أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - حين يعتاد الضمير الظلم














المزيد.....

حين يعتاد الضمير الظلم


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 22:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست أخطر المآسي تلك التي تقع أمام أعيننا.

أخطر المآسي هي تلك التي تتكرر حتى نتوقف عن رؤيتها.

فالظلم لا ينتصر فقط بقوة من يمارسه، بل بصمت من يعتاد عليه. وما يبدأ صادمًا قد يتحول، مع الزمن، إلى مشهد يومي يفقد قدرته على إثارة الغضب، وكأن تكراره يمنحه شيئًا من الشرعية أو يخفف من وطأته الأخلاقية.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

في القدس، تتوالى الأخبار بوتيرة تكاد تكون ثابتة: اقتحامات، هدم منازل، مصادرة أراضٍ، توسع استيطاني، قيود على الحركة، وواقع يزداد ضيقًا يومًا بعد يوم. غير أن الخطر لا يكمن في هذه الوقائع وحدها، بل في تحوّلها إلى جزء مألوف من المشهد العام، تُقرأ ثم تُنسى، وتُسجل ثم تُطوى صفحتها سريعًا تحت زحام الأحداث.

فالإنسان قادر على التكيف مع كل شيء تقريبًا، حتى مع ما كان يرفضه بالأمس. وهذه القدرة، على أهميتها في مواجهة قسوة الحياة، تتحول إلى خطر أخلاقي حين تجعلنا نتعايش مع ما لا يجوز التعايش معه.

عندها لا يصبح السؤال: ماذا يحدث؟

بل: لماذا لم يعد ما يحدث يوقظ فينا القدر نفسه من الدهشة والرفض؟

التاريخ يعلمنا أن الكوارث الكبرى لم تكن دائمًا نتيجة جهل البشر بالظلم، بل كثيرًا ما كانت نتيجة اعتيادهم عليه. فما يهز الضمير في البداية قد يصبح، مع التكرار، جزءًا من المشهد المعتاد. وحين يفقد الإنسان حساسيته تجاه الظلم، لا تتغير الوقائع وحدها، بل يتغير شيء أعمق في داخله.

يتغير معياره الأخلاقي.

وتلك هي الخسارة الأخطر.

فالقضية ليست أن يُهدم بيت، بل أن يصبح هدم البيوت خبرًا عاديًا. وليست أن تُصادر أرض، بل أن تتراجع القدرة على الغضب من مصادرة الأرض. وليست أن يُنتهك حق إنسان، بل أن يتراجع الشعور بفظاعة انتهاك هذا الحق.

في تلك اللحظة لا يكون الظلم قد انتصر على ضحاياه فقط، بل يكون قد نجح في إضعاف حساسية الشهود أيضًا.

والقدس اليوم ليست مجرد عنوان لصراع سياسي أو نزاع على الأرض والحدود. إنها اختبار يومي للضمير الإنساني؛ اختبار لقدرتنا على الاحتفاظ بوضوح البوصلة الأخلاقية وسط عالم تتزاحم فيه المآسي إلى حد يهدد بتحويلها جميعًا إلى أرقام وعناوين عابرة.

ولهذا فإن الدفاع عن القدس لا يبدأ من السياسة وحدها، ولا ينتهي عند الجغرافيا.

إنه يبدأ من رفض الاعتياد.

من الإصرار على أن يبقى الظلم ظلمًا مهما تكرر.

وأن تبقى الجريمة جريمة مهما طال أمدها.

وأن يبقى اقتلاع الإنسان من أرضه فعلًا يستحق الغضب لا التعايش.

فالحق لا يفقد عدالته لأن العالم انشغل عنه.

والباطل لا يصبح مقبولًا لأن الناس اعتادوا رؤيته.

لهذا تبقى الكلمة مسؤولية.

لا لأنها تغير الوقائع وحدها، بل لأنها تحمي الوعي من التبلد، وتحفظ للإنسان قدرته على التمييز بين ما يجب قبوله وما يجب مقاومته.

فأخطر ما يمكن أن يحققه الظلم ليس السيطرة على الأرض.

بل أن ينجح، بمرور الوقت، في السيطرة على الضمير.

وفي قدرتنا على الشعور به



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميتافيزيقا الاحتراق: حين يختار سامي الجابري النار وطناً للرو ...
- آلهة الأرض.. حين جعل جبران السماء مرآة للإنسان قراءة تأويلية ...
- عطش الرمال
- الحجابُ حجابُ الروحِ والقلب
- الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب
- الأذن التي تسمع «الأذن السامعة توبيخ الحياة تستقر بين الحكما ...
- ما الذي يبقى من الإنسان؟
- «وطني حقيبة سفر»… حين يكتب زهير دعيم سيرة الروح بلغة الوطن
- عن النكسة… والنكسات التي لم تنتهِ
- سقوطٌ مُدوٍّ: في تشريح الوهم الأخلاقي وانهيار البطولة المُتخ ...
- قراءة تأويلية في قصة “الخوف رداءً” لدينا سليم حنحن
- حين ينسى الإنسان اسمه
- مرايا الإسقاط
- رجاءٌ يتجاوز الموت
- مراثي القدس الأخيرة
- ا حتراق السكر
- الذين يمرّون ناقصين
- عودةُ الروح إلى الله
- نحنُ الذينَ لم نتعلّمِ العواء
- خولة حاج دبسي… حضور إنساني صنع أثرًا يتجاوز الدور


المزيد.....




- لافروف: ملتزمون بأمن الملاحة في العالم
- اتفاقية سعودية تركية في مجال النقل
- -إنذار كاذب- يتسبب بإخلاء وإغلاق جزئي داخل البنتاغون
- بعد إعلان السيطرة على وادي السلوقي.. قائد في لواء غولاني: -م ...
- ترامب يهدد بضرب إيران -بقوة شديدة- والسيطرة على جزيرة خرج
- ملفات إبستين تعيد فتح لغز اختفاء شابة ألمانية منذ عام 2015
- الجزائر وفرنسا.. حوار ندّي وتقارب حذر
- قاليباف يحذر أمريكا من نقطة الصفر ومستنقع لا نهائي بعد تهديد ...
- ترامب يعلن إلغاء الضربات وعمليات القصف التي كانت مقررة ضد إي ...
- السفير الأميركي في إسرائيل: منطلقات دعمنا لتل أبيب عقائدية و ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - حين يعتاد الضمير الظلم