق عون الله














المزيد.....

السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قراءة تأويلية في قصيدة «عن السقوط أتحدث» للشاعر طارق عون الله


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 10:03
المحور: الادب والفن
    


ليست القصيدة التي بين أيدينا تأملًا في السقوط بقدر ما هي إعادة تأسيس لمعناه. فالشاعر طارق عون الله لا يتعامل مع السقوط بوصفه لحظة انكسار أو هزيمة، وإنما بوصفه لحظة كشف كبرى، تتعرّى فيها الحقائق من زيفها، وتتساقط الأقنعة عن الوجوه والأفكار والعلاقات. ومن هنا تنبع قوة النص؛ إذ ينقل المفهوم من دلالته الحركية المباشرة إلى فضائه الرمزي والوجودي الأوسع.

يفتتح الشاعر نصه بمفارقة لافتة: «ليس السقوط ذلك الذي نرتطم فيه بالأرض، بل ذاك الذي نرتفع فيه فجأة». ومنذ هذه اللحظة يؤسس لرؤية معاكسة للمألوف؛ فالسقوط الحقيقي لا يحدث حين تهوي الأجساد، بل حين ترتقي البصيرة إلى الحد الذي ترى معه ما كان مستترًا خلف ضباب العادة والثقة والتوقعات.

إن الارتفاع في هذا النص ليس نقيض السقوط، بل طريقه. فكلما ارتفعت الذات في مدارج التجربة، خفّت عنها الأحمال التي ظنت يومًا أنها جزء منها. لذلك لا يبدو الذين «يتدلّون من أكتافنا» مجرد أشخاص، بل رموزًا لكل ما نحمله من تصورات مسبقة عن الآخرين، ولكل الأوهام التي نمنحها أسماء الصداقة أو الوفاء أو الانتماء. وهنا تكمن إحدى أكثر طبقات النص عمقًا: نحن لا نخسر الناس في المحن بقدر ما نخسر صورهم التي صنعناها داخلنا.

وتتمركز الرؤية الشعرية للنص حول صورة «الغربال»، وهي الصورة الأكثر ثراءً وتأثيرًا في بنيته الرمزية. فالغربال لا يخلق شيئًا ولا يهدم شيئًا، بل يكشف الفوارق الكامنة بين الأشياء. ومن ثم فإن المحنة، وفق هذا التصور، ليست قوة تغيير بقدر ما هي قوة إظهار. إنها لا تصنع الخيانة ولا تصنع الوفاء، وإنما تمنح كلًّا منهما فرصة الظهور.

لهذا يخاطب الشاعر الغربال بوصفه سلطة أخلاقية محايدة: «ما أبهى عدلك القاسي». إنها عبارة تختزل جوهر النص كله؛ فالعدالة هنا لا تعاقب ولا تنتقم، بل ترفع الغطاء عن الحقيقة. ومن اللافت أن الشاعر يتجنب خطاب الإدانة المباشرة، فلا يضع نفسه في موقع القاضي، بل يترك الزمن والمواقف يتوليان مهمة الكشف. وهذا ما يمنح القصيدة بعدًا إنسانيًا راقيًا، يبتعد عن الشماتة ويقترب من الحكمة.

وعندما ينتقل النص إلى البعد السياسي، فإنه لا يغادر أفقه التأويلي، بل يوسعه. فالسقوط السياسي ليس سقوط أنظمة أو أفراد فحسب، وإنما سقوط الأقنعة الأخلاقية أمام لحظات الاختبار الكبرى. ففي الأزمنة العادية يمكن للمواقف أن تتوارى خلف المجاملة أو الحذر أو المصالح، أما في أزمنة العواصف فإن الحقائق تخرج من مناطقها الرمادية إلى وضوحها الحاسم. لذلك تبدو عبارة «حين لا يعود للحياد معنى» إشارة إلى لحظة تاريخية وأخلاقية يصبح فيها الصمت موقفًا بحد ذاته.

غير أن القصيدة تبلغ ذروتها الفكرية حين تفكك العلاقة التقليدية بين السقوط والهزيمة، وبين البقاء والانتصار. فليس كل من سقط خاسرًا، وليس كل من بقي منتصرًا. إن معيار القيمة في النص ليس القدرة على البقاء، بل القدرة على الاحتفاظ بالجوهر. ولهذا فإن من يبقى بعد الغربلة ليس الأقوى ولا الأكثر نفوذًا، بل الأكثر صدقًا والأشد التصاقًا بمعناه الإنساني.

ومن هنا يكتسب المقطع الختامي جماله الخاص. فالوحدة التي تُقدَّم عادة بوصفها نقصًا تتحول إلى حالة من الصفاء. والدرب الذي كان مزدحمًا بالأسماء يصبح أكثر نقاءً بعد أن يغادره العابرون. والقلب الذي ظن أن كثرة الرفاق علامة غنى، يكتشف أن الطمأنينة تبدأ حين يتخفف من الضجيج.

إن السقوط في هذه القصيدة ليس سقوطًا من علوّ، بل سقوط من الوهم. وليس فقدًا للآخرين بقدر ما هو استرداد للذات. فبعد كل غربلة حقيقية لا يكتشف الإنسان من بقي معه فقط، بل يكتشف من أصبح هو.

وهنا تكمن القيمة الجمالية والفكرية للنص؛ إذ يحوّل المحنة من حدث مؤلم إلى لحظة معرفة، ويحوّل الخسارة إلى شكل من أشكال النجاة، ويمنح السقوط معنى نادرًا: أن يكون الطريق الأكثر قسوة نحو الحقيقة، والأكثر صدقًا نحو الذات



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما لا يغسله الغفران
- في مساءلة الغياب الإلهي بين براءة اليقين وعنف الواقع قراءة ت ...
- حين يعتاد الضمير الظلم
- ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للرو ...
- آلهة الأرض.. حين جعل جبران السماء مرآة للإنسان قراءة تأويلية ...
- عطش الرمال
- الحجابُ حجابُ الروحِ والقلب
- الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب
- الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكما ...
- ما الذي يبقى من الإنسان؟
- «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ
- سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخ ...
- قراءة تأويلية في قصة “الخوف رداءً” لدينا سليم حنحن
- حين ينسى الإنسان اسمه
- مرايا الإسقاط
- رجاءٌ يتجاوز الموت
- مراثي القدس الأخيرة
- ا حتراق السكر
- الذين يمرّون ناقصين


المزيد.....




- الدبوب -فيني بوخ- يعود إلى الشاشة الكبيرة بفيلم روائي طويل
- ترجمة خاصة | شبهات اختفاء ملايين الشواكل تثير أزمة في قطاع ا ...
- زاخاروفا: تصرفات زيلينسكي ضد اللغة الروسية نازية جديدة
- تحديات إنتاج أفلام الرسوم المتحركة في العالم العربي: رؤية ال ...
- وفاة الفنان البريطاني ديفيد هوكني أحد أبرز وجوه الفن المعاصر ...
- طهران: لا التزامات نووية جديدة.. وترمب يرفض الرواية الإيراني ...
- -هوليوود أفريقيا-.. متحف تاريخ السينما بورزازات المغربية شاه ...
- معرض أربيل الأول للكتاب الكردي.. تعزيز اللغة والثقافة بمشارك ...
- سجن وإبعاد وتهم فضفاضة.. كيف يواجه صحفيو القدس حرب الرواية؟ ...
- المخرج يحيى جابر والممثلة آنجو ريحان في باريس: جنوب لبنان وا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - السقوط من الوهم… حين يصبح الانكشاف شكلًا من أشكال النجاة قراءة تأويلية في قصيدة «عن السقوط أتحدث» للشاعر طارق عون الله